الفصل الثالث
المؤسسات العملياتية

1) مقدمة

يعمد هذا الجزء من التقرير إلى تقييم قدرة وأداء وزارات وهيئات السلطة الفلسطينية ("المؤسسات العملياتية") ، المسؤولة مباشرة عن توصيل الخدمات للجمهور الفلسطيني وعن توفير البيئة القانونية التنظيمية لتمكين المجتمع الحر والسوق الحرة . ويقدم هذا التقرير توصيات تهدف إلى تقوية الإطار المؤسساتي لكي يصبح أكثر تأثيراً وفاعلية في مجال :

تكتسب هذه القضايا أهمية زائدة إذا كانت السلطة الفلسطينية ستنجح في مواجهة التحديات المحتملة مثل الزيادة السريعة في النمو السكاني، والالتزام بمعايير المعاهدة العامة للتجارة والتعرفة / منظمة التجارة العالمية ((GATT/WTOلضمان الدخول إلى السوق الخارجية، واتجاه السوق نحو التنافس الشديد فيما يتعلق بالمعلومات والتكنولوجيات الأخرى.

ويعتقد هذا التقرير أن هناك خمسة أمور مستهدفة بشكل أساسي لتطوير المؤسسات العامة للسلطة الفلسطينية :

تنعكس الثقافة المؤسساتية الناشئة في عوامل رئيسية مثل بيانات المهام والتفويض القانوني التي توفر معا تحديداً واضحاً وفصلاً للمهام والمسؤوليات، والقواعد والنظم التي تحكم شؤون الموظفين و الأمور المالية، والبنى التنظيمية الواضحة وتسلسل القيادة، والإجراءات والنظم المتعلقة بتبادل المعلومات.
يقسم هذا الجزء من التقرير إلى جزئين رئيسيين : الأول يلخص السياق والخلفية التي أثرت على البناء المؤسسي الفلسطيني العام منذ 1994 ويحدد نماذجه الأساسية. والثاني يتناول "المجموعات" الخمسة للمؤسسات العملياتية، موزعة حسب وظيفتها الرئيسية. وهذا سيضع إنشاء وأداء هذه المؤسسات في سياقها التاريخي والمادي، ويعّرف المؤسسات العاملة داخل كل مجموعة، ويتيح رؤية إنجازاتها حتى الآن، ويحدد التحديات والمشاكل الرئيسية بما فيها تلك التي ستبرز في المستقبل، ويختتم بتوصيات للقيام بتحسينات وإصلاحات محددة.

2) السياق والخلفية
عندما أقيمت السلطة الفلسطينية في منتصف عام 1994، كانت تفتقر إلى كادر بشري عال ومتوسط المستوى. كما كانت تفتقر إلى الخبرة في صياغة وتنفيذ السياسة، وفي التخطيط والإدارة العامة. وهذه العوائق كانت أشد مما هي عليه في المجتمعات المعاصرة التي تمر في مرحلة ما بعد الصراع. وهذه الخلفية لها معان كبرى بالنسبة لقدرة السلطة الفلسطينية على توفير خدمات فعالة ومؤثرة وتوفير البيئة القانونية والتنظيمية لتمكين المجتمع الحر والسوق الحرة. كما ولها عواقب جدية بالنسبة للبروز السريع للشفافية والمساءلة والعناصر الأخرى للحكم الصالح. لهذه الأسباب عمدت الأسرة الدولية المانحة إلى تكريس جزء كبير من مساعداتها المالية والتقنية منذ عام 1994 باتجاه تطوير الإدارة العامة الفلسطينية، والموظفين، والتخطيط، والإدارة المالية، والتشريع الاجتماعي، والتنظيم الاقتصادي، وتطبيق القانون.
لقد واجهت السلطة الفلسطينية مجموعة غير معهودة من العوائق في جهودها منذ عام 1994 لتطوير هذه الحقول. وليس أقل تلك العوائق غياب الكثير من المؤسسات العملياتية والنظم الإدارية التي تتطلبها حكومة حديثة، مما استوجب بناؤها من الصفر. وهذا بدوره يتطلب توفير مهارات جديدة تماماً ووصفاً جديدا للوظائف. وفي بعض الحالات كان هناك غموض واضطراب حيال الأدوار الدقيقة للبنى الجديدة وحيال علاقتها بالمؤسسات والنظم القائمة. إن أولويات وسياسات الأسرة الدولية المانحة واسرائيل لها تأثير كبير أيضاً على التطوير والتخطيط المؤسساتي، ويكون هذا التأثير سلبياً أحياناً.
لقد تعقدت مهمة السلطة الفلسطينية بشكل خاص بسبب عاملين موضوعيين : الأول، افتقار السلطة إلى السيطرة على الوسائل الاقتصادية الرئيسية، وذلك بسبب سيطرة إسرائيل المادية على كل نقاط الخروج والدخول وأيضا بسبب بنود إطار أوسلو. وهذا جعل واردات الحكومة والدخل الوطني عرضة بشكل خاص أمام تذبذب العلاقات السياسية والأمنية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، الأمر الذي خلق صعوبات أمام القائمين على التخطيط. والعامل الثاني هو أن السلطة الفلسطينية مضطرة للعمل في منطقتين غير متجاورتين هما الضفة الغربية وقطاع غزة. وهاتان المنطقتان منفصلتان أيضاً عن القدس الشرقية التي هي مركز هام للنشاطات الاجتماعية والتجارية والثقافية الفلسطينية. كما أن الإجراءات الإسرائيلية التي تقيد التنقل داخل وبين الضفة الغربية وقطاع غزة تعرقل حركة موظفي السلطة الفلسطينية. وهذا بدوره ضاعف من صعوبة تكامل وتوحيد النظامين القانونيين المختلفين الساريي المفعول في الضفة الغربية وقطاع غزة منذ 1948. كما عمل ضد توحيد الإجراءات والممارسات المؤسساتية داخل السلطة الفلسطينية. إن الصعوبات الشديدة في الحركة من منطقة لأخرى قد أجبرت معظم الوزارات والهيئات على إقامة فروع مماثلة في الضفة الغربية وقطاع غزة ، الأمر الذي زاد من كمية الملفات والازدواجية والإجراءات الإدارية بشكل عام.

