الفصل الأول
تعتبر السلطة الفلسطينية نتاجاً لعملية السلام الإسرائيلية-الفلسطينية التي بدأت في أوسلو عام 1993. ففي هذه العملية تفاوضت منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل مباشرة مع بعضهما البعض ولأول مرة، وكانت نتيجة هذه المفاوضات التاريخية تبادل الرسائل بشأن الاعتراف المتبادل بين الطرفين واتفاق إعلان المبادئ الذي وقع في واشنطن في 13 أيلول/سبتمبر 1993. ولقد تم إنشاء السلطة الفلسطينية في أعقاب التوصل إلى اتفاق القاهرة حول قطاع غزة ومنطقة أريحا في 4 أيار / مايو 1994. وأعقب هذا الاتفاق في 28 أيلول/سبتمبر 1995 الاتفاق المرحلي الإسرائيلي-الفلسطيني حول الضفة الغربية وقطاع غزة والذي مهد لامتداد ولاية السلطة الفلسطينية على مناطق إضافية، بما فيها مراكز سكانية فلسطينية في الضفة الغربية.
لا يزال إطار أوسلو يفرض قيوداً شديدة على الولاية والسيطرة الفلسطينية على الصعيدين الداخلي والخارجي. ولكن الولاية الفلسطينية امتدت بالتدريج على مناطق ومراكز سكانية إضافية في الضفة الغربية. والسلطة الفلسطينية تمتلك الآن السيطرة الإقليمية والوظيفية على 70% من قطاع غزة و29% من الضفة الغربية. وتحتوي هذه المناطق على 95% من السكان الفلسطينيين، ما عدا سكان القدس، حيث لم يسمح للسلطة الفلسطينية بالاحتفاظ بمكاتب لها أو تقديم خدمات عامة للسكان. تقوم السلطة الفلسطينية بالإدارة المدنية والقانونية للسكان في الضفة الغربية وقطاع غزة، كما أن وكالة الغوث الدولية لا تزال تحتفظ بمسؤولياتها من حيث الإسهام في توفير قدر كبير من الخدمات الاجتماعية والإنفاق والتوظيف. كما أن السلطة الفلسطينية تعتبر مسؤولة عن الأمن الداخلي في 70% من قطاع غزة و 10% من الضفة الغربية، مع بقاء المناطق المتبقية تحت السيطرة الأمنية للحكم العسكري الإسرائيلي.
أجرى الفلسطينيون انتخاباتهم العامة الأولى في 20 كانون ثاني/يناير 1996، حيث قام أكثر من 780 ألف فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة ، يمثلون 75% من جمهور الناخبين، بعمليتي تصويت منفصلتين في الوقت ذاته. وأدلى الفلسطينيون في شرقي القدس بأصواتهم في مراكز اقتراع في داخل المدينة ذاتها. كانت عملية التصويت الأولى هي لانتخاب 88 عضواً للمجلس الفلسطيني الجديد، يمثلون 16 دائرة انتخابية. أما عملية التصويت الثانية، فكانت لانتخاب رئيس السلطة التنفيذية. وقد تم انتخاب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات كرئيس للسلطة، بنسبة 88% من الأصوات. وأصبح المجلس الفلسطيني يعرف بالمجلس التشريعي الفلسطيني، فيما أصبحت سلطته التنفيذية تعرف بمجلس الوزراء أو الحكومة. وهكذا، فإن المجلس التشريعي الفلسطيني، ورئاسة السلطة، والمجلس الوزاري، علاوة على السلطة القضائية، والوزارات والمؤسسات العاملة الأخرى، شكلت بمجموعها السلطة الفلسطينية.
وصلت الفترة الانتقالية، كما حددها إعلان المبادىء، إلى نهايتها في 4 أيار/مايو 1999. أجرت منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل الجولة الأولى من مفاوضات الوضع النهائي في أيار/مايو 1996، ولكن لم يدخل الطرفان في نقاش ملموس وحقيقي حول التسوية الدائمة. فالقضايا الكبرى محط الخلاف والتي تم تأجيلها باتفاق مشترك بين الجانبين في إعلان المبادئ لم تتم بعد معالجتها وحلها. وتشمل هذه القضايا القدس، اللاجئين، المستوطنات، الترتيبات الأمنية، الحدود، العلاقات الخارجية، ومسائل أخرى. ومهما كانت تفاصيل الاتفاق النهائي حول هذه القضايا وغيرها، فإن الشعب الفلسطيني متمسك بثبات بالحصول على حق تقرير المصير بشكل دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.
إن بناء المؤسسات الفلسطينية العامة في الضفة الغربية وقطاع غزة قد تأثر إلى حد كبير بفعل أربعة عوامل خارجة عن سيطرة السلطة الفلسطينية وهي : إطار أوسلو، منظمة التحرير الفلسطينية، السياسة الإسرائيلية، والأسرة الدولية المانحة.
1)
إطار أوسلو
لقد أسهمت اتفاقيات أوسلو والاتفاقيات المرحلية التي أعقبتها بشكل إيجابي وحاسم في عملية المأسسة الفلسطينية، وخاصة في إيجاد حكم ذاتي فلسطيني حقيقي والسماح بإقامة سلطة فلسطينية وإجراء الانتخابات الوطنية الأولى في التاريخ الفلسطيني الحديث. ولكن الطبيعة الانتقالية والمفتوحة لإطار أوسلو أدت أيضا إلى عدم اليقين وزادت من الدافع لدى الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء للتقليل إلى الحد الأدنى من المجازفة. ففي الجانب الفلسطيني، أدى القلق على التقدم في العملية السلمية، وعدم ضمان أن تؤدي هذه العملية إلى ممارسة كاملة لحق تقرير المصير بشكل دولة مستقلة، إلى تعزيز المطالبة بدور قوي ومتواصل لمنظمة التحرير في شؤون السلطة الفلسطينية.
كان من النتائج غير المقصودة للجمود في العملية السلمية والتركيز الناجم عن ذلك على المسعى السياسي صرف الاهتمام الفلسطيني العام عن البناء المؤسساتي. وهذا أدى إلى إضعاف المطالبة العامة بحكم صالح وممارسة ديمقراطية. كما أن مركزية القضايا الأمنية في العملية السلمية جاءت أحياناً على حساب أولويات أخرى في الميزانية العامة وأدت أيضاً إلى إضعاف الالتزام الصحيح بحقوق الإنسان وسيادة القانون.
يضاف إلى ذلك أن إطار أوسلو يحد من صلاحية السلطة الفلسطينية في إقرار تشريعات أساسية ويجردها تماما من الولاية القانونية على الإسرائيليين أو على أي نشاط يخص الإسرائيليين إذا ما تم في الضفة الغربية وقطاع غزة. كما أن السلطة الفلسطينية تفتقر إلى المسؤولية عن الأمن الشامل في مناطق الحكم الذاتي، والمعابر الدولية، والعلاقات الخارجية. وتفتقر أيضاً إلى السيطرة الكاملة على الأرض ومصادر المياه وحركة الناس والبضائع في داخل الضفة الغربية وقطاع غزة. وهذا يؤثر على تطور وعمل فروع الحكومة التنفيذي والتشريعي والقضائي.
2)
منظمة التحرير الفلسطينية
يجدر التأكيد هنا على أن منظمة التحرير الفلسطينية، بصفتها المعترف بها دولياً كممثل شرعي ووحيد للفلسطينيين، هي التي وقعت على إعلان المبادئ والاتفاقيات المرحلية اللاحقة مع إسرائيل. ومنظمة التحرير هي التي خولت إنشاء السلطة الفلسطينية وهي التي أضفت الشرعية عليها، تلك الشرعية التي تأكدت وتوسعت بأصوات الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1996. واستمرت منظمة التحرير الفلسطينية بإجراء المفاوضات مع إسرائيل والحفاظ على العلاقات الخارجية وتوقيع الاتفاقيات الدولية نيابة عن السلطة الفلسطينية التي تفتقر إلى الشخصية السيادية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن منظمة التحرير الفلسطينية قد أبقت على مكانتها كممثل للفلسطينيين بمن فيهم أولئك الذين يعيشون في الشتات. ولهذا، فإنها تعتبر الطرف الوحيد المخول بالتفاوض وضمان تسوية دائمة مع إسرائيل.
