تقوية مؤسسات السلطة الفلسطينية
تقرير فريق العمل المستقل برعاية مجلس العلاقات الخارجية
ميشيل روكارد، رئيس الفريق - هنري سيغمان، مدير المشروع
المؤلفان الرئيسيان: يزيد صايغ وخليل الشقاقي
حتى اليوم لم يكن هناك تقييم شامل ومنهجي لمؤسسات السلطة الفلسطينية: بنيتها وإجراءاتها، قدرتها على وضع الأولويات وتوزيع الموارد، ومدى شفافيتها وخضوعها للمساءلة. كذلك لم يكن هناك فحص منهجي للازدواجية بين المؤسسات أو لتعددها، أو لأثر ذلك على صنع القرار. إن فريق العمل الدولي هذا هو أول عمل كهذا.
على غير العادة بالنسبة لتقارير فرق العمل المستقلة التي يرعاها مجلس العلاقات الخارجية، فإن هذا التقرير حول تقوية مؤسسات السلطة الفلسطينية لا يركز على السياسة الأمريكية. وهو لا يتخذ موقفا من عملية السلام في الشرق الأوسط، ولا يتناول مسألة الدولة الفلسطينية. عوضا عن ذلك، فإن هدف التقرير عملي، وهو مساعدة السلطة الفلسطينية ومؤسسات الأسرة الدولية، البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، والدول المانحة العاملة لدى السلطة الفلسطينية في تحسين كفاءة ومصداقية مؤسسات الحكومة الذاتية الفلسطينية حديثة النشأة. إن السمات المميزة لتقرير فريق العمل هذا هي الإرشادات العملية والتفصيلية لتطوير مؤسسات سليمة وحكم صالح.
وجد فريق العمل أنه رغم الإنجازات الهامة، فإن على السلطة الفلسطينية القيام بإجراء تغييرات واسعة لضمان حكم صالح - بما في ذلك نظام سياسي مشارك، ومجتمع دولي تعددي، وتنمية مستدامة، واقتصاد سوق حرة - وذلك خلال الانتقال لتسوية دائمة وما بعده. من بين هذا الإجراءات، يحث التقرير السلطة الفلسطينية على تبني دستور، وإقامة نظام مساءلة للسلطة التنفيذية أمام السلطة التشريعية، ومركزة كافة الواردات والنفقات العامة في وزارة المالية، وتشجيع تحويل البرامج والمشاريع غير المرتبطة مباشرة بعمل الرئاسة إلى الوزارات والبلديات ذات العلاقة، وضمان استقلال القضاء.
إن الثقة في مؤسسات السلطة الفلسطينية تؤثر على المنافسة على الشرعية مع الجهات التي ترفض اتفاقات أوسلو وتدعي أنها تقوم بعمل أفضل مما تقوم به السلطة الفلسطينية في توفير خدمات معينة للشعب الفلسطيني. إن هذه الثقة تؤثر على قدرة السلطة الفلسطينية على التفاوض مع إسرائيل، كما تؤثر على ثقة إسرائيل في قدرة السلطة الفلسطينية على تنفيذ الاتفاقات. بعبارة أخرى، الحكم الصالح شرط ضروري أيضا لنجاح عملية السلام.
إن مما يبعث على الارتياح والتشجيع أن فريق العمل سيستمر، استكمالا ومتابعة لهذا التقرير، في العمل مع السلطة الفلسطينية في المساعدة في وضع الأولويات وتنفيذ التوصيات الواردة في التقرير.
تشكل فريق العمل من مجموعة مرموقة بشكل غير عادي من رجال دولة أوروبيين وشرق أوسطيين وأمريكيين. أود بشكل خاص التقدم بالشكر لكل من ميشيل روكارد، وهنري سيغمان، ويزيد صايغ وخليل الشقاقي لعملهم الدؤوب ولإلتزامهم بهذا المشروع. إن التقرير المثير للإعجاب الذي أنتجوه ينبغي أن يشكل إسهاما بارزا ليس فقط لعملية بناء المؤسسات الفلسطينية، بل أيضا للسلام في الشرق الأوسط.
ليسلي غيلب
رئيس مجلس العلاقات الخارجية
يتقدم مجلس العلاقات الخارجية بالشكر الجزيل لأعضاء فريق العمل المرموقين لمراجعتهم المتأنية وإسهامهم الهام في المسودات المختلفة لهذا التقرير. كما نشكر كافة المشاركين في مجموعة الخبراء لعملهم المخلص والدؤوب في الاجتماعات المتعددة في رام الله، ولإجرائهم المقابلات مع رسميين فلسطينيين، ولإسهامهم في صياغة التقرير.