3) إدارة القطاع العام : الإدارة العامة، والأفراد، والتخطيط
السياق

تشمل الإدارة العامة العناصر الرئيسية الثلاثة التالية : التنظيم، الأشخاص، المهام. العنصر الأول من هذه العناصر يتعلق ببنية الإدارة العامة وبتنوعها الوظيفي. ويتعلق العنصر الثاني بمعايير التوظيف والترقية وبتنمية الموارد البشرية. والعنصر الثالث يتعلق بتخطيط وتنسيق العنصرين السابقين فيما بين مؤسسات السلطة الفلسطينية ككل. كما يشتمل العنصر الثالث أيضا على المفاهيم القطاعية لتوفير الموارد الضرورية، ولتوفير الأطر اللازمة لتمكين عمل البنية التحتية، والاقتصاد، والمالية، والخدمات الاجتماعية.
لقد ورثت السلطة الفلسطينية إرثا مؤسساتيا متباينا وأحيانا متناقضاً من الإدارة المدنية الإسرائيلية ومنظمة التحرير الفلسطينية. فمن الناحية الإيجابية، تولت السلطة الفلسطينية السيطرة على الإدارة العامة القائمة والتي يشغلها عدد كبير من العاملين المدنيين المحليين ذوي الخبرة، الأمر الذي أتاح لها ضمان توصيل الخدمات في قطاعات معينة، ولا سيما التعليم والصحة، بسرعة وسهولة نسبية. وكذلك، فقد ورثت السلطة الفلسطينية إجراءات عملياتية في حقول مختلفة وقواعد ونظم داخلية للادارة العامة. وقد جلب كادر منظمة التحرير الفلسطينية معه المهارات والمسؤولية السياسية اللازمة لصهر المؤسسات العامة ضمن نظام حكومي موحد والتعامل مع الدول المانحة والمؤسسات الدولية. وقد جلب أيضاً الخبرة الضرورية لبناء قوة شرطة جديدة لتحقيق متطلبات حفظ القانون والنظام.
ومن الناحية السلبية، فإن البنى التنظيمية والممارسات المؤسساتية الموروثة كثيرا ما أعاقت الاتصال الأفقي والمشاركة في المعلومات، والاستشارة والتقييم العموديين بين الرؤساء والمرؤوسين واستقلالية الدوائر، ولا سيما في صياغة السياسة وصنع القرار. إن القليل فقط من موظفي الإدارة المدنية السابقين كانوا يتمتعون بمهارات إدارية على مستوى عال، لأن كل المناصب العليا تقريبا كان يحتلها في السابق ضباط إسرائيليون. وتمتع الكادر الفلسطيني المحلي بخبرة قليلة فقط في صياغة السياسة، وصنع القرار، والتخطيط، بل أنه استثني تماما في السابق من مجالات معينة في الإدارة العامة. وعلى العكس من ذلك، فإن كادر منظمة التحرير الفلسطينية كان يمتلك الخبرة السياسية على مستوى عال، ولكنه حظي بتدريب قليل فحسب، بل لم يتدرب قط، في الإدارة العامة. وكلا الجانبين تعود على العمل من أعلى إلى أسفل وبنظم سلطوية في الإدارة، مع مجال قليل للاستشارة أو المساءلة من قبل الجمهور العام.
مع هذا الإرث المؤسساتي، اضطرت السلطة الفلسطينية إلى استيعاب عدد كبير من موظفي الإدارة المدنية السابقة وكادر منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الحالة الأولى كان ذلك بطلب من إسرائيل أدرج في اتفاقية القاهرة عام 1994، استوجب على السلطة الفلسطينية أن تحتفظ بجميع موظفي الإدارة المدنية. وفي الحالة الثانية كان ذلك بسبب الحاجة السياسية لتلبية توقعات الأفراد العائدين مع منظمة التحرير الفلسطينية والذين شعروا أنهم مؤهلين للتمتع بالأمن الوظيفي والمكانة بعد سنوات من الصعاب والتضحيات. و يقدر أن 85% من الكادر الأمني والمدني على ملاك السلطة الفلسطينية والبالغ 75 ألفاً مع نهاية عام 1996، يعتبرون من ارث الإدارة المدنية ومنظمة التحرير الفلسطينية، أو ما يقارب 65% من العاملين في القطاع العام في نهاية عام 1998 والبالغين ما يزيد عن 100.000 . إن هذا الرقم يمثل 15% من مجموع القوة العاملة، أو ربع القوة العاملة النشطة، ولكن بإضافة موظفي الحكم المحلي و الموظفين في المشاريع الممولة من المانحين يصل الرقم الكلي إلى 125.000. وباستخدام التوظيف في القطاع العام كوسيلة لتخفيف البطالة، فإن النتيجة الكلية هي تضخم خطير في الوظائف وترهل مؤسساتي وخدمات عامة متدنية النوعية، وانخفاض في نسبة الفعالية مقابل الكلفة.