ولهذا، فإن العلاقة المستمرة بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية كانت ولا زالت ضرورية لعملية السلام. ولكنها علاقة لا تخلو من الإشكاليات أيضا، وتؤثر بطرق سلبية أحياناً على عملية بناء المؤسسات العامة الحيوية والفعالة والمجدية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعلى تعزيز الحكم الصالح. ومن هذه الإشكالات الازدواجية بين مؤسسات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، التي تنعكس في النزاعات حول الولاية السياسية والوظائفية. أوضح مثال على ذلك هو الازدواجية بين اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وبرلمانها في المنفى، المجلس الوطني الفلسطيني، من جهة، وبين حكومة السلطة الفلسطينية ومجلسها التشريعي من جهة أخرى.
إن صعوبة التمييز بين مهام مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية قد أعاق تعزيز العناصر الأساسية للحكم الصالح، وخاصة ممارسة الصلاحية الدستورية والشفافية والمساءلة وسيادة القانون. فالمعايير والممارسات الموروثة لمنظمة التحرير تتيح اعتباطية صنع القرار ، واتباع البنى الرسمية لأخرى غير رسمية، وإضعاف الإجراءات الادارية والقانونية السليمة. وتشير استطلاعات الرأي العام إلى عدم رضى متزايد لدى الجمهور وإلى فقدان الثقة بالسلطة الفلسطينية. وقد ازداد الوضع تفاقماً بتواصل الثقافة السياسية التقليدية، لدى شرائح معينة من الشعب الفلسطيني، تلك الثقافة التي تشجع على تبجيل الزعماء حتى لو جاء ذلك على حساب الحكم الصالح.
ومن خلال تفحص المؤسسات العامة الفلسطينية ومدى تلبيتها للمتطلبات الأربعة المذكورة أعلاه، فإن لهذه الدراسة ثلاثة أهداف هي :
الفصل الثاني
الإطار الدستوري والمؤسسات السياسية
مقدمة
يتناول هذا الجزء من التقرير المؤسسات العامة التي تشكل العناصر الرئيسية للنظام السياسي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة. ويشار إلى هذه المؤسسات هنا بــ "المؤسسات السياسية". فهي التي تقرر هدف وبرنامج وسياسة الحكومة عموما، إضافة إلى الميزانية والبنية والإطار التنظيمي للإدارة العامة. وهذه المؤسسات السياسية تتألف من السلطة التنفيذية، التي تشمل الرئاسة والحكومة، والمجلس التشريعي الفلسطيني والسلطة القضائية.
إن الغرض الأول لهذا الجزء من التقرير هو تقييم الإطار الدستوري، الذي من خلاله تقوم فروع الحكومة الثلاث بتأدية أدوارها الرئيسية. فالصفة الدستورية هي شرط لا بد منه للديمقراطية وحقوق المواطنين، وتعتبر عنصراً أساسياً لتعزيز الحكم الصالح. ولهذا، فإن التقرير يتطرق إلى الفصل بين السلطات، وضوح المهام، تحديد السلطة، والضوابط والتوازنات داخل النظام الحكومي.
والغرض الثاني لهذا لجزء من التقرير هو تقييم قدرة وأداء المؤسسات السياسية. ويقوم هذا التقييم بالرجوع بشكل خاص إلى :
لقد عملت السلطة الفلسطينية منذ عام 1994 ضمن إطار دستوري يتميز بمصادر قانونية متعددة ومتغيرة بل ومتناقضة في أحيان كثيرة. فالاتفاقيات التي وقعت مع إسرائيل، ابتداء باتفاق القاهرة في أيار/ مايو 1994، حددت البنية والصلاحيات الأولية للسلطة الفلسطينية، بالإضافة إلى مجالات المسؤولية الوظائفية التي كان سيتم نقلها على الفور إلى هذه السلطة من قبل الحكم العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ولكن الاتفاق الأهم، فيما يتعلق بالإطار الذي سعت السلطة الفلسطينية من خلاله إلى إقامة قاعدتها الدستورية، كان الاتفاقية المرحلية في أيلول/ سبتمبر 1995. فهذه الاتفاقية دعت لإقامة "مجلس فلسطيني" يتولى المسؤوليات التي سبق أن تم نقلها إلى السلطة الفلسطينية، إضافة إلى مسؤوليات جديدة يتم نقلها من الحكم العسكري إليها. وأشار الاتفاق إلى تمتع المجلس بصلاحيات ومسؤوليات تشريعية وتنفيذية وقضائية وأنه مخول بإصدار قانون أساسي يوضح الخطوط الفاصلة بين هذه السلطات. وكانت لجنة منبثقة عن هذا المجلس سوف تمارس السلطة التنفيذية بالنيابة عنه، في حين أن المجلس سيقوم بإصدار التشريعات والقيام بالرقابة على السياسة والميزانية. وكان على الرئيس، المنتخب بشكل مستقل عن انتخابات المجلس، أن يرشح أعضاء السلطة التنفيذية على المجلس للمصادقة عليهم، وأن يكون هو نفسه عضواً بحكم المنصب في السلطة التنفيذية. وكان من ضمن ولاية المجلس نظام قضائي مستقل.
لقد أصبح المجلس الفلسطيني يعرف بالمجلس التشريعي الفلسطيني، في حين أن السلطة التنفيذية أصبحت تعرف باسم مجلس الوزراء أو الحكومة. إن المجلس التشريعي والرئاسة والحكومة معاً، بالإضافة إلى السلطة القضائية والوزارات والمؤسسات العاملة الأخرى، تشكل مجتمعة السلطة الفلسطينية. إن غياب قانون أساسي أو وثيقة دستورية أخرى قد أدى إلى استمرارية الغموض القانوني حول الصلاحيات والمسؤوليات المحددة لكل فرع من فروع الحكم الفلسطيني.
ونظرا إلى هذا الغموض، فإن مصدرين آخرين للسلطة السياسية والقانونية قد أثرا على الترتيبات الدستورية في الضفة الغربية وقطاع غزة. أحدهما هو منظمة التحرير الفلسطينية، التي عقدت الاتفاقيات المختلفة ضمن إطار أوسلو حتى الآن، والتي تعتبر المسؤول عن التفاوض مع إسرائيل حول الوضع النهائي في الضفة الغربية وقطاع غزة . إن إرث منظمة التحرير مختلط. فمن جهة، أورثت هذه المنظمة السلطة الفلسطينية أسساً للإطار الدستوري. ففي عام 1988 تعهد المجلس الوطني الفلسطيني بإقامة دولة مستقلة ترتكز على "نظام برلماني ديمقراطي"، وحرية التعبير، والمساواة، والدستور، وسيادة القانون، والقضاء المستقل. ومن جهة أخرى، فإن الخلط في المهام والازدواجية في السلطة بين مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية قد عرقل الشفافية والمساءلة وحكم القانون وعناصر أخرى من عناصر الحكم الصالح.
والأهم من ذلك، أن منظمة التحرير الفلسطينية ومكوناتها، أي المجلس الوطني الفلسطيني، المجلس المركزي، واللجنة التنفيذية ورئيسها، تتمتع بدرجة عالية من الشرعية والسلطة أكثر من السلطة الفلسطينية ومؤسساتها - أي المجلس التشريعي الفلسطيني، والمجلس الوزاري، والرئيس. إن شرعية وسلطة ومدة ولاية السلطة الفلسطينية منبثقة جميعها من اتفاق إعلان المبادئ، وهي في نفس الوقت محددة به. ولهذا، فإن انتهاء الفترة الانتقالية المحددة في أيار/ مايو 1999 قد أدى إلى زيادة تعقيد الجهود المبذولة لتقوية وإصلاح مؤسسات السلطة الفلسطينية عبر جعلها ترتكز على أساس دستوري واضح. بالفعل، فإن المجلس المركزي لمنظمة التحرير قد قرر في نيسان/إبريل 1999 الإعداد لدستور جديد مؤقت تحسبا لإقامة الدولة، مما يوحي بتجاوز الترتيبات السارية المفعول أو تلك التي يتم التداول بشأنها داخل السلطة الفلسطينية.