لأن هذا المشروع جمع مشاركين من قارات ثلاثة فإننا نتقدم بالشكر والتقدير الخاص لمركز البحوث والدراسات الفلسطينية في نابلس، الذي عمل كمقر لسكرتاريا المشروع في المناطق الفلسطينية، ونتقدم بالشكر بشكل خاص لألفت حماد لقيامها بتنسيق اجتماعات الخبراء. وقد قام المركز أيضا بإنتاج النسخة العربية من الملخص التنفيذي والتقرير الكامل. كما أتقدم بالشكر أيضا لجوناثان باريس، الزميل في مشروع الولايات المتحدة والشرق الأوسط، لقيامه بالتنسيق الفعال بين الأطراف المشاركة المختلفة، ولمساعدتي التنفيذية باربرا ماكيرتن. وفوق كل شيء، فإنني مدين لليس غيلب، رئيس المجلس، إذ بدون مشورته ومساندته فإن عمل مشروع الولايات المتحدة والشرق الأوسط ما كان ليكون ممكنا.
كما يعبر مجلس العلاقات الخارجية عن شكره وامتنانه العميق للدعم المالي السخي الذي قدمته لهذا المشروع كل من المفوضية الأوروبية والحكومة النرويجية. وفي هذا المجال، فإنني أود التقدم بشكر خاص للسفيرين ميخال أنجل موراتينوس وتيري رود-لارسن لصداقتهما وتأييدهما الدائمين ولميشيل روكارد لرئاسته المتوازنة والحكيمة والثابتة لفريق العمل.
من يزيد صايغ وخليل الشقاقي، المؤلفين الرئيسيين لهذا التقرير، تعلمت درسا في معنى الاستقامة الأكاديمية والشجاعة المدنية لن أنساه قريبا.
هنري سيغمان
مدير المشروع وزميل أول في مجلس العلاقات الخارجية
تقديم
تقوم السلطة الفلسطينية بإدارة شؤون مليونين وتسعمائة ألف مواطن، وعدد السكان هذا أكبر من عدد مواطني دول مثل موريتانيا وغابون والكويت ومنغوليا أو سلوفينيا. وفي الحقيقة، فإنه يوجد لحوالي خمسين دولة عضو في الأمم المتحدة عدد سكان أقل من ذلك. ومع ذلك، فإن السلطة الفلسطينية ليست دولة بعد.
يعود تكوين السلطة الفلسطينية والاعتراف بهويتها إلى أيلول (سبتمبر) 1993 عندما قامت إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية بتوقيع اتفاق أوسلو في واشنطن.
بالرغم من أن السلطة الفلسطينية لا تتمتع بسيطرة تامة على عملية دخول وخروج مواطنيها، أو زائريها، أو البضائع التي تتبادلها، أو مصادرها الطبيعية المحدودة، وبالرغم من أن المنطقة التي تسيطر عليها تفتقر للتواصل الجغرافي، فإنها تمكنت من إنجاز الكثير منذ تأسيسها. فقد تم انتخاب مجلس تشريعي في ظروف تم الاعتراف بأنها كانت ديمقراطية، وقد توفرت الخدمات العامة للجمهور، ويتم تشكيل بنية إدارية، وتأخذ التعددية السياسية في الظهور فيما تمارس حرية العبادة، مع أن حرية الصحافة لا تزال مشكلة جدية. وبالرغم من الصدمات العائدة بشكل كبير للإغلاقات الإسرائيلية للحدود، فإن الاقتصاد يظهر علامات التقدم.
إن ظهور ما قد يصبح مجتمعا ديمقراطيا وعلمانيا وتعدديا في العالم العربي هو أمر له أهمية خاصة. إن تمكنت السلطة الفلسطينية من النجاح في خلق مجتمع عصري يظهر احتراما تاما لحقوق الإنسان ومبادىء الأمم المتحدة فإن هذا سيشكل إنجازا ذا أهمية للعالم بأسره. فالبعد الرمزي لذلك واضح. وسيكون له تأثير على استمرار وجود شعب وعلى سلام منطقة حساسة. وفوق كل ذلك، سيكون لذلك مغزى للعالم العربي، في تمكن الفلسطينيين، وهم الضعفاء والمحرومون، من خلق مجتمع قادر تماما على التأقلم مع معايير العالم المعاصر.