كشف المؤسسات
إن الإدارة العامة، كما حددت أعلاه، تشمل عدداً كبيراً من المؤسسات العملياتية. والأكثر أهمية في هذا السياق هو المؤسسات التي تمارس الوظائف والتأثيرات في مختلف أنحاء السلطة الفلسطينية. وتشمل هذه المؤسسات وزارة التخطيط والتعاون الدولي، وزارة المالية، ديوان الموظفين العام، هيئة الرقابة العامة، المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار، دائرة الإحصاء المركزية الفلسطينية، ووزارة الحكم المحلي. وعلى الرغم من كون مكتب مجلس الوزراء ليس مؤسسة عملياتية، إلا أنه يمكن أن يلعب دوراً متنامياً ومفيداً في تنسيق إصلاح القطاع العام وعمل الحكومة بشكل عام.

4) الإدارة العامة
الإنجازات
منذ تدشينها عام 1994 نجحت السلطة الفلسطينية في استلام وتشغيل الإدارة المدنية الإسرائيلية. وبهذا تكون قد عمدت إلى توسيع وتنويع وتحديث كبير لبنية وقدرات ومهام الدوائر والشعب المختلفة. وينطبق الأمر ذاته على الخدمات التي تقدمها السلطة، وخاصة أن المنطقة الواقعة تحت ولايتها المدنية قد زادت في نفس الفترة لتشمل 95% من السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، باستثناء سكان شرقي القدس. وهذا تطلب استحداثاً كبيراً للمؤسسات، حيث أن هيئات جديدة قد أقيمت لمعالجة حاجات ومسؤوليات أوسع بكثير من السابق. وكان أهم هذه المؤسسات تلك التي ذكرت أعلاه، ولكن من الأمثلة الأخرى عليها سلطة البيئة الفلسطينية، سلطة المناطق الصناعية الفلسطينية، سلطة المياه، وسلطة الطاقة.
وفي الوقت ذاته، استوعبت السلطة الفلسطينية منظمات غير حكومية كبرى كانت تعمل في السابق خارج إطار الإدارة المدنية الإسرائيلية، مثل مجالس التعليم العالي والإسكان والصحة. فقد تم استيعاب بعض هذه المنظمات تماماً في بنى الوزارات الفلسطينية ذات الصلة، في حين حصلت منظمات أخرى على وضع شبه غير حكومي وتقوم بالتنسيق مع منظمات نظيرة لها في السلطة الفلسطينية ومع منظمات أخرى غير حكومية والأسرة الدولية المانحة. وعلاوة على ذلك، فإن السلطة الفلسطينية أقامت عدداً إضافيا من المنظمات شبه غير الحكومية للقيام بمهام جديدة بشكل تعاوني مماثل، مثل مركز أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطينية والأكاديمية العليا للبحث العلمي والمجلس الطبي وغيرها.
وبابتدائها بتعريف أولي غير مكتمل للبنى والمهام التنظيمية ، قامت السلطة بمبادرات معينة لإصلاح وعقلنة إدارتها العامة. وقد لعبت الأسرة الدولية المانحة دوراً كبيراً في هذا الصدد، حيث تقوم "مجموعة العمل القطاعي للبناء المؤسساتي" التابعة لها بالتنسيق مع نظيرتها "مجموعة العمل في الإدارة العامة" داخل السلطة الفلسطينية. وتتمثل في مجموعة العمل ست مؤسسات رئيسية للسلطة الفلسطينية (وزارة التخطيط والتعاون الدولي، وزارة المالية، هيئة الرقابة العامة، مكتب مجلس الوزراء، والمركز الوطني للإدارة العامة). وفي آب/ أغسطس 1997 قدم هذا الفريق استراتيجيته الأولى للتنمية القطاعية كمساهمة في خطة التنمية الفلسطينية لعام 1998 - 2000.
وقد تزايد النشاط في هذا المجال مع إيجاد وحدة تطوير الإدارة العامة، ومع قرار الرئيس عرفات في حزيران/ يونيه 1998 بتشكيل اللجنة الوزارية لإصلاح القطاع العام. ويفترض أن تقوم وحدة تطوير الإدارة العامة بتقديم مساهمتها السنوية إلى خطة التنمية الفلسطينية من خلال اللجنة الوزارية.