المصدر الآخر للسلطة القانونية والذي أثر على الترتيبات الدستورية في الضفة الغربية وقطاع غزة هو الخليط الواسع من القوانين والتقاليد القانونية السارية المفعول في الضفة الغربية وقطاع وغزة. ففي غزة يتكون هذا الخليط من التقليد القانوني الأنجلو-سكسوني الذي طبقه الانتداب البريطاني حتى عام 1948، وعناصر من القانون المدني والعسكري الساري في فترة الإدارة المصرية حتى عام 1967. أما النظام القانوني في الضفة الغربية فهو مشتق من التقليد القانوني النابليوني، مع إدخال القانون الأردني في الخمسينات والستينات. وفي المنطقتين، أي الضفة الغربية وقطاع غزة ، أدخل الحكم العسكري الاسرائيلي تعديلات أخرى على هذه القوانين على شكل أوامر عسكرية. وقد عمدت السلطة الفلسطينية إلى إحياء قوانين الطوارئ البريطانية التي كانت سارية المفعول في الثلاثينات والأربعينات، عندما أقامت هذه السلطة محاكم أمن الدولة، علما أنها لم تقر رسميا بسريان هذه القوانين. إن الاتفاقية المرحلية الموقعة عام 1995 قد حظرت على السلطة الفلسطينية الغاء القوانين والأوامر العسكرية القائمة إن تعارض ذلك مع بنود الاتفاقية. وهكذا، فقد استمر هذا الخليط القانوني في تعقيد تحديد الصلاحيات والمسؤوليات فيما بين فروع الحكومة الفلسطينية.
الإنجازات
التحديات
على الرغم من تحقيقبعض التقدم، إلا أن النظام السياسي الفلسطيني لا يزال يعاني من عدم الوضوح فيما يتعلق بالقواعد والأدوار الدستورية. ولا بد أن تخضع الترتيبات الدستورية في نظام انتقالي للتنازع و التفاوض السياسي. وفي هذه الحالة، فإن ازدواجية مؤسسات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية قد شوشت القضية أكثر. فقد حل محل اجتماعات مجلس وزراء السلطة الفلسطينية الاجتماعات الأسبوعية لــ "القيادة الفلسطينية"، وهي تجمع فضفاض من الرئيس والوزراء وأعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيس المجلس التشريعي الفلسطيني ونائبيه ورؤساء فرق المفاوضات. ولهذا، فإن منبراً لا يخضع لمساءلة المجلس التشريعي الفلسطيني أو هيئات السلطة الفلسطينية الأخرى، هو الذي يتخذ قرارات سياسية تؤثر على السلطة الفلسطينية.
إن الغموض القانوني حول الصلاحيات الدستورية قد أضعف أيضاً المجلس التشريعي الفلسطيني وشوش علاقته بالسلطة التنفيذية. من المفروض أن يكون المجلس التشريعي الفلسطيني هو الهيئة التي تقرر السياسة الشاملة وتصادق على الميزانية ومن ثم تشرف على أداء الحكومة. ولكن في الواقع، فإن سياسات الحكومة تصاغ وتنفذ ويتم تقييمها من قبل السلطة التنفيذية وحدها. وكثيرا ما يوافق وزراء بصفتهم الفردية على حضور جلسات الاستماع التي تعقدها لجان المجلس التشريعي الفلسطيني ويجيبون على الأسئلة الموجهة إليهم، ولكن السلطة التنفيذية ليست ملزمة بوضوح بهذا الصدد، كما أن وزراء آخرين يرفضون المثول أمام لجان المجلس.
إن المساءلة، وخصوصاً مساءلة السلطة التنفيذية، تعاني بنفس المقدار أيضاً. ففي ظل غياب قانون أساسي، فإن النظام الداخلي للمجلس التشريعي يفتقر إلى بنود واضحة لضمان وترتيب نظام المساءلة. وعلاوة على ذلك، فإن المجلس التشريعي قد أخفق في استخدام التصويت على الثقة، كأداة فعالة لوضع السلطة التنفيذية أمام المساءلة. ولهذا، فإنه يفتقر إلى آلية ذات مصداقية لتنفيذ قراراته.
إن غياب محكمة دستورية أو سلطة مشابهة يحول دون إيجاد حل مناسب للنزاعات حول تفسير القواعد الدستورية بين الفرعين التنفيذي والتشريعي. فالسلطة التنفيذية استفادت من عدم وجود هيئة إشراف قضائية مستقلة لتطبق القوانين الموروثة بشكل انتقائي. وهذه القوانين تشمل قوانين الطوارئ البريطانية لعام 1945، التي تسمح بتعليق الحقوق المدنية والإجراءات القانونية المرعية. وهذا العيب الدستوري ذاته يزيل القيود القانونية عن إمكانية استخدام أحكام الطوارئ من قبل السلطة التنفيذية.
وفي الحقيقة، فإن الإطار الدستوري القائم الذي أثرت على تشكيله الاتفاقية المرحلية عام 1995 يبقي على الغموض في غياب القانون الأساسي فيما يتعلق بالحماية الدستورية لحقوق المواطنين، تلك الحقوق التي لم توضع ضمن إطار قانوني رسمي حتى الآن. وقد امتنعت السلطة التنفيذية مراراً عن تطبيق قرارات المحاكم، بما في ذلك القرارات الصادرة عن المحكمة العليا، والمتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان والحريات المدنية من قبل الشرطة. وفي كثير من الحالات، فإن الأشخاص الذين أطلق سراحهم بعد اعتقال غير قانوني قد أعيد اعتقالهم ثانية. وقد لجأت السلطة الفلسطينية إلى قوانين الطوارئ البريطانية لعام 1945 لتبرير إيجاد محاكم أمن الدولة، ولكن رفضها تأكيد أو نفي سريان هذه القوانين يجعل انتهاكات حقوق الإنسان ممكنة في الوقت الذي يضعف فيه فرص الدفاع القانوني.
إن الغموض الدستوري قد سمح أيضا بتوسيع قوة السلطة التنفيذية إزاء منظمات المجتمع المدني. لقد تبنت هذه السلطة منهجاً تعاونياً عقب إخفاق محاولاتها المبكرة لفرض قانون ضيق يحكم تسجيل وعمل المنظمات غير الحكومية، ولكن هناك مشروع قانون أكثر إنصافا أقره المجلس التشريعي ولم يوقع الرئيس عليه بعد. إن مديرية المخابرات العامة ووزارة الداخلية قد استمرتا، كل على حدة، في محاولة إجبار المنظمات غير الحكومية على تقديم التقارير عنها لهما. ولا زال هناك نزاع مستمر بين وزارات الداخلية والعدل والشؤون الاجتماعية حول من منها سيسجل المنظمات غير الحكومية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الرئيس قد تدخل في عمل منظمات المجتمع المدني، مثل جمعية المحامين، وذلك بتعيين رؤسائها وأعضاء هيئاتها.
إن تمدد صلاحيات السلطة التنفيذية قد سار جنباً إلى جنب مع القيود على حرية التعبير، وخاصة من خلال وسائل الإعلام العامة المختلفة. إن السلطة الفلسطينية لا تطبق رقابة رسمية على الصحافة وليس لديها رقيب رسمي. ولكن الصحافة الفلسطينية خضعت لتخويف أجهزة أمن السلطة وإلى الضغوط التجارية، مما أدى إلى ممارسة رقابة ذاتية. فوزارة الإعلام يجب أن توافق على طلبات وسائل الإعلام قبل إعطائها تراخيص العمل. وقد تم إغلاق عدة صحف ومحطات إذاعة من قبل السلطة التنفيذية ولمدد متفاوتة بسبب تعبير هذه الوسائل عن وجهات نظر سياسية غير مرغوب فيها. وقد أوقف المانحون تقديم المساعدة إلى هيئة الإذاعة الفلسطينية لأنها أخفقت في ضمان التعددية في التغطية الإعلامية وتعدد الآراء. كما أن مديرية المخابرات العامة أقامت "مكتب إعلام الصحفيين" لمراقبة وسائل الإعلام الأجنبية وهو يسعى للتحكم باعتماد الصحفيين الأجانب في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ويشير السجل منذ عام 1994 إلى أنه مع تطور النظام السياسي فقد تركزت السلطة بأيدي الحكومة وخاصة بأيدي الرئيس. كما أن السلطتين التشريعية والقضائية قد تم تهميشهما فيما لم تحظ الحقوق المدنية والحريات الأساسية بالحماية التامة والرسمية. إن انتهاء المرحلة الانتقالية المحددة قد جعل من المتوجب على الشعب الفلسطيني أن يحدد إطاره الدستوري.
التوصيات
مع انتهاء الفترة الانتقالية المحددة في أيار/ مايو 1999 ، أصبحت السلطة الفلسطينية مسؤولة عن القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتطبيق القانون على 95% من الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع وغزة، باستثناء سكان شرقي القدس. لقد توجب تطوير كثير من الهيكلية وعمليات صنع القرار وصياغة السياسات للسلطة التنفيذية بعد أيار/ مايو 1994، عند إقامة السلطة الفلسطينية. و خولت الاتفاقية المرحلية عام 1995 السلطة التنفيذية تقرير إجراءاتها الداخلية وعمليات صنع القرار. وقد ركزت بنود الاتفاقية صلاحية كبيرة بأيدي الرئيس، الذي لديه حق النقض الرئاسي على الطراز الأمريكي في التعامل مع السلطة التشريعية. تشمل صلاحياته سلطة إصدار المراسيم القانونية في جميع المجالات وإجراء التعيينات في الخدمة المدنية والشرطة، وإقامة أو حل المؤسسات العامة، وصرف الأموال العامة.