من الواضح بالطبع أن عملية بناء الوطن لم تكتمل بعد. فالاستقرار السياسي غير أكيد والاستقرار المؤسسي أكثر ضعفا. يرفض المستثمرون الخارجيون، وحتى من بين فلسطينيي الشتات، القدوم لمنطقة لا يوجد فيها ضمانات أكيدة بنظام حسابات واضح، وباستقرار قانوني وقضائي، وبإدارة فاعلة. إن هذا قد يكون أمرا مؤسفا، لكنه مع ذلك ليس مفاجئا.
ليس من السهل إحداث تغييرات بسرعة وبدون عوائق في منظمة تم إنشاؤها أصلا للقتال الحربي بحيث تتحول إلى كيان دستوري معترف به دوليا. فالطبيعة الفردية للبنى العسكرية وسرية عملية صنع القرارات وإدارة الشؤون المالية كانت كلها ضرورية لمنظمة التحرير الفلسطينية لثلاثين عاما. يمكن لهذه العادات والبنى أن تتبدل ولكن بصعوبة كبيرة.
تعلم السلطة الفلسطينيةورئيسها كل ذلك كما يمكن رؤيته من حقيقة أن هذه الدراسة للمؤسسات الفلسطينية قد تمت بتشجيعهم. إن هذا الانفتاح للمراقبة الخارجية هو بحد ذاته أمر لا سابقة له.
إن هدف هذا التقرير هو إعطاء السلطة الفلسطينية صورة تشخيصية عما تم إنجازه من قبلها، وتعريف بالمشاكل المنبثقة، واقتراح حلول علاجية محددة لها. إن مجال التقرير يغطي النشاطات المتعددة لأي مجتمع عام: الشؤون الدستورية، التشريع، عمل الجهاز التنفيذي والإدارة، أوضاع الخدمات الأكثر أهمية كالعدالة والشرطة والخدمات الاجتماعية وأخيرا أوضاع الإدارة المالية العامة والاقتصاد والتخطيط.
إن المواد التي تشكل التحليل النقدي والاقتراحات قد تم جمعها من قبل فريق يتكون من أكثر من عشرين خبيرا كلهم تقريبا فلسطينيون. وقد تم تشكيل وتوجيه هذا الفريق من قبل يزيد صايغ وخليل الشقاقي، تمت مراجعة ومناقشة مسودات التقارير التي أعداها من قبل الخبراء ومن قبل فريق عمل دولي مستقل برعاية مجلس العلاقات الخارجية، يتكون الفريق من ست عشرة شخصية من إحدى عشرة دولة وكلهم ذوو مواقع وخبرة سابقة أو راهنة في المجال الدولي. يجد القارئ قائمة بأسماء أعضاء فريق العمل ومجموعة الخبراء ملحقة بهذه الوثيقة.
في وضعه لهذا التقرير، التزم فريق العمل بحيادية صارمة فيما يتعلق بمسألة الدولة الفلسطينية. وبالتالي فإننالم نتعرض للمفاوضات الدولية المتعلقة بهذا الموضوع، كما لم نتعرض لأي من المسائل التي تتعلق بالجوانب الخارجية للسيادة. إن توصياتنا تهدف إلى تقوية السلطة الفلسطينية ومؤسساتها.
إننا نؤمن أن تطبيق التوصيات المتضمنة في هذا التقرير كفيل بإدخال تحسينات على عمل السلطة الفلسطينية وعلى نوعية حياة الشعب الفلسطيني. كما أن ذلك سيقوي لا محالة عضد الدولة المستقبلية التي، مهما كان تعريفها، ستنبثق عن مفاوضات الوضع الدائم.
بالنسبة لي، رئيس وزراء فرنسا سابقا ورئيس لجنة التنمية والتعاون في البرلمان الأوروبي حاليا، كان شرفا أن يعهد إلي برئاسة العمل الذي قام به فريق العمل. إن التعاطف القوي لأعضاء الفريق مع هدف السلام في الشرق الأوسط وتقوية السلطة الفلسطينية قد جعل من هذه المهمة تجربة مثيرة للمشاعر، أنتجت بالمناسبة صداقات عميقة.
بهذا الخصوص فإننا مدينون بالشكر لمجلس العلاقات الخارجية وبالأخص لهنري سيغمان لكونه صاحب الفكرة الأولية لهذا المشروع ولأنه تمكن من الحصول على تشجيع وتعاون الرئيس عرفات. كما أننا مدينون بالشكر للسيد سيغمان لأنه تمكن من الحصول على الدعم المالي من الاتحاد الأوروبي والنرويج مما جعل ممكنا إنجاز الإجراءات الإدارية واللوجستية للمشروع برمته.