التحديات
إن إنشاء إدارة عامة متنوعة وواسعة بين عشية وضحاها ومن نقطة بداية متواضعة عام 1994، قد أدى إلى عدة مشاكل يبرز الكثير منها لدى كل المؤسسات الحكومية في أي مكان في العالم. والأكثر وضوحاً بهذا الصدد هو الازدواجية البارزة في المؤسسات والمهام والتشرذم الناجم عن ذلك في الإدارة العامة ككل. وهذا يعود جزئياً إلى أن الحاجة الفورية إلى بناء مؤسسات عملياتية، تستطيع الاستمرار أو البدء بتقديم الخدمات، لدى تدشين السلطة الفلسطينية، قد أدت إلى أن بعض هذه المؤسسات قد بني حول أفراد، الأمر الذي أدى إلى تشابك وتكرار الوظائف.
لقد أحرز الكثير من الوزارات والهيئات تقدماً كبيراً منذ تولي السلطة الفلسطينية لمسؤولياتها، ولكن المنافسات الشخصية والبيروقراطية معاً شجعت على اختلاق الأعمال والمهام من أجل تبرير استمرار وجود مؤسسات أو دوائر معينة وجلب الموارد إليها. إن إنشاء كل مؤسسة من المؤسسات الجديدة قد أوجد حاجة إضافية إلى المكاتب والسيارات وأجهزة الحاسوب ونظم الاتصالات والمعدات الأخرى، الأمر الذي زاد من التكلفة الكلية على حساب الميزانيات العملياتية، وهي ميزانيات صغيرة بالأساس.
إن السلطة التنفيذية للسلطة الفلسطينية غير معتادة، على وجه العموم، على الإدارة العامة. ولهذا، فإنها لا تدرك غالبا أهمية الوضوح والتمييز، ومن ثم التنسيق، فيما بين المؤسسات العامة. إن وضع القوانين على الورق لا يضمن أن يعرف المسؤولون والموظفون الحكوميون وعاملوا القطاع الحكومي هذه القوانين أو كيفية تطبيقها.
ونتيجة لذلك، فإن تحديد المهام وتوزيع المسؤوليات يبقى غير واضح في بعض الحالات. إن العلاقة بين وزارة الداخلية ووزارة الحكم المحلي والبلديات تقدم مثالاً على حالة التشابك والارتباك المستمر . وبالإضافة إلى ذلك، فإن المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار (بكدار) والبلديات مسؤولة عن معظم مشاريع البنى التحتية العامة، ولكن وزارة الأشغال العامة التي لا وظيفة لها تقريبا لا تزال قائمة. يضاف إلى ذلك أن دائرة شؤون اللاجئين التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية تشرف على تنفيذ المشاريع في مخيمات اللاجئين بالنيابة عن "بكدار"، ولكنها ليست مسؤولة رسمياً أمام السلطة الفلسطينية.
وقد قامت بعض الدول المانحة، وبدون قصد، بمضاعفة المشكلة في بعض الحالات وذلك بتجاوز خطط التنمية القطاعية والتعامل مع مؤسسات السلطة الاجتماعية بشكل ثنائي. وهذا يعكس، جزئياً، الأجندة التنموية والسياسية الداخلية للمانحين. كما أنه ينجم جزئياً، أيضاً، عن المنافسة بين هؤلاء المانحين، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى ائتلافات متنافسة مع مؤسسات السلطة الفلسطينية النظيرة لها. ويعكس هذا أيضاً رغبة المانحين في تنفيذ الأعمال الموكلة إليهم، الأمر الذي يعني محاباة مؤسسات السلطة التي لديها إنجازات منظورة.
ولكن، تفضيل مؤسسات على أخرى لتلقي دعم المانحين قد أدى أحياناً إلى تنمية مؤسساتية مشوهة، وذلك بمحاباة مؤسسات يتزعمها أشخاص أقوياء سياسياً أو أكثر فعالية في ممارسة الضغوط. وفي حالات معينة، تم الانحراف عن الأولويات نتيجة حجب الموارد عن المؤسسات الضعيفة الأداء، رغم أنها قد تكون بحاجة أكبر إلى الاستثمار. ومن العواقب الأخرى غير المقصودة لهذا الوضع تشويه التنمية القطاعية أحياناً، لأن القطاعات التي تحظى بالمحاباة تتلقى نصيباً كبيراً غير متناسب من صناديق المانحين بالإضافة إلى المساعدة التقنية، في حين أن القطاعات الأخرى تحظى بتمويل ودعم دون المستوى المطلوب.
وعلى وجه العموم، فإن تكاثر المؤسسات يشير إلى غموض أهداف السياسة الفلسطينية، وغياب أو تضارب السياسات التنموية، وتضارب تفسير السياسات، وتنازع الصلاحيات، وغياب التخطيط. وهذا أدى إلى ازدواجية كبيرة انعكست في أداء مؤسسات مختلفة لمهام متماثلة وفي خلط التخصصات في المؤسسة الواحدة. كما أدى إلى تشويه البنية التنظيمية، حيث انعكس ذلك في عدم التوازن في الحجم والموارد بين الوزارات والهيئات المختلفة وبين المستويات الإدارية المختلفة في كل منها. وبالتالي، فإن بعضها أكبر من اللزوم وبعضها أصغر من اللزوم قياسا بالمهام الموكلة إليها وبالمستفيدين المقصودين.
إن الطبيعة المسيّسة جداً للتحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجهها السلطة الفلسطينية، إضافة إلى المشاكل الإنشائية التي تعاني منها الإدارة العامة الحديثة العهد، قد أدت إلى تركز واضح لعملية صنع القرار بأيدي الوزراء ورؤساء الهيئات، ناهيك عن ميل قوي نحو العلاقات الفوقية. وينبغي القول، إنصافا، أنه لا يجدر الحكم على السلطة الفلسطينية قياسا بمدى المشاركة الأوسع في الإدارة، وهي مشاركة تعجز عن تلبيتها كثير من الحكومات ذات السيادة ، أو تتصادم مباشرة مع الأنماط المحلية من ممارسة السلطة. ولكن العلاقات الفوقية المبالغ فيها قد أضعفت التشاور الداخلي حول الأولويات والسياسات.