إن السلطة التنفيذية، التي تشمل المجلس الوزاري والرئاسة، قد استفادت أيضاً من مصدرين رئيسيين آخرين هما : الإدارة المدنية الإسرائيلية ومنظمة التحرير الفلسطينية. وفي الحالة الأولى، ورثت السلطة الفلسطينية كثيراً من الدوائر والهيئات الحكومية من الإدارة المدنية الإسرائيلية، إضافة إلى قواعدها ونظمها الداخلية وإجراءاتها التنفيذية. ولكن الضباط الإسرائيليين هم الذين ترأسوا هذه الادارة على كل مستويات صنع القرار، أما الموظفون المدنيون الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة فيفتقرون إلى خبرة على المستوى الإداري الرفيع. وهذا ينطبق بشكل خاص على عملية صياغة السياسة والتخطيط وتحديد الأولويات. وبالتالي، فإن هؤلاء الموظفين لا يمتلكون الخبرة بالمتطلبات الوظيفية للمجلس الوزاري ولا بتطوير الإدارة العامة أو وضع التشريعات للتنمية الاجتماعية والاقتصادية.
ثانيا، لقد أورثت منظمة التحرير الفلسطينية السلطة الفلسطينية خبرة كبيرة في الإدارة السياسية، ولكن القليل من هذه الخبرة في مجال الإدارة الاجتماعية والاقتصادية. فمن جهة، أضفى ذلك شرعية سياسية على السلطة الفلسطينية، مما سمح لها بتولي السيطرة الفعالة على المؤسسات العامة القائمة في الضفة الغربية وقطاع غزة وبشكل سريع نسبيا وبإدارة الانتقال دون اضطراب يذكر إلى الحكم الذاتي الفلسطيني. ومن جهة أخرى، ورثت السلطة الفلسطينية المعايير والممارسات التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، تلك المعايير والممارسات التي يعتبر الكثير منها سلطوياً والتي مالت إلى إعاقة الحكم الصالح والإدارة العامة الفاعلة.
ولهذا، فإن السلطة الفلسطينية قد ورثت بنية حكومية تعتبر أقل تطوراً في كثير من الوجوه من الحكوماتالتي أقيمت في أوضاع أخرى حديثة من حالات ما بعد الصراع. وإلى جانب الافتقار إلى الخبرة السابقة بالحكم المدني، واجهت السلطة الفلسطينية خدمات عامة وبنية تحتية مهلهلة، وقضاء منهار في الضفة الغربية وقطاع غزة، علاوة على معارضة داخلية وخارجية للاتفاقيات السلمية وقيوداً تجارية إسرائيلية وإغلاقات للحدود. وقد كان لذلك آثار كبيرة على قدرة السلطة الفلسطينية على توفير خدمات عامة فعالة وعلى تطوير إطار قانوني وتنظيمي لمجتمع حر وسوق حرّة. وكان لذلك أيضاً آثار خطيرة على نمو الشفافية والمساءلة والعناصر الرئيسية الأخرى للحكم الصالح.
الإنجازات
التحديات
لقد واجهت السلطة التنفيذية للسلطة الفلسطينية تحديات في ثلاثة مجالات عامة هي :
يمكن القول بأن المشاكل في هذه المجالات برزت نتيجة لاستلام وظائف جديدة منذ عام 1994، دون وجود كفاءات بشرية أو قدرات تقنية كافية للقيام بها.
فأولاً، لم يستطع مجلس وزراء السلطة الفلسطينية العمل بشكل مناسب كهيئة وزارية قادرة على تحديد وتنفيذ سياسات متناسقة وواضحة التفصيل. إن تحول هذا المجلس إلى "قيادة فلسطينية" بحضور 45 شخصاً بدلاً من 20-24 وزيراً ، جعل أجندة هذه الحكومة واسعة ومفتقرة إلى التركيز على الحاجات الوزارية. وحقيقة أن كثيراً من اهتمام هذه القيادة قد أولي للمفاوضات مع إسرائيل والعلاقات الخارجية والقضايا السياسية والأمنية الداخلية قد أعاقت إلى حد كبير صياغة السياسات في المجالات الاجتماعية والاقتصادية. وبالإضافة إلى ذلك، فهناك وزراء كبار لديهم أكثر من وظيفة للقيام بها، الأمر الذي جعل لديهم القليل من الوقت للإدارة الداخلية.
لم يكن المجلس الوزاري قادرا أيضاً على تقديم الميزانية العامة إلى المجلس التشريعي في الوقت المحدد، على الرغم من الجهود المبذولة من وزارة المالية لإعداد بنود الميزانية التفصيلية حسب الموعد . لقد تأخر تسليم الميزانية أكثر فأكثر في كل سنة، في الوقت الذي افتقرت فيه إلى تفاصيل إنفاق الوزارات والهيئات المختلفة. وهذا سبب آخر للعلاقة المتوترة أحياناً بين السلطة التنفيذية والمجلس التشريعي الفلسطيني. وعلى الرغم من تحسن نسبة التجاوب، إلا أن السلطة التنفيذية ترددت في أحيان كثيرة إزاء الاستجابة لطلبات المجلس بتقديم المعلومات. وعلى نفس القدر من الأهمية، فإن السلطة التنفيذية لا تعترف بحق المجلس التشريعي في مراقبة الإنفاق الفعلي.
يحتاج العمل الداخلي للحكومة أيضاً إلى تحسين، حيث أن مكتب مجلس الوزراء لا يزال يفتقر إلى الخبرة والموارد البشرية ولا ينسق سياسة الحكومة بعد بشكل فعال. وهذا يؤثر أيضاً على قدرته في تزويد الحكومة بالتحليل الاستراتيجي في مجالات معينة من السياسات، وفي تشكيل وتنسيق إصلاح القطاع العام.
وتتأثر ممارسة الحكومة أيضاً بالعوامل غير الرسمية، ومن بينها هيمنة الفصيل الرئيسي لمنظمة التحرير، حركة فتح، التي يتزعمها رئيس السلطة الفلسطينية. فالوزراء الذين لا ينتمون لفتح يمكن أن يلقوا صعوبة في الحصول على ميزانيات وموارد أخرى أو في التأكيد على سلطتهم في داخل وزاراتهم، دون دعم من الرئيس. وبشكل عام، فإن السلطة التنفيذية تعمل وفق تقسيم للعمل وقواعد ونظم رقابة داخلية للسياسات، يقوم على الأمر الواقع وليس بناء على أساس قانوني رسمي.
مقابل ضعف المجلس الوزاري، فإن رئيس السلطة يتمتع بصلاحيات تنفيذية واسعة. وهذا ينعكس، من بين أمور أخرى، في عدد ونطاق المؤسسات التي ارتبطت مباشرة بمكتبه عن طريق مراسيم تنفيذية. وتشمل عينة من هذه المؤسسات على ما يلي: مجلس التعليم العالي، ديوان شؤون الموظفين، مكتب المؤسسات الوطنية، المجلس الأعلى للصحة، مركز التخطيط، دائرة الإحصاء المركزية الفلسطينية، سلطة المياه، سلطة الطاقة، مكتب إعلام الصحفيين، هيئة الرقابة العامة، سلطة البيئة، المركز الوطني للدراسات والتوثيق، مشروع بيت لحم عام 2000، مدرسة الطلاب الموهوبين، ومجلس الشؤون العشائرية.
يعين الرئيس رؤساء وأعضاء هيئات هذه المؤسسات كما هو الحال بالنسبة لسلطة النقد الفلسطينية مثلا. ويقوم بالشيء ذاته إزاء منظمات شبه غير حكومية، مثل مركز أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطينية وأكاديمية البحث العلمي. ويترأس هو شخصياً هيئات حكومية مثل سلطة المياه وسلطة الطاقة. وفي حالات معينة يؤدي ذلك إلى إضعاف دور الوزارات الحكومية. فسلطة المناطق الصناعية الجديدة تستجيب مباشرة للرئيس، مثلاً، بدلا من وزارة الصناعة. والنتيجة الإجمالية لذلك هي زيادة العبء الإداري على الرئاسة، في الوقت الذي يتم فيه الحد من استقلالية وأداء هذه المؤسسات.