ميشيل روكارد
رئيس فريق العمل
الملخص التنفيذي
لقد وصلت الفترة الانتقالية لترتيبات الحكومة الذاتية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، كما تم تحديدها في اتفاق إعلان المبادئ الموقع بين منظمة التحرير الفلسطينية ودولة إسرائيل في 13 أيلول 1993، إلى نهايتها في 4 أيار 1999. وخلال هذه الفترة وقع الطرفان اتفاقيات أخرى حول نقل الولاية الوظيفية والإقليمية إلى السلطة الفلسطينية، التي تولت المسؤولية عن سير الحياة اليومية وعن التعاون والتنسيق مع إسرائيل في العديد من المجالات.
إن التقدم نحو تسوية دائمة للصراع المستمر منذ عقود بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ونحو علاقات سلمية في المنطقة، يتطلب إقامة كيان سياسي فلسطيني بكل معنى الكلمة، كيان يتمتع بالقدرة والمصداقية. إن حكما صالحا هو شرط ضروري لنجاح العملية السلمية، ولهذا فإن كافة الأطراف تتحمل مسؤولية مساعدة وتسهيل عملية تقوية المؤسسات الفلسطينية العامة.
هذا الرأي يتمسك به كل من الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والنرويج كرئيس للمجموعة الدولية المانحة، والأسرة الدولية ككل. فهؤلاء طالما أبدوا التزاما متواصلا بهذه الأهداف تراوح ما بين الدعم السياسي القوي وإعطاء التطمينات إضافة إلى الدعم الدبلوماسي للعملية السلمية. وعلاوة على ذلك، فإن الأسرة الدولية قد تعهدت بـ 4.1 بليون دولار للمساعدة في عملية إعادة البناء والتنمية الفلسطينية خلال الفترة 1994-1998. وقد تم تخصيص 3.6 بليون دولار من هذه المساعدة للقيام بمشاريع محددة و 2.5 بليون دولار تم صرفها حتى نهاية 1998. ولقد تم إنفاق 10% من الصرف الكلي للبناء المؤسساتي الفلسطيني.
إن بناء وتمتين مؤسسات حكم ديمقراطية وفعّالة ترتكز على الشفافية والمساءلة يعتبر خطوة كبرى على طريق الحصول على تقرير مصير حقيقي للفلسطينيين، وسلام وأمن لإسرائيل وجيرانها، ولاستقرار المنطقة. ويشكل هذا الأمر القاعدة الأساسية بالنسبة للفلسطينيين وذلك للظفر بالسيطرة على برامج المساعدة والاستثمار والتخطيط التي ترعاها حاليا أسرة الدول المانحة والمؤسسات التي تمثلها في الميدان. إن الظفر بالسيطرة ضروري بالنسبة للفلسطينيين وذلك لإجراء تحول ناجح من وضع إعادة التأهيل الطارئ وإعادة البناء المستند إلى المساعدة الخارجية في مرحلة ما بعد الصراع، إلى وضع من التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة، والاعتماد الأكبر على الذات، والتنافس الواثق في الأسواق العالمية.
ولابد أن يكون الهدف الأول للسلطة الفلسطينية ولشركائها ونظيريها في إسرائيل والمجموعة الدولية هو الوصول إلى الحكم الصالح المستند إلى:
القضية ليست قضية تنظيم فقط، أي قضية بنى مؤلفة من أشخاص يعملون من أجل غايات مشتركة. بل الأكثر أهمية من ذلك أنها قضية القواعد والمعايير والممارسات التي تعرّف المؤسسات العامة وثقافتها العاملة وتقرر العلاقات مع جمهورها. إن الفلسطينيين ينتقلون إلى مرحلة جديدة وحاسمة في تاريخهم الوطني، والغرض من هذا التقرير هو المساعدة في تشخيص وتحديد الحاجات التي لابد من تلبيتها لجعل عملية التحول عملية ناجحة.