لم تخف العلاقات الفوقية الانقسامات القائمة بين الداخل والخارج، أي بين "العائدين" وبين العاملين المحليين في الخدمة المدنية، والذين لديهم مفاهيم مؤسساتية مختلفة حول التشاور والانفتاح. والنتيجة العامة كانت إعاقة تحديد الأغراض والأهداف، وتقليص تدفق المعلومات داخل وبين المؤسسات العملياتية، وإحباط تقييم الأداء وتقديم الاقتراحات لمراجعة السياسات والإجراءات.
وهناك مشكلة موازية تكمن في ميل الوزراء ورؤساء الهيئات للالتفاف على الوكلاء والمدراء العامين ورؤساء الدوائر والمديرين الآخرين في المستويات الوسيطة. إن التدخل الانتقائي قد يكون ضرورياً وحتى فاعلاً عندما تكون المخططات الهيكلية غير مناسبة أو لا تزال تحت التطوير، أو عندما لا يتوفر الكادر ذو الخبرة الملائمة. ولكن هذا يؤدي إلى نزع الصلاحيات عن المدراء الوسيطين وإلى تقليل الاستفادة منهم، في الوقت الذي يترك فيه الموظفون الصغار في حالة ارتباك بشأن المهام التي من المفترض أن يؤدوها.
ومن العواقب الأخرى التشديد على الولاء الشخصي، والاتصال المزدوج والالتفاف على القنوات السليمة، والتنافس البيروقراطي، الأمر الذي يؤدي إلى تغييب الثقة وإحباط المعنويات في بعض الحالات. إن الخطوط الغامضة للمسؤولية والتفويض الضئيل للصلاحية قد قلص من الاستقلالية، في الوقت الذي أدى فيه إلى تجزيء سلبي للدوائر والشعب فاقم من ازدواجية المهام.
وهناك مشكلة أخرى ذات صلة ألا وهي ضعف تدفق المعلومات والمشاركة الضئيلة في الاطلاع عليها بسبب ضعف العلاقات الأفقية داخل وبين المؤسسات العملياتية. وكذلك، فإن البنية الإدارية الموروثة تعيق الاتصال الأفقي والمشاركة في المعلومات، في الوقت الذي تؤدي فيه الصعوبة البالغة للانتقال بين الضفة الغربية وقطاع غزة إلى مفاقمة مشكلتي التطور المؤسساتي المتباين وتدني الفعالية .
ولكن هذا لا يبرر جهل معظم مؤسسات السلطة الفلسطينية بخطط التنمية القطاعية، وخاصة غرض ونشاطات مجموعة العمل للإدارة العامة. كما أنه لا يفسر تدني حجم التداول في داخل مؤسسات السلطة الفلسطينية للدراسات والتقارير السابقة، بما في ذلك تلك التي أعدتها الأسرة الدولية المانحة، على الرغم من سهولة الحصول على أغلبها. وهذا يعود جزئياً إلى النظرة التي ترى في نظم الاتصالات مجرد معدات وليس تنظيما وعوامل بشرية. وكذلك يعود أحياناً إلى استخدام المعلومات، كالبيانات الإحصائية، كمصدر قوة يمنح أو يحجب، بناء على حالة العلاقات الشخصية أو البيروقراطية بين رؤساء المؤسسات المعنية.
إن شيوع الحوافز للتنافس في بناء المؤسسات وللحصول على الموارد، يشير إلى تركيز غير ملائم على المدخلات وعدم إيلاء اهتمام كاف للناتج. والمحصلة العامة ستكون تدني الإنتاجية ومن ثم تدني الفعالية وارتفاع كلفة الخدمات. إن تعقيد وغموض الإجراءات الحكومية يسهمان في هذا الوضع، وكذلك الافتقار إلى مؤشرات قياس الأداء. ويرتبط ما سبق بالنظرة السائدة لدى الموظفين الحكوميين في كثير من البلدان، ومفادها أن تبني مؤشرات قياس الأداء والإنتاجية سيؤدي بالضرورة إلى تقييم سلبي.
وفي الختام، فإن التحدي الأساسي الذي يواجه السلطة الفلسطينية في هذا السياق هو تحويل إدارتها العامة من مجموعة من الأجزاء المنفصلة وأحيانا المتنافسة إلى كل واحد متكامل. ويبدو أن هناك إقرارا متزايداً داخل السلطة الفلسطينية بهذه الحاجة، ولكن على الصعيد العملي، فإن كثيرا من الوزراء والمسؤولين المدنيين الكبار يولون الانشغال في السياق السياسي الآني الأولوية على حساب الانشغال في التطوير المؤسساتي الطويل الأجل. إن الإدراك أن الأسرة الدولية المانحة ستتحمل كلفة تطوير الإدارة العامة هو عامل تثبيط آخر للسلطة الفلسطينية عن القيام بالتزام سياسي جاد تجاه هذه الأولوية.
وبالتالي، فإن التقدم سيكون بطيئاً، حيث أن خطة الإدارة العامة لا تزال تفتقر إلى تفويض لا لبس فيه. وإن تشكيل اللجنة الوزارية لإصلاح القطاع العام قد أسهم إلى حد ما في معالجة هذه المشكلة على المستوى الشمولي، ولكن تبقى هناك هوة مستمرة في تعيين المسؤولية العملياتية على المستوى التفصيلي. ويضاف إلى ذلك أن وحدة تطوير الإدارة العامة المفترض إلحاقها بمكتب المجلس الوزاري لا تعمل، رغم التصريحات التي تؤكد مساهمتها في خطة التنمية الفلسطينية.