ولا يقل أهمية عن ذلك الانخراط الواسع للرئيس وبعض الوزراء في الإدارة التفصيلية. فالتفاصيل البيروقراطية الصغيرة، مثل طلبات الإجازة للموظفين المدنيين ولضباط الشرطة، والمياومات، وبعض المصروفات الصغيرة لا بد وأن تتلقى اهتماماً شخصياً وموافقة من الرئيس. وهذا يسير جنباً إلى جنب مع عدم الرغبة في تفويض الصلاحيات ومع الميل إلى التقليص من استقلالية الوزارات والهيئات الحكومية.
والخطير بشكل خاص بالنسبة للعمل السريع والفعال للحكومة أن وزارة المالية لا يمكن أن تقوم بصرف الميزانيات الموافق عليها إلى الوزارات والهيئات وفق برنامج زمني محدد، وحتى بعد مصادقة المجلس التشريعي عليها. وبالأحرى، فإن الوزراء ورؤساء الهيئات المعنيين لا بد وأن يسعوا فرديا للحصول على موافقة الرئيس. لقد أدى هذا النمط إلى مشاكل ا لسيولة والاقتراض المحلي وتراكم المتأخرات وتباطؤ في تقديم الخدمات.
إن الميل نحو زيادة مركزية السلطة التنفيذية ينعكس في العلاقة ما بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية. فالسلطة الفلسطينية لم تمنح استقلالية حقيقية للمستويات الدنيا من الحكم. وقانون الحكم المحلي الجديد الذي أقر عام 1997 أخفق في التخفيف من مركزية فرض الضرائب والإشراف وفرض شروطا موحدة للعمل والتدبير على المجالس البلدية والقروية. إن إقامة بنى إدارية موازية، مثل المحافظات المرتبطة بوزارة الداخلية، والإخفاق في تحديد الصلاحيات والمسؤوليات، قد قيد الحكم المحلي أكثر.
التوصيات
4) السلطة التشريعية تم تشكيل المجلس التشريعي الفلسطيني ذي الثمانية والثمانين عضواً نتيجةلانتخابات عامة جرت في 20 كانون ثاني/ يناير 1996. جرت تلك الانتخابات بحضور مراقبين دوليين وفلسطينيين، وأعلن عنها بأنها انتخابات حرة ونزيهة عموما. وعقد المجلس التشريعي جلسته الأولى بعد شهرين من ذلك، مدشناً تجربة جديدة في الحياة البرلمانية الفلسطينية. الإنجازات
التحديات التوصيات
السياق
إن التجارب الانتخابية السابقة على المستوى الوطني كانت متنوعة وفي ظروف متقلبة. فالضفة الغربية كانت قد شاركت في الانتخابات البرلمانية الأردنية في الخمسينات، في حين أن جمهوراً محدداً من الناخبين كان قد أدلى بأصواته للاتحاد القومي الفلسطيني في غزة في بداية الستينات. وقد أقامت منظمة التحرير الفلسطينية برلماناً في المنفى عام 1964، ولكن أعضاء هذا البرلمان جاءوا غالبا بالتعيين، باستثناء عدد متواضع من الأعضاء الذين يمثلون بعض فصائل منظمة التحرير، والاتحادات العمالية والنقابية وهيئات اجتماعية أخرى.
تم تحديد ولاية المجلس التشريعي بالاتفاقية المرحلية عام 1995، مع المزيد من التفصيل في قانون الانتخابات الذي أصدرته السلطة الفلسطينية فيما بعد في العام ذاته. وعلى الرغم من أن قانون الانتخابات قد وضع الأساس لانتخابات دورية، إلا أن الاتفاقية المرحلية تضمنت إشارة لجولة انتخابات عامة واحدة في كانون ثاني/ يناير 1996 فقط. وبهذا، فإن مدة تفويض المجلس التشريعي، وكذلك رئيس السلطة، قد انتهت من الناحية الرسمية مع انتهاء الفترة الانتقالية المحددة في 4 أيار 1999.
لقد منحت الاتفاقية المرحلية المجلس التشريعي صلاحية اصدار تشريعات أولية تتعلق بكل المجالات والمسؤوليات، يستثنى منها تلك التي لم تنقل إلى السلطة الفلسطينية. وقد حظرت الاتفاقية أيضاً على المجلس التشريعي إصدار تشريعات لا تتفق مع بنود الاتفاقيات الفلسطينية-الإسرائيلية المختلفة أو تلغي القوانين والأوامر العسكرية السارية المفعول. ولم يفرض قانون الانتخابات قيوداً دستورية أخرى على صلاحية المجلس التشريعي في إصدار التشريعات أو ممارسة الإشراف على الفرعين التنفيذي والقضائي.
لقد عمل المجلس التشريعي في بيئة صعبة تتسم بالتحديات البالغة الصعوبة. وليس أقل هذه التحديات الغموض المستمر حول العلاقة الدستورية بين المجلس و السلطة التنفيذية، وهذا الأمر ازداد تعقيداً بعلاقة المجلس الغامضة مع المجلس الوطني الفلسطيني ومنظمة التحرير بشكل عام. إن شرعية وسلطة المجلس التشريعي تنبع من التفويض الانتخابي، ولكن هذا يقتصر على الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى سكان القدس الشرقية. وبالمقابل، فإن مؤسسات منظمة التحرير لا تستند إلى انتخابات، ولكنها تمثل كل الفلسطينيين بمن فيهم الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي الشتات. ومنظمة التحرير هي السلطة العليا التي أبرمت الاتفاقيات مع إسرائيل، حيث خرج المجلس التشريعي إلى الوجود من خلالها، وهي التي شكلت من الناحية الرسمية السلطة الفلسطينية. وفي عام 1996 رفض المجلس التشريعي الفلسطيني إصرار السلطة التنفيذية على أن المجلس التشريعي هو جزء من المجلس الوطني الفلسطيني، ولكنه سمح لأعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بالمشاركة في نقاشاته، وإن لم يكن لهؤلاء حق التصويت على قراراته.
وهناك تحد آخر كبير أمام المجلس التشريعي يكمن في العلاقة الفلسطينية مع إسرائيل. فالوضع النهائي للعلاقات مع إسرائيل لم يتضح بعد، الأمر الذي يمنع المجلس من سن التشريعات على مستوى واسع بشأن القضايا التي لا زالت خاضعة للتفاوض. وفي الوقت ذاته، فإن القيود الإسرائيلية على حركة كل الفلسطينيين تعيق عمل المجلس ولجانه. فكثير من أعضاء وموظفي المجلس عانوا من التأخيرات الطويلة وبعض المضايقات على نقاط التفتيش الإسرائيلية لدى سفرهم بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
إن توزيع وتقسيم نشاطات ومنشآت ودوائر المجلس بين قطاع غزة والضفة الغربية أوجب مضاعفة الموارد، والسفر الطويل، حيث يضطر موظفو السلطة الفلسطينية في أحيان كثيرة للسفر عبر مصر والأردن من أجل الانتقال بين الضفة الغربية وقطاع غزة بدلاً من المرور عبر إسرائيل. كما يتطلب الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة مستويات من التنسيق، يصعب حتى على المجالس النيابية المتطورة جداً بلوغها. إن السيطرة الإسرائيلية المستمرة على معظم الضفة الغربية وقطاع غزة وحدودهما الخارجية تقيد أيضا قدرة المجلس على تلبية متطلبات الناخبين.
وفي مقابل ذلك، استفاد المجلس التشريعي من الدعم السياسي والمساعدة التقنية المتواصلين من الأسرة الدولية المانحة. وقد أسهم هذا كله في تطوير قدرة المجلس التشريعي في جميع المجالات تقريبا، ابتداءً من أعمال التشريع والإشراف ومروراً بأعمال التسجيل والبحث وصولا إلى التنظيم والإجراءات الإدارية.
على الرغم من القيود التي تمت الإشارة إليها أعلاه، إلا أن الانتخابات العامة في كانون ثاني/ يناير 1996 مثلت خطوة هامة في عملية مأسسة الحياة البرلمانية في الضفة الغربية وقطاع غزة. إن إصدار قانون الانتخابات، وإقامة لجنة دائمة للانتخابات، وتقسيم البلاد إلى دوائر انتخابية، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة إلى حد كبير، وبحضور مراقبين دوليين، قد أسهم وبشكل هام في هذه النتيجة.