الغرض من التقرير
يؤدي هذا التقرير مهام تشخيصية وتوصيفية فيما يتعلق بالمؤسسات العامة للسلطة الفلسطينية. وله ثلاثة أهداف هي:
لهذا الغرض، فإن التقرير يعمد إلى تقييم المؤسسات العامة الفلسطينية بالإشارة إلى المتطلبات الأربعة التالية:
لقد أعد هذا التقرير لاستخدامه من قبل أربع جهات: أولها، الفروع التنفيذية والتشريعية والقضائية للسلطة الفلسطينية. وثانيها، كبار الموظفين المدنيين وضباط الشرطة في السلطة الفلسطينية. وثالثها، المنظمات غير الحكومية ومؤسسات أخرى تابعة للقطاع الخاص والمجتمع المدني في الضفة الغربية وقطاع غزة. ورابعها، الحكومات والمؤسسات المتعددة الأطراف التي تقدم وتنسق المساعدة الدولية للفلسطينيين. ولهذا السبب، فإن التقرير قد أعد باللغة الإنجليزية والعربية، كما أن فريق العمل يقترح متابعة توصياته الرئيسية من خلال حوار مستمر مع السلطة الفلسطينية والهيئات الأخرى ذات العلاقة.
طبيعة التحدي
لقد تقلدت السلطة الفلسطينية مسؤولياتها في ظل ظروف بالغة الصعوبة والتعقيد، مقارنة بأية مؤسسة حاكمة أخرى في حالة ما بعد الصراع. وكان المتوقع من السلطة الفلسطينية في ظل تلك الظروف الصعبة والاستثنائية أن تبني مؤسسات عامة قادرة على تعزيز حكم صالح ونظام سياسي ديمقراطي ومجتمع مدني قائم على التعددية واقتصاد السوق الحرة. ومع نهاية الفترة الانتقالية المحددة، كانت السلطة مسؤولة مباشرة عن الشؤون المدنية لـ 95% من الفلسطينيين باستثناء أولئك الذين يعيشون في القدس.
ومع ذلك فإن السلطة الفلسطينية افتقرت إلى السيطرة التامة على المصادر الرئيسية كالأرض والمياه والتواصل الإقليمي والولاية الكاملة لأنظمتها القانونية والإدارية على شعبها والوصول الحر إلى الأسواق الخارجية. وبقيت هذه السلطة تعتمد على تحويل الضرائب والجمارك التي تجمعها إسرائيل لصالحها لتشكل جزءا كبيرا يصل إلى 40% من مداخيلها المحلية في عام 1998 .
وبالإضافة إلى ذلك، فإنه مع حلول أيار 1999 كانت إسرائيل لا تزال تمارس سيطرتها على 71% من الضفة الغربية و30% من قطاع غزة وعلى حركة الجمهور والبضائع بين المنطقتين وفي داخلهما. كما تتولى إسرائيل المسؤولية الأمنية الكاملة في مساحة إضافية تبلغ 19% من الضفة الغربية تخضع للولاية الإقليمية والوظيفية للسلطة الفلسطينية، ويقيم فيها حوالي نصف السكان المحليين الفلسطينيين. وقد احتفظت إسرائيل بالسيطرة التامة على كل الحدود الخارجية والمجال الجوي والمياه الإقليمية والمجال الألكترومغناطيسي للضفة الغربية وقطاع غزة.
من خلال هذه القيود كان من المطلوب أن تبني السلطة الفلسطينية نظاما سياسيا تعدديا، وأن تحافظ على القانون والنظام داخليا، وأن تعزز السلام مع إسرائيل والأمن للإسرائيليين خارجيا. ولقد واجهت السلطة هذه التحديات في جو سياسي كان مشحونا ومشوبا بالعنف إلى درجة كبيرة. وفي الوقت ذاته، كان مطلوبا منها أيضا متابعة مفاوضات سياسية صعبة مع إسرائيل حول نقل مناطق إضافية إليها، وأن تتعامل في الوقت ذاته بطريقة سلمية ومنظمة مع قضايا خلافية كبيرة، مثل النشاط الاستيطاني الإسرائيلي وهدم البيوت وإغلاق الحدود.
في السنوات الخمسة منذ تأسيسها نجحت السلطة الفلسطينية في:
لقد استطاعت السلطة الفلسطينية تحقيق مستويات من توفير الخدمات وجمع العائدات والمحاسبة المالية واستخدام المساعدة الدولية التي تتساوق مع، وفي بعض الجوانب تفوق، تلك السائدة في بلدان ذات مستويات متشابهة من التنمية والدخل. وتبين المعطيات الأخيرة توجها نحو الارتفاع في مؤشرات اجتماعية واقتصادية رئيسية. ونظرا لأن هذه الإنجازات الهامة يتم أحيانا تجاهلها في تقارير مثل تقريرنا، حيث يتم التركيز أولا على العمل العلاجي، فإنها تستحق تشديدا خاصا عليها. إن أداء السلطة الفلسطينية لابد وأن يقاس مقارنة بالأداء في العالم الواقعي وليس في العالم المثالي.