التوصيات

  1. ينبغي إصدار قوانين تأسيس تحدد الصلاحيات والمهام والوصف الوظيفي لجميع الوزارات والهيئات، ريثما يتم الإعلان عن القانون الأساسي أو أية وثيقة دستورية أخرى.
  2. ينبغي إجراء مراجعة عامة للإدارة العامة بغرض تبسيط بنيتها الشاملة وتقليص عدد الوزارات والهيئات بشكل عام.
  3. ينبغي تطبيق مجموعة الإصلاحات التي أوصت بها مجموعة الإدارة العامة في السلطة الفلسطينية، ودون تأخير.
  4. ينبغي تخويل مكتب مجلس الوزراء واللجنة الوزارية لإصلاح القطاع العام ووحدة التطوير الإداري الفلسطينية الإشراف على تنفيذ خطة تطوير مؤسساتية رسمية، مع المساعدة التقنية من قبل مجموعات متعددة القطاعات من الخبراء المستمدين من الوزارات والهيئات المعنية.
  5. ينبغي أن تكون اللوائح والقواعد والنظم الداخلية متاحة لاطلاع جميع موظفي القطاع العام، وينبغي تطبيقها دون اعتبار للروابط الشخصية والانتماء السياسي أو الاعتبارات التجارية.

5) الموظفون
الإنجازات
لقد عملت السلطة الفلسطينية بنجاح على إدراج كل سجلات الموظفين والشؤون المتصلة تحت هيئتين اثنتين، هما : ديوان الموظفين العام بالنسبة إلى العاملين المدنيين، ومديرية التنظيم والإدارة بالنسبة لأفراد الشرطة. كما وضعت السلطة الفلسطينية قانون الخدمة المدنية الجديد، والذي أحرز تقدما ملموسا في إرساء الخطوط الواضحة العقلانية لضبط عمليات التوظيف، والترقيات، والرواتب، وشروط الخدمة الأخرى. وإذا ما طبق هذا القانون بالشكل المناسب، فإن من شأنه أن يعزز اعتماد معايير ومقاييس الكفاءة والفاعلية عند التوظيف وفي تقرير العدد والتوزيع الوظائفي للعاملين داخل أية مؤسسة تابعة للسلطة الفلسطينية.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن السلطة الفلسطينية اتخذت خطوات لتحسين تنمية الموارد البشرية داخل الإدارة العامة. يعمل مجلس الوزراء ووزارة التخطيط والتعاون الدولي ووزارة المالية لتطوير برامج التدريب وبناء المؤسسات لمختلف قطاعات السلطة الفلسطينية. وفي الفترة الاخيرة، فإن المركز الوطني للإدارة العامة، والذي تشكل أصلاً بدعم من المانحين الدوليين داخل وزارة التخطيط والتعاون الدولي، قد تحول أخيرا إلى "مديرية تنمية الموارد البشرية" وألحق بديوان الموظفين العام. وقد أدت الجهود السابقة، المدعومة من قبل المانحين الدوليين، إلى التأسيس لمفاهيم تنمية الموارد البشرية مثل "وحدات تطوير التدريب" و "نقاط التركيز" في الوزارات. وهذه وفرت نشوء شبكة جنينية لتنمية الموارد البشرية في السلطة الفلسطينية.