لم يمر على نشوء المجلس التشريعي الفلسطيني أكثر من ثلاث سنوات ونيف فقط، ولكنه حقق الكثير في هذه الفترة القصيرة. فقد أصدر نظمه وأوامره الخاصة منظماً بذلك شؤونه الداخلية وعلاقاته مع السلطة التنفيذية. وحسب الاتفاقية المرحلية لعام 1995 والنظام الداخلي للمجلس التشريعي، للمجلس صلاحية المبادرة والصياغة وإقرار التشريعات، بما في ذلك التشريعات التي يقدمها إليه مجلس الوزراء. فمنذ عام 1996 أقر المجلس التشريعي 24 قانوناً وقدمها للرئيس للتوقيع عليها. وقد شملت هذه القوانين القانون الأساسي الذي تم إقراره بعد القراءة الثالثة ولا يزال ينتظر الصدور منذ 1997. هذا وقد قام المجلس بأعمال الإشراف، وخاصة مراجعة وتحليل الميزانية العامة.
ولهذه الغاية، شكل المجلس 12 لجنة دائمة تجتمع مرة كل أسبوعين وتقدم تقارير عن نتائج مداولاتها إلى المجلس ككل. وقد تطلب هذه اللجان المعلومات مباشرة من الوزراء أو مسؤولين آخرين كبار، أو تطلب حضورهم لجلسات استماع حول قضايا ضمن اختصاصهم. ولقد عملت هذه اللجان على التحقيق بشأن ما ذكر حول الفساد وسوء الإدارة المالية والإساءة إلى حقوق الإنسان من بين مسائل أخرى.
وعلى الصعيد الداخلي، فقد أنشأ المجلس التشريعي نظاماً لحفظ السجلات وسكرتاريا لإدارة وتنظيم دوائر المجلس وموظفيه. وهذه السكرتاريا تتولى الإشراف أيضاً على مكاتب الدوائر الانتخابية الستة عشرة، بالإضافة إلى الدوائر الإدارية والمالية والإعلامية والعلاقات العامة والدوائر القانونية وغيرها. وقد وضع المجلس التشريعي إجراءات متبعة للنقاش والاستفسار ووضع الاجندة.
وبفضل هذه الأمور إلى حد ما، يقيم المجلس التشريعي الفلسطيني علاقات برلمانية متقدمة مع جمهور الناخبين. وعلاوة على ذلك، فقد زاد المجلس من تفاعله وتعاونه مع المنظمات الفلسطينية غير الحكومية في المجالات السياسية والتقنية. وقد اتضح ذلك في النقاش العام حول القانون الأساسي والعديد من التشريعات الرئيسية الأخرى. وفي الآونة الأخيرة لعبت المنظمات غير الحكومية دوراً فعالاً في تزويد أعضاء المجلس بالمعلومات المتعلقة بالقطاع غير الحكومي. وبالمقابل، أقر المجلس قانونا مستجيبا لتطلعات المنظمات غير الحكومية. وهناك مثال آخر على هذا التعاون هو وحدة البحوث البرلمانية التي إقامتها منظمة غير حكومية وربطتها بالمجلس التشريعي لتلبية حاجاته.
لقد استفاد المجلس التشريعي أيضاً من النقاش السياسي المفتوح والحيوي. وهذا ينبع إلى حد كبير من تاريخ التعددية والنشاط القاعدي في السياسة الفلسطينية، سواء في منظمة التحرير الفلسطينية أو في الضفة الغربية وقطاع غزة في ظل الاحتلال الإسرائيلي. وقد تم بشكل تجريبي بث بعض جلسات المجلس تلفزيونيا لفترة وجيزة، وبعض هذه الجلسات ظلت مفتوحة أمام الحضور العام وتظهر على شاشات التلفزيون الداخلي في مبنى المجلس.
إن وجود برلمان فعال ومستقل هو أمر ضروري لقيام حكم متجاوب ومساءل، ولكن المجلس التشريعي واجه تحديات جمة في قدرته على أداء وظائفه الأساسية الثلاثة وهي : التشريع، القيام بإشراف فعال، وبناء علاقات مع جمهور الناخبين.
تكمن أهم العراقيل التي يواجهها المجلس في القيود التي فرضها إطار أوسلو، وغموض علاقته الدستورية مع السلطة التنفيذية، وافتقاره إلى الخبرة إضافة إلى النواقص التقنية.
وفيما يخص وظيفته التشريعية، ظل المجلس التشريعي الفلسطيني مقيداً في عدم قدرته على التشريع للصلاحيات والمسؤوليات التي بقيت خارج ولاية السلطة الفلسطينية. كما أعيق عمل هذا المجلس بالقيود التي وضعها إطار أوسلو على مجالات تخضع لمفاوضات الوضع النهائي مع إسرائيل.
وكذلك، فقد أعيق عمل المجلس التشريعي بتوقف الجهد الذي انطلق عام 1996 من أجل توحيد وتكامل مجموعة القوانين والنظم المختلفة وأحيانا المتناقضة السارية المفعول في الضفة الغربية وقطاع غزة. إن عدداً كبيراً من المؤسسات العامة والمنظمات غير الحكومية قد شاركت في هذا الجهد، ولكنها افتقرت إلى آلية تنسيق رسمية. وقد تم تشكيل سبع لجان قانونية لمساعدة وزارة العدل، ولكن هذه اللجان لم تحظ بمكانة حكومية وقد توقفت عن العمل إلى حد كبير. هذا على الرغم من العمل المستمر للجهات المعنية في المجلس التشريعي، والهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن، ومركز الحقوق في جامعة بيرزيت. وفي الوقت نفسه، فقد اخفق المجلس التشريعي في معالجة لجوء السلطة التنفيذية إلى قوانين الطوارئ البريطانية لعام 1945، كما لم يحاول إلغاء هذه القوانين.
وعلاوة على ذلك، فإن الافتقار إلى نظام لتحديد وتنفيذ ومراقبة السياسية العامة للسلطة الفلسطينية قد أصبح إشكالية متزايدة. وفيما تتم صياغة قوانين جديدة، فإنه من غير الواضح أية قيم تعتمدها وأي نظام تهدف بمحصلتها أن توجده.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن السلطة التنفيذية قد أحبطت جهود المجلسالتشريعي الفلسطيني لإصدار تشريعات أولية. وقد أخر رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات إصدار قوانين هامة وافق عليها المجلس التشريعي، بما في ذلك القانون الأساسي. ويؤكد المشرعون الفلسطينيون أنه يستخدم أيضا الصلاحية التي منحتها له الاتفاقية المرحلية عام 1995 من أجل إصدار تشريعات أولية على شاكلة تشريعات ثانوية لا تحتاج إلى مصادقة المجلس التشريعي. فحتى هذا التاريخ هناك أكثر من 800 مرسوم وأمر رئاسي أو أمر حكومي صدرت بهذه الطريقة ونشرت في الجريدة الرسمية. وفي حالات أخرى طرحت السلطة التنفيذية مشاريع قوانين على المجلس التشريعي كان الأجدى أن تكون تشريعات ثانوية، مما أدى إلى تبديد وقت المجلس التشريعي وامتلاء أجندته التشريعية. يحتاج إذن فرعا السلطة، التنفيذي والتشريعي، إلى مهارات وتراكم خبرات أكثر في العملية التشريعية ككل.
كذلك، فقد أعيق عمل المجلس التشريعي إلى حد كبير في أدائه مهمة الإشراف، وذلك بسبب عدم تعاون السلطة التنفيذية. وهذا واضح بشكل خاص في التقديم المتلكئ للميزانية العامة إلى المجلس التشريعي، حيث بلغ التأخير ثمانية أشهر وأكثر. وفي نيسان/إبريل 1999 قدمت الحكومة تقريراً عن كل الواردات والنفقات العامة ولأول مرة، ولكنها فشلت مجددا في إعطاء تفصيل دقيق لها ولم تقدم ميزانية رسمية. وليس للمجلس التشريعي من وسيلة للتقرير إذا كانت النفقات قد تمت وفق ميزانية مصادق عليها أم لا، كما أن السلطة التنفيذية لا تقدم كشفا بالنفقات الخارجة عن الموازنة ولا تقدم الميزانيات الملحقة إلى المجلس للمصادقة عليها.
لا تقدم السلطة التنفيذية في أحيان كثيرة معلومات أو وثائق يطلبها المجلس التشريعي أو لجانه، الأمر الذي يحد من قدرة المجلس على مراقبة الأداء التنفيذي. وقد تجاهلت السلطة التنفيذية توصيات المجلس التشريعي بالتحقيق مع وزراء أو إقالتهم بسبب سوء تصرفهم الإداري والمالي. وعلى العكس من ذلك، فإن نتائج لجان التحقيق التي أقيمت من قبل السلطة التنفيذية، مثل اللجنة الرئاسية لمحاربة الفساد، لم يتم تسليمها إلى المجلس التشريعي، ناهيك عن الجمهور العام. وليس للمجلس التشريعي من سلطة على هيئة التدقيق الخارجي للسلطة الفلسطينية، أي هيئة الرقابة العامة، وبهذا فإنه لا يستطيع إصدار أمر بنشر تقاريرها.