ولكن بقي الكثير مما يتوجب عمله. فالسلطة الفلسطينية تواجه مشاكل وتعاني من نقائص تتراوح ما بين المأسسة غير الكافية لحقوق المواطنين، وتركيز الصلاحيات بيد السلطة التنفيذية، واستخدام التوظيف في القطاع العام بشكل كبير لتخفيف البطالة أو للمكافأة على الولاء السياسي، إلى حالات استخدام العنف من قبل الشرطة و الإدارة المالية غير السليمة.
تواجه السلطة الفلسطينية أيضا نفس المعضلة التي تعاني منها الاقتصاديات الناشئة. فكل تقدم في رفع مستوى المعيشة وتعزيز النمو الاقتصادي يزيد من توقعات المستهلك ويعمق الحاجة إلى رأس مال مكثف وتكنولوجيا متقدمة. وبالمثل، فإن التنمية الاجتماعية والاقتصادية المرافقة للنمو السكاني تدفع باتجاه تحضر سريع مؤدية إلى تحديات معقدة من حيث الحاجة إلى التزويد بالبنى التحتية والخدمات والمصادر الأخرى، كما تزيد من الحاجة إلى حكم محلي فعال.
تواجه السلطة الفلسطينية تحديات أخرى تفرض عبئا متزايدا على مصادرها البشرية والمالية وعلى قدرتها التنظيمية في المستقبل. ومن بين هذه التحديات النسبة العالية جدا من النمو الطبيعي للسكان والتي ستضيف ما يقدر بـ 1.8 مليون فلسطيني إلى الـ 2.9 مليون الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة بما في ذلك القدس الشرقية، وذلك مع حلول عام 2010. فمنذ عام 1991 استقبلت الضفة الغربية وقطاع غزة تدفقات سكانية كبيرة عندما فقد الفلسطينيون إقامتهم وأعمالهم في الكويت وليبيا والجزائر. ولابد وأن يضاف إلى ذلك الأثر المحتمل للاستيعاب الممكن للاجئين الفلسطينيين من حربي عام 1948 و 1967 والذين قد يعودون من الشتات.
إن النمو السكاني يفرض طلبا متزايدا على البنى التحتية والخدمات العامة ومن ثم تكون هناك حاجة مستمرة لتوسع متناسب في الإدارة العامة والتوظيف والتمويل. وهذا الأمر يجب على السلطة الفلسطينية والأسرة المانحة الدولية أخذه بالاعتبار عندما توصي وتخطط لإصلاحات معينة. ولكن التوظيف المفرط وغير المثمر في القطاع العام أدى إلى تكبيل السلطة الفلسطينية بخليط متناقض من فاتورة أجور كبيرة ورواتب متدنية ومتطلبات تقاعد مستقبلية لا تقدر على توفيرها. إن أي تقدم في توفير البنية التحتية العامة يشتمل على تكاليف جارية طويلة الأجل وذلك من أجل التشغيل والصيانة. وبهذا، فإن مسألة إدارة الديون ستصبح على الفور تحديا إضافيا آخر.
يجب على السلطة الفلسطينية والجمهور الفلسطيني على حد سواء أن يستخلصوا من طبيعة هذه التحديات أن السياسة والممارسة الحاليتين لا يمكن أن تدوما. فالمجموعة الدولية كانت قد وعدت مؤخرا بـ 3,3 بليون دولار كمساعدة لعام 1999-2003 ولكنها لن ولا يمكن أن تستمر في المساعدة المالية والتقنية بهذه المستويات للأبد، مهما كانت درجة التزامها السياسي بالسلام الفلسطيني-الإسرائيلي وبحق تقرير المصير للفلسطينيين.
إن الظروف السياسية والمادية، ماضيا وحاضرا، هي ظروف صعبة. فالأطراف الخارجية، بما في ذلك إسرائيل، مسؤولة عن المساعدة في حل المشاكل التي أسهمت فيها. ولكن هذا لن يلغي مسؤولية السلطة الفلسطينية في معالجة النقائص والفجوات في عملية البناء المؤسسي والعمل المتواصل لتحسين أدائها وإيجاد حكم أكثر فعالية خاضع للمساءلة.
ولابد للسلطة الفلسطينية، بل ومن مصلحتها، إظهار قدرتها على رؤية ومعرفة نقائصها وتولي عملية الإصلاح وتوجيهها. إن نهاية الفترة الانتقالية المحددة توفر الفرصة المواتية للدخول في مرحلة جديدة من الدستورية والإصلاح، حيث يتقدم الفلسطينيون باتجاه حق تقرير المصير الكامل، وهذه الفرصة لابد من الظفر بها.