التحديات
تعاني السلطة الفلسطينية من عدة نقائص خطيرة فيما يتعلق بالموظفين. وهذه لها أثر عكسي واضح على القدرة المؤسساتية الحالية والأداء، ولها آثار مترتبة على نوعية وفعالية الناتج وعلى توفير الخدمات في المستقبل.
ولعل أكبر المشاكل تكمن في الحجم الكلي للتوظيف في القطاع العام، والذي يعتقد أنه تجاوز 100.000 في عام 1998 أو 125.000 بحساب موظفي الحكم المحلي والعاملين في المشاريع الممولة من المانحين الذين لا يظهرون في سجلات ديوان الموظفين العام التابع للسلطة الفلسطينية. ولقد استمر التوسع في عدد الموظفين على الرغم من تعهدات السلطة الفلسطينية للأسرة الدولية المانحة بعكس ذلك. وهذا يعود جزئياً إلى الالتزام بوراثة كادر الإدارة المدنية السابقة ومنظمة التحرير الفلسطينية، ولكن كان بوسع السلطة الفلسطينية أن تتبنى بعض السياسات البديلة التي نوقشت من قبل أطراف مختلفة بهدف تشجيع الموظفين على التقاعد المبكر أو القبول بهبات تتيح الانطلاق بالعمل الحر والمشاريع المدرة للدخل. إن المستويات المرتفعة من البطالة، والتي تفاقمت بسبب إغلاقات الحدود والإجراءات الإسرائيلية الأخرى التي أثرت على سوق العمل الفلسطيني، هي سبب أخر لتوسع القطاع العام.
إن الاعتبارات السياسية الداخلية والقصور البيروقراطي هما أيضا المسؤولان، وعلى قدم المساواة، عن الزيادة غير المضبوطة وأحيانا العشوائية في عدد موظفي السلطة الفلسطينية. فتكاثر الوزارات وازدواجية المهام أديا إلى ممارسة ضغط متواصل لزيادة التوظيف. إن الأصول والقواعد الرسمية للتوظيف والترقية موجودة، ولكن لا يتم التقيد بها. وهكذا، فإن الممارسة الحقيقية تختلف من وزارة أو هيئة لأخرى.
ومما يبعث على القلق أيضا أن أنماط التوظيف والترقية كثيرا ما قد شوهتها الاعتبارات الشخصية والسياسية والعلاقات المميزة لبعض المسؤولين الكبار، مما يشكل انتهاكا لقانون الخدمة المدنية. وهذا يحدث على حساب معايير الكفاءة أو أي تعريف للمهام والحاجات المؤسساتية والقيود التي تفرضها الميزانية. ولقد أصبحت صلاحية التوظيف أو التعيين مصدراً واسع الانتشار لكسب النفوذ السياسي وشكلاً من الزبائنية العامة. ولقد استخدمت مؤسسات معينة في مثل هذه الحالات لاستيعاب الأعداد المتضخمة من الأفراد، الذين وضعوا على ملاكاتها. ويحصل هذا أحياناً بسبب الهوة في الرواتب ما بين الخدمة المدنية والشرطة. من الطبيعي أن تسير هذه الممارسات جنباً إلى جنب مع المتابعة والمراقبة الضعيفتين ومع غياب المساءلة.
إن غياب أو عدم اعتماد المعايير والإرشادات التوظيفية الواضحة التي تحدد حاجات المؤسسات العملياتية المعنية إلى العاملين قد ترك بعض الوزارات والهيئات متخمة بالموظفين، بينما ترك مؤسسات أخرى تفتقر إلى الموظفين من كفاءات ودرجات معينة. ويعتمد التوظيف إلى حد كبير على العلاقات السياسية وقوة الشخصية التي يتمتع بها رؤساء المؤسسات المعنية، وعلى درجة اهتمام المانحين الدوليين في تعزيز الممارسة الصحيحة في مؤسسات معينة. ولعل الأخطر من ذلك هو تضخم المستويات العليا والانكماش المتماثل في المستويات المتوسطة والدنيا، الأمر الذي يؤدي إلى إدارة عامة مثقلة من الأعلى. وهذا يعود، جزئياً، إلى أن السلطة الفلسطينية قد لبت توقعات الأفراد العائدين لمنظمة التحرير الفلسطينية بتحقيق مرتبة ومكانة تلائمان المنصب السابق وتعوضان عن الصعاب من خلال منح عدد غير متناسب من التعيينات الكبرى. وقد حدث هذا بغض النظر عن القابلية الوظيفية للأفراد المعنيين أو الحاجة الحقيقية والقدرة الاستيعابية لدى المؤسسات التي تعينوا فيها.
لقد أدت النماذج المذكورة أعلاه للتوظيف إلى منافسات بين موظفي الخدمة المدنية والعاملين الذين جاءوا بواسطة التعيين السياسي في المراتب العليا. وقد كانت المنافسات بوجه خاص بين وكلاء الوزارات والعدد الكبير من المديرين العامين والمديرين. إن الشعور العام بأن العوامل الشخصية والسياسية قد لعبت دوراً هاماً في التعيينات قد أدى إلى زيادة حدة الاستياء من توزيع المناصب والموارد والامتيازات المرافقة لها بين الموظفين المدنيين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة ، وكذلك بين أبناء "الداخل" و "العائدين" أو القادمين من "الخارج". وهذا يشير إلى عيوب في النظام الفلسطيني للإدارة والتوجهات السلبية في الثقافة المؤسساتية الناشئة.
ويعود الانحراف أيضاً إلى الاختلاف البارز في الرواتب. فالرواتب الأساسية لها معايير موحدة، ولكن العلاوات الوظيفية تزيد بما يعادل 10-235% من الراتب الأساسي، لتشكل حوالي 75% من مجموع الراتب. ولأن منح العلاوات كثيرا ما يخضع لموقف المسؤولين ولا يتبع نظاما ثابتاً يرتبط بأداء الوظيفة، فإنه يؤدي إلى معاملة تتصف بالمحاباة والتحيز بين الموظفين. وفي الحقيقة، فإن الكثيرين على ملاك السلطة الفلسطينية يعملون في النشاط السياسي، وليس لديهم مهام واضحة أو وصف وظيفي رسمي.
وفي الوقت ذاته، فإن السلطة الفلسطينية تقدم رواتباً بمستويات أدنى، على وجه العموم، مما هو في القطاع الخاص،
وهكذا، فإن حتى المراتب العليا ليست جذابة للأفراد ذوي الكفاءات المتقدمة. فمتوسط رواتب الخدمة المدنية يعادل 500 دولار شهرياً، علما أن الرواتب تتراوح ما بين 250-1500 دولار، وذلك في وضع اقتصادي يصل فيه معدل تكاليف المعيشة إلى 700 دولار شهريا. ولهذا، فإن الموظف المؤهل يميل لأن يكون على ملاك المشاريع الممولة من المانحين ولا يتوجه إلى القطاع العام، الأمر الذي يحرم السلطة الفلسطينية من الخبرات التراكمية لهؤلاء.
وهناك اعتراف متنام في داخل السلطة الفلسطينية بالحاجة إلى تنمية الموارد البشرية من أجل ضمان الفاعلية والتأثير في توصيل الخدمات. وبالمثل، هناك اهتمام متزايد بقيمة وأثر التدريب على دور وحاجات الخدمة المدنية. ولكن القدرة الذاتية على تحويل هذا الاعتراف إلى تغييرات فعلية في الممارسة والثقافة المؤسساتية مفقودة غالبا. يبدو أن برامج التدريب ليست موجهة جيداً أو أنه لا يتم اختيار المرشحين الملائمين وفق معايير واضحة ومناسبة.
لقد بذلت الأسرة الدولية المانحة من جهتها جهوداً متواصلة للمساعدة في التنمية البشرية، ولكن "برنامج المساعدة التقنية" لم يحقق النجاح الكافي. وهذا يعود جزئياً إلى غلبة المانحين في توجيه البرنامج وإلى عدم تحديد الغايات والوسائل بطرق تضمن تطبيقه لفترة متواصلة. وعلى العكس من ذلك، فإن هنالك ضرورة واضحة لتقوم السلطة الفلسطينية بالتخطيط لحاجاتها الخاصة بشكل أوسع وأكثر فعالية، وذلك لضبط وتحديد أولويات التدريب في قطاعات معينة.
وفي الختام، فإن التوسع غير المسيطر عليه في التوظيف العام يجعل السلطة تعتمد بشكل كبير جداً على مساعدة المانحين الدوليين، كما يجعلها تتأثر أكثر بتقلب العلاقات مع إسرائيل التي تسيطر على تحويلات الواردات إلى السلطة، تلك الواردات التي تشكل 40% من نفقات رواتب السلطة. والآثار المترتبة على ذلك خطيرة بشكل خاص فيما يتعلق باحتياجات صندوق التقاعد في المستقبل،والمتوقع له أن يبلغ 2 بليون دولار للخدمة المدنية الحالية. وإن ضم وكالة الغوث إلى ملاك السلطة في نهاية المطاف فإنه سيزيد عددا كبيرا من العاملين ومسؤولية مالية رئيسية جديدة. والمشكلة الأساسية تبقى مدى توفر الإرادة السياسية لدى الفرع التنفيذي في السلطة ولدى المساهمين الآخرين لاتخاذ قرار حاسم ومبكر.