إن المشكلة التي تواجه المجلس التشريعي في مثل هذه الحالات هي أنه يفتقر إلى الصلاحية الدستورية ونظام عقوبات فعال لإجبار السلطة التنفيذية على الانصياع. وهو يمتلك القدرة على التصويت بحجب الثقة كوسيلة لإخضاع السلطة التنفيذية للمساءلة، ولكنه عزف عن استخدام هذه الأداة. وهذا يعود جزئياً إلى هيمنة حزب الرئيس عرفات، فتح، في المجلس التشريعي، الأمر الذي مكنه من تهميش المجلس في لحظات التصويت الحاسم. وحقيقة كون الرئيس أتى إلى منصبه من خلال انتخاب مباشر تزيد من قوته السياسية إزاء المجلس. وفي كل الأحوال، ليس هناك من بند يتعلق بالعزل في الترتيبات الدستورية سارية المفعول حالياً.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن إطار أوسلو يقيد مهمة المجلس التشريعي في الإشراف بحرمانه من صلاحية العمل في قضايا تتعلق بالسياسة الخارجية، بما في ذلك المفاوضات مع إسرائيل. وهذه القضايا تم نقاشها بشكل واسع في المجلس التشريعي، ولكنها بقيت امتيازاً خاصاً لمنظمة التحرير الفلسطينية. لم يتمكن المجلس التشريعي من مناقشة الاتفاقيات التي عقدتها وزارات السلطة أو الهيئات الأخرى مع أطراف خارجية، حتى حين اختص الأمر بشؤون تقع ضمن المجالات والمسؤوليات التي سمح بها إطار أوسلو.
تنبع هذه المشاكل جزئياً من تقصيرات المجلس التشريعي ذاته. فمن جهة، أدى انشغال المجلس بالعملية السلمية والقضايا السياسية الأخرى إلى صرفه عن التشريع والإشراف والعلاقات مع جمهور الناخبين. والمجلس بحاجة أيضاً إلى تطوير المهارات التشريعية لأعضائه وقدراتهم على مراجعة ومراقبة الميزانية. ويفتقر المجلس كذلك إلى استراتيجية شاملة ومنتظمة لجمع وتصنيف المعلومات. كما يفتقر إلى آليات رسمية واضحة المعالم للتنسيق والتشاور مع الفرعين التنفيذي والقضائي ومع الناخبين ومنظمات المجتمع المدني.
وعلاوة على ذلك، فإن المجلس التشريعي يميل إلى تجاهل قواعده ولوائحه الداخلية المتعلقة بالمواعيد، وإجراءات النقاش والتصويت، ووضع الأجندة وتعميمها. عموما، وعلى الرغم من أن المجلس التشريعي كان قادراً على مأسسة ذاته في وقت قصير نسبيا إلا أنه لا يبدو أن لديه استراتيجية طويلة الأجل فيما يتعلق بتنمية قدراته ونطاق عمله. فهو يحتاج إلى توضيح أكثر للعلاقات بين لجانه، وبين رئيس المجلس و اللجان، وبين عاملي وأعضاء المجلس. ويحتاج المجلس التشريعي، أخيرا، إلى تطوير صيرورة عمله الداخلي، وإعطاء وصف أكثر وضوحاً لمهام الموظفين، وإعداد أدلة تحدد طبيعة علاقات المجلس مع الهيئات المناظرة وغيرها من ذوي الصلة.
من جانب آخر أسهم أعضاء المجلس في إحراز تقدم ملموس في تطوير العلاقات مع ناخبيهم، ولكن هذا حصل كرد الفعل وليس المبادرة الناشطة. فيبدو أنه لم يكن هناك تفكير كاف بإقامة مشاورات مؤطرة ومنتظمة مع جمهور الناخبين. ويعود هذا جزئياً إلى أن إطار أوسلو لا يدعو لإجراء انتخابات عامة جديدة في الفترة الانتقالية المحددة، ولذلك لم يحفز أعضاء المجلس على الاتصال بناخبيهم. كما أن مفهوم الاستجابة والمساءلة أمام الناخبين لا يزال جديداً بالنسبة لأعضاء المجلس.
وعلاوة على ذلك، فإنه على الرغم من افتتاح مكاتب تابعة للمجلس التشريعي في 16 دائرة انتخابية، إلا أن معظم أعضاء المجلس ليست لديهم مكاتب مناسبة، الأمر الذي يحد من قدرتهم على الحصول على معلومات حول ظروف ناخبيهم وعلى معالجة طلباتهم. وكذلك، فإن أعضاء المجلس يفتقرون إلى المكاتب الشخصية داخل مبنى المجلس وإلى الدعم الإداري والتقني المناسب.
وبالمثل، فإن المجلس التشريعي لم يطور حتى الآن إجراءات استشارية مؤطرة تشمل منظمات المجتمع المدني. فالمفاهيم مثل اللوبي (جماعات الضغط) والمرافعة تعتبر جديدة لدى الكثيرين من أعضاء المجلس التشريعي والمنظمات غير الحكومية المحلية وجماعات المصالح. وفي الوقت ذاته، فإن المجلس التشريعي الفلسطيني قد فقد جزئياً مقدرته على توصيل مناقشاته إلى عامة الجمهور. فالبث التلفزيوني لمناقشات المجلس في البداية قطع بضغط من السلطة التنفيذية، علما أنه لم يصل سوى إلى رقعة جغرافية ضيقة وإلى جمهور صغير بسبب القيود التي تفرضها إسرائيل على الاستخدام الفلسطيني للموجات الهوائية. ويمكن للجمهور أن يحضر بعض الجلسات من الردهة أو من خلال شاشات التلفزيون الداخلي في مبنى المجلس، ولكن هذه الوسائل غير كافية. كما أن المجلس التشريعي لم يتمكن من مواجهة التخويف والإغلاق لوسائل الإعلام من قبل السلطة التنفيذية.
لقد ورثت السلطة الفلسطينية نظاماً قضائياً في حالة انهيار حقيقي لدى تأسيسها عام 1994. فالبنى القانونية الفلسطينية التي عملت قبل 1967 تدهورت بصورة دراماتيكية خلال الاحتلال الإسرائيلي الطويل إلى درجة أن النظام القضائي قد فقد الرأس والروح. إن جمعيتي المحامين في الضفة الغربية وقطاع غزة قد شهدتا تدهوراً مماثلاً، وعاد هذا جزئياً إلى رفض المحامين الفلسطينيين المشاركة في النظام القضائي في ظل الاحتلال، وجزئياً إلى القيود القاسية التي فرضها الحكم العسكري الإسرائيلي على تشكيل الجمعية المهنية للمحامين الفلسطينيين في الضفة الغربية.
ما زال نظام المحاكم الفلسطيني يعاني من النقص الحاد في القضاة والمدعين العامين ومديري المحاكم وغيرهم من العاملين الآخرين. وكانت القضايا تؤجل باستمرار، كما أن عدداً كبيراً منها قد تراكم. وقد أدى تدني عملية حفظ السجلات عبر السنين إلى إعاقة الوصول إلى القرارات السابقة واستخدام السوابق. إن انقطاع النظام القضائي خلال فترة الانتفاضة 1987-1993 قد فاقم من الوضع سوءا.
هذا، ولا يزال النظام القضائي الفلسطيني الحالي يعمل بموجب القانون العثماني والإنجليزي والأردني. وألغى رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات تطبيق الأوامر العسكرية الإسرائيلية في عام 1994، ولكن وضع هذه القوانين الدقيق الآن غير واضح. كما أن إطار أوسلو يقلص صلاحية السلطة القضائية الفلسطينية. فبينما كان المستوطنون والإسرائيليون الآخرون يمثلون أحيانا أمام المحاكم الفلسطينية المدنية بعد 1967، فإن هذا لم يعد يحصل إلاّ إذا طلبوا ذلك، وبغض النظر عن طبيعة القضية أو اشتراك الأطراف الفلسطينية فيها.