تقوية المؤسسات العامة في ظل ظروف معاكسة
لابد من الاعتراف بأنه كان على السلطة الفلسطينية أن تقيم وتشغل مؤسسات عامة وفعالة في فترة قصيرة من الوقت وفي إطار ولاية إقليمية محدودة، وتشرذم جغرافي، وسيطرة بلا سيادة على الأرض والسكان والمصادر الطبيعية، والتزامات أمنية صارمة تجاه إسرائيل. إن ضيق الوقت المتاح والإطار العملي قد أعاقا تطور البنية والممارسات المؤسساتية الفضلى. كما فرضا أحيانا متطلبات متناقضة على السلطة الفلسطينية فيما يتعلق، مثلا، باحترام حقوق الإنسان وحرية التعبير السياسي وتوفير الأمن. وتكمن المجازفة في أن البنى والممارسات الحالية، إذا لم يتم إصلاحها، ستشكل، بل وستقرر مسبقا، البنى والمؤسسات المستقبلية بطريقة سلبية.
ومن وجهة نظر الفلسطينيين، فإن كثيرا من النقائص والتوترات المنبثقة من البناء المؤسساتي خلال الفترة الانتقالية يمكن علاجها فقط في سياق الدولة ذات السيادة. وحسب وجهة النظر هذه أيضا، فإن ثنائية السيطرة وعدم الوضوح حول التسلسل القيادي الملائم وتقاسم السلطة السياسية بين هيئات منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية تعطي مثالا على المشاكل التي تبرز لأن الفلسطينيين لا يمارسون حقهم في تقرير المصير بشكل دولة مستقلة. ويمكن تفهم التخوف الفلسطيني من أن الترتيبات الدستورية والسياسية والإدارية التي وُضعت لحكم ذاتي محدود خلال الفترة الانتقالية، قد تكتسب ديمومة غير مرغوبة سواء أكان ذلك عن قصد أو بغير قصد.
وبدون إعطاء حكم مسبق على نتيجة المفاوضات بين منظمة التحرير وإسرائيل، فإن هذا التقرير يوصي بإصلاحات يمكن القيام بها ضمن الصلاحيات الحالية للسلطة الفلسطينية حتى وإن تم تطبيقها في ظل ظروف غير مؤاتية. وهذه التوصيات أساسية لإقامة حكم صالح، ونظام سياسي ديمقراطي، ومجتمع مدني قائم على التعددية، وتنمية مستدامة، واقتصاد سوق حرة وذلك خلال الانتقال إلى التسوية الدائمة وما بعد ذلك. وعلى الفلسطينيين أن يعتبروا هذه الإصلاحات خطوات أساسية في تشكيل دولة فعالة، فاعلة وديمقراطية:
البعد السياسي للإصلاح
إن التحدي الأساسي الذي يواجه تطور مؤسسات عامة فعالة ليس تحديا تقنيا، تنظيميا أو ماليا، بل هو سياسي. فالسلطة الفلسطينية لديها مصادر بشرية كبيرة تحت تصرفها مع كثير من المهنيين المختصين المؤهلين بدرجة كبيرة وقوة عاملة مثقفة وماهرة، بالإضافة إلى نوايا سياسية طيبة ودعم مادي، تقني ومالي، من الأسرة الدولية. وهناك العديد من الدراسات الاستشارية الإدارية والمراجعات التي تشخص الحاجات وتوصي بحلول محددة، وهي دراسات تغطي مجموعة كبيرة من المؤسسات الحكومية في الضفة الغربية وقطاع غزة. ولكن الذي يقرر فاعلية الحكم هو طبيعة الثقافة المؤسساتية الناشئة والأسلوب الذي تتفاعل من خلاله الأجزاء المختلفة لنظام الحكم. وبهذا المعنى، فإن أي تحسين سيكون سياسيا إلى درجة كبيرة، كما أن الأثر الذي تتركه الفائدة من أي إصلاح سيكون شاملا.
إن الثمن الأكثر خطورة على السلطة الفلسطينية من النواقص في مؤسساتها العامة سيكون على الأرجح سياسيا أيضا. فاستطلاعات الرأي التي أجريت في الضفة الغربية وقطاع غزة تكشف بانتظام عن عدم الرضى عن مستوى الخدمات العامة وتعبر عن مدى الاعتقاد بوجود الهدر والفساد في المؤسسات العامة والشرطة، وعن فقدان الثقة بمؤسسات الحكم، وخاصة المجلس التشريعي الفلسطيني والسلطة القضائية.