التوصيات

  1. كل البنود الواردة في قانون الخدمة المدنية الجديدة، ما عدا المتعلقة بالرواتب، ينبغي أن تطبق فورا. كما ينبغي وضع هيكل وظيفي مركزي موحد للضفة الغربية وقطاع غزة.
  2. التوظيف في الخدمة المدنية ينبغي أن يتم ويصادق عليه من قبل المسؤولين المخولين والمؤسسات المعنية فحسب، وأن يخضع للتدقيق من هيئة مركزية ومستقلة ملائمة.
  3. ينبغي أن تدرج شؤون الموظفين في الخدمة المدنية تحت مسؤولية ديوان الموظفين العام.
  4. لا بد من تنفيذ برنامج يتم فيه مراجعة التوظيف في الوزارات الرئيسية، وأن يغطي ذلك عدد ومستوى الوظائف والمهارات والخبرات المتطلبة لملء هذه الوظائف.
  5. المركز الوطني للإدارة العامة، والمرتبط الآن بديوان الموظفين العام، والمسؤول عن تنمية الموارد البشرية في مختلف أنحاء الإدارة العامة، ينبغي أن تعاد إليه الحيوية مع تمكينه من التخطيط وتحديد الأولويات للاحتياجات التدريبية.
  6. ينبغي أن تدرج ميزانية الرواتب للخدمة المدنية تحت مسؤولية وزارة المالية فقط.
  7. ينبغي مراجعة وتقليص الهوة في سلم الرواتب بين الخدمة المدنية والشرطة.
  8. ينبغي التخطيط لتحقيق تكامل سلم الرواتب وشؤون الموظفين الأخرىحين يتم ضم وكالة الغوث في نهاية المطاف.

6) التخطيط
الإنجازات
مثل التخطيط أحد التحديات الكبرى التي واجهت السلطة الفلسطينية الحديثة العهد، وهو أيضا أحد إنجازاتها الكبرى حتى الآن. فالإدارة المدنية الإسرائيلية لم تورث قدرة حقيقية على التخطيط، علما أن الدائرة الاقتصادية لمنظمة التحرير الفلسطينية نشرت في أيلول/ سبتمبر 1993خطة التنمية الفلسطينية للفترة 1994-2000 ، وهي حصيلة جهد أربع سنوات. لقد تم تجاوز الخطة لاحقا، ولكنها مكنت منظمة التحرير الفلسطينية في حينه من تنسيق تقديرها للحاجات الاجتماعية والاقتصادية في المرحلة الانتقالية مع البنك الدولي، ومن تأمين زيادة في المساعدة التي تم التعهد بها من قبل المؤتمر الأول للمانحين الدوليين لتصل 2.4 بليون دولار للسنوات الخمس اللاحقة.
لقد فرض برنامج المساعدة الدولية حاجاته الخاصة. وفي البداية أقامت منظمة التحرير الفلسطينية المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والاعمار (بكدار) لتلقي وتنسيق المساعدة الدولية. ومنذ ذلك الحين أخذت وزارة التخطيط والتعاون الدولي تتقلد المسؤولية الشاملة عن تنسيق المساعدة والتخطيط في الضفة الغربية وقطاع غزة. وهي تتولى إما أمانة السر أو الرئاسة في كل مجموعات العمل القطاعية التي شكلت مع آليات التنسيق التابعة للأسرة الدولية المانحة. وتعتبر بكدار هي الوكالة الرئيسية لدى السلطة الفلسطينية التي تراقب تنفيذ المشاريع الممولة من قبل المانحين. وقد حققت بكدار سجلا جيدا في مجال الشفافية والمساءلة في هذا الدور.
لقد أظهرت وزارة التخطيط والتعاون الدولي، والسلطة الفلسطينية بشكل عام، قدرة متزايدة على التخطيط وعلى تحديد الأولويات. وقد أظهرت خطة التنمية الفلسطينية 1998-2000 تحسناً ملحوظا بالمقارنة مع الخطط السابقة، فيما يتعلق بالقدرة الذاتية على تشخيص الحاجات والتخطيط لها لمختلف قطاعات السلطة الفلسطينية. وقد حققت وزارة التخطيط والتعاون الدولي ملكية الفلسطينيين للعملية التخطيطية، وذلك بإعداد خطة التنمية الفلسطينية 2000-2004 دون مساعدة خارجية. كما عملت على صياغة خطة الاستثمار العامة الفلسطينية لتنسيق وتوجيه المساعدة الدولية وحفز الطاقة المحلية. وهذه تبقى ممولة من المانحين في الدرجة الأولى، ولكن تشتمل