إن قيام السلطة الفلسطينية قد أدخل مصدراً جديداً للتشريع، وأضاف نظام محاكم جديد يرتكز على نظام القضاء الثوري لمنظمة التحرير لعام 1979. وهذا جعل عدد نظم المحاكم العاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة يصل إلى خمسة. هناك نظامان منفصلان للمحاكم المدنية والجنائية على مستوى القضاء والمنطقة والاستئناف في الضفة الغربية وقطاع غزة. وهناك محاكم الشريعة الإسلامية التي تنظر في القضايا الشخصية، والمحاكم العسكرية الفلسطينية التي تحاكم عناصر الشرطة وأجهزة الأمن، ومحاكم أمن الدولة التي تنظر في قضايا متعلقة بالأمن الوطني. ويضاف إلى ما سبق محاكم الأمن الإسرائيلية التي تعمل في المناطق التي لا تخضع للسيطرة الأمنية الفلسطينية الداخلية.
إن أي تقدم تم إحرازه في النظام القضائي إنما يعود إلى المساعدة الفنية والمالية التي قدمتها الأسرة الدولية المانحة. وهناك برنامج متعدد الوجوه لتحديث النظام القضائي قيد التنفيذ منذ عام 1996 وبتكلفة مقدارها 72 مليون دولار. وتشارك فيه أربع وزارات فلسطينية والسلطة القضائية والمجلس التشريعي الفلسطيني والمنظمات الفلسطينية غير الحكومية و 17 دولة مانحة وعشر هيئات تابعة للأمم المتحدة. ويسعى هذا البرنامج لتحقيق ستة أهداف هي : توحيد القوانين، تحسين مباني المحاكم ومرافقها، توحيد النظم والإجراءات القضائية، توحيد إجراءات الدعاوى وتحسين وضع مكاتب ومرافق الادعاء العام، وتطوير قواعد معلومات قانونية وقضائية محوسبة، وتطوير قدرة مختبرية علمية مستقلة. وقد لعبت الأسرة الدولية دوراً حاسماً أيضاً في تطوير "الخطة الوطنية للعمل من أجل حقوق الإنسان".
الإنجازات
التحديات
تواجه السلطة القضائية الفلسطينية ثلاثة عوائق كبيرة، هي :
فيما يتعلق بالتسلسل القيادي، فشلت السلطة التنفيذية في إعادة تأسيس مجلس قضائي أعلى. وبغياب هذا المجلس عمد رئيس السلطة ووزير العدل إلى تقلد صلاحياته في إقامة وإغلاق المحاكم المناطقية والمحلية، وفي التعيين والترقية وتخفيض المرتبة، والنقل والطرد والإحالة على التقاعد للقضاة على كل المستويات؛ وفي تعيين وطرد موظفي المحاكم؛ وفي تحديد الرواتب وتعويضات التقاعد. وقد تم ربط منصب المدعي العام أو النائب العام بالسلطة التنفيذية، التي تقوم بإجراء التعيينات في هذا المنصب. وعلاوة على ذلك، وسع رئيس السلطة الفلسطينية من نطاق تدخل السلطة التنفيذية حيث قام بتعيين رئيس جمعية المحامين الموحدة الجديدة في الضفة الغربية وقطاع غزة وأعضاء هيئتها الإدارية.
إن حدود الصلاحيات قد اختلطت أيضاً وتم الالتفاف عليها من قبل السلطة التنفيذية ذاتها. وقد استقال النائب العام، الذي كان آخر من تولى المنصب حتى نهاية الفترة الانتقالية المحددة، بسبب التدخل المستمر في شؤونه من قبل السلطة التنفيذية ورؤساء فروع الشرطة وأجهزة الأمن المختلفة. ولقد ظل منصبا النائب العام وقاضي القضاة شاغرين منذ عام 1997 وللفترة ذاتها. وبالإضافة إلى ذلك، فإن رئيسي المحكمتين العليتين في الضفة الغربية وقطاع غزة قد أقصيا عن منصبيهما من قبل السلطة التنفيذية بسبب التصريحات الناقدة التي أسندت إليهما أو القرارات التي اتخذتها محكمتاهما.
ثم إن السلطة الفلسطينية لم تحرز إلا تقدماً ضئيلاً في تبسيط القوانين والإجراءات الإدارية المتعددة والمعقدة السارية المفعول في الضفة الغربية وقطاع غزة. وهذه ليست مهمة بسيطة، ولكن السلطة الفلسطينية لم تعمد حتى إلى إقامة سكرتاريا دائمة لتنسيق عمل اللجان القانونية المختلفة العاملة في هذا المجال، ناهيك عن تزويدها بالكادر الفني والمساعدين وبالمكاتب والمواد القانونية واللوازم الأخرى. والعواقب في هذه الحالة بعيدة المدى، ولكن الملاحظ بشكل خاص هو غياب التخطيط المنسق لتوفير ضمانات قانونية لحقوق الإنسان، والإعداد البطيء للقوانين المتعلقة بالعقود التجارية والنشاط الاقتصادي.
ومما يزيد الأمور تعقيداً أنه مع وجود مركز سلطة القضاء في غزة أساساً، فإن كثيراً من التشريعات الجديدة قد تمت بمرسوم أو أمر دون استشارة أو إشعار لدى الضفة الغربية، الأمر الذي يضعف المفهوم القائل بأن توحيد النظم القانونية والإدارية يجب أن يتم بطريقة متوازنة، ويزيد من الاستياء في الضفة الغربية بسبب ما يمكن أن يتصور وأنه إقحام للتقاليد والمعايير القانونية الغزيه.
وبالمثل، فإن السلطة الفلسطينية لم تتقدم كثيراً في عملية توحيد نظم المحاكم المنفصلة وتشابك صلاحياتها في الضفة الغربية وقطاع غزة، بل أن السلطة قد أضافت نوعين جديدين من المحاكم، هما : المحاكم العسكرية التي تحاكم أفراد الشرطة وأجهزة الأمن المتهمين بارتكاب أعمال جنائية أو انتهاك اللوائح الانضباطية، ومحاكم أمن الدولة التي تنظر في القضايا المتعلقة بالأمن الوطني. المعروف أن محاكم أمن الدولة ترتكز على نظام القضاء الثوري لمنظمة التحرير الفلسطينية لعام 1979 وربما أيضاً على قوانين الطوارئ البريطانية لعام 1945، ولكنها مغلقة ولا توفر حق الاستئناف. وفي الآونة الأخيرة أخذت محاكم أمن الدولة تحاكم أيضاً المدنيين المتهمين بــ "جرائم اقتصادية" مثل التهريب، وبيع الأطعمة التي انتهت صلاحيتها، والتهرب من دفع ضريبة القيمة المضافة.
لقد ظل النظام القضائي يعاني من النقص الشديد في قدرته العملياتية الأساسية. فهناك نقص شديد في القضاة المدربين والمستقلين، وأيضا في مساعدي مأمور التنفيذ، والكتبة، ومباني المحاكم، والمراجع القانونية، والتجهيزات. وهذا ينطبق أيضاً على هيئة الادعاء. فالقضاة والمدعون العامون لا يتقاضون الأجور الكافية، وليس هناك من ضمان لمدة الخدمة. إن تدخل السلطة التنفيذية في القرارات القضائية قد أدى إلى إحباط القضاة، بل إن اكتظاظ المحاكم والقضايا المتراكمة قد جعل مثل هذا التدخل ممكناً. إن التدريب المتوفر غير منظم ودون المستويات المطلوبة، والمؤسسات الفلسطينية ليست لديها القدرة بعد على توفير هذا التدريب بفعالية.
يعاني النظام القضائي أيضاً من نقص التعاون مع الجهات التي تفرض القانون. وهذا بارز في الحالات الأمنية، ولكن قدرة المحاكم على تأمين تنفيذ القرارات القضائية متفاوتة عموماً. كما أن الافتقار إلى منهاج وطني موحد لتدريب الشرطة يعيق ايضاً التعاون مع النظام القضائي. وهناك مشكلة أخرى ذات علاقة بالموضوع، ألا وهي الحالة المتداعية لنظام السجون من الناحية الإدارية والمادية. فهناك سلطة للسجون، ولكنها تفتقر بشدة إلى التجهيزات والهياكل والأنظمة، كما أنها لا تتمتع إلا بسيطرة محدودة على منشآتها.
من شأن النظام القضائي أن يستفيد كثيراً لو تم إيجاد بدائل لحل النزاعات. ولكن، الأساليب البديلة لحل النزاعات ونمط المساومة الجماعية، وحل النزاعات الإدارية، والآليات الأخرى غير القضائية أو شبة القضائية لحل الصراع، تبقى جميعها محددة للغاية.
التوصيات
[ الصفحة الرئيسية ] [إصدارات ونشاطات الوحدة ] [قائمة المحتويات ] [الجزء السابق من التقرير الحالي ] [الجزء التالي من التقرير الحالي ]