إن هذه النتائج السلبية قد وفرت الذخيرة لمعارضي السلطة الفلسطينية في الداخل وفي إسرائيل والخارج لمهاجمتها. وليس أقل خطورة من ذلك التآكل المحتمل للدعم السياسي من الأسرة الدولية المانحة مع تساؤل دافعي الضرائب والبرلمانيين عن الحكمة من تحويل نسبة عالية من "كعكة" المساعدة المحدودة للفلسطينيين بدلا من بلدان أخرى نامية. إن عدم الإصلاح ليس خيارا.
إن تقوية وإصلاح المؤسسات تتطلب إرادة سياسية ومهارات كبيرة. والقيام بذلك، في وقت تجري فيه مفاوضات الوضع النهائي مع إسرائيل ويتم فيه التحضير للانتقال إلى تسوية دائمة وحق تقرير مصير كامل، يتطلب شجاعة كبيرة وبعد نظر ومواظبة. وهذه كلها صفات أظهرتها القيادة الفلسطينية التي انشغلت منذ عام 1994 بمهمة إقامة حكومة ذاتية فاعلة في الوقت الذي كانت فيه منشغلة بمفاوضات حول مراحل أخرى من الفترة الانتقالية.
لابد وأن تكون القيادة الفلسطينية قوية وقادرة وواثقة بذاتها حتى تستطيع مواجهة هذه التحديات الماثلة أمامها، ولها الحق في تعريف وتحديد وتوجيه مسارها وفق ذلك. ولهذا، لابد لها أن ترى في الحكم الصالح وفي الإصلاحات الهادفة إلى الوصول إليه مصدر قوة. وكجزء لا يتجزأ من ممارسة حق تقرير مصير حقيقي للفلسطينيين لابد من مأسسة حقوق المواطنين، وإقامة حكم القانون، وإيجاد نظام قضائي مجدي ومستقل، وتمكين المجتمع المدني، وتفعيل القطاع الخاص، وتفويض السلطة، والتأكيد على الاستقلالية المؤسساتية في كافة مناحي الإدارة العامة.
توصيات رئيسية
(
أ) جوانب دستورية(
ب) السلطة التنفيذية(
ج) السلطة التشريعيةإن تشكيل المجلس التشريعي الفلسطيني من خلال انتخاب عام وشامل في كانون ثاني عام 1996 كان إحدى الإنجازات الكبرى للسلطة الفلسطينية. ولقد راكم المشرعون الفلسطينيون خبرة قيمة وأظهروا مقدرة نامية على مناقشة التشريعات والسياسات الحكومية والميزانيات. ولكنهم واجهوا تحديا أساسيا تمثل في محاولة تجنب التهميش والعمل على تعزيز دور السلطة التشريعية. وإطار أوسلو لا يشترط بالتحديد تجديد أو تمديد الرئاسة والمجلس التشريعي طارحا بذلك تساؤلات أخرى حول دورهما والعلاقة بينهما بعد الفترة الانتقالية المحددة.
(
د) السلطة القضائيةإن حكم القانون وتوفير الرقابة على الفرعين التنفيذي والتشريعي للحكومة لا يمكن أن يتحققا دون سلطة قضائية عاملة. وهذا شرط هام أيضا في تنظيم المجتمع المدني وعمل السوق الحرة. ولكن السلطة القضائية لم تلق العناية التي تستحقها وبقيت في حالة من الانهيار. وقد تحمل جزءاّ من العبء مؤسسات وممارسات اجتماعية تقليدية، في حين أن الجزء الآخر قام به بطريقة غير رسمية مسؤولون مثل الحكام الذين يعينهم رئيس السلطة الفلسطينية. وهذه الأطر مجتمعة يمكن أن تقدم آليات بديلة لحل الخلافات، إلا أنه ليس من اللائق تحويل الحاجة إلى فضيلة زائدة عن الحد. إن مثل هذا النظام لا يمكن أن يكون بديلا عن ضرورة وجود قضاة متمرنين ومستقلين وعن نظام قانوني موحد، إذ بدونهما يتهدد حكم القانون والنظام العام وتنفيذ العقود.
(
هـ) الإدارة العامة(
و) الموظفون(
ز) التخطيط(
ح) الإدارة المالية العامة(
ط) الخدمات الاجتماعية(
ي) الاقتصاد(
ك) الشرطة[ الصفحة الرئيسية ] [إصدارات ونشاطات الوحدة ] [قائمة المحتويات ] [الجزء التالي من التقرير الحالي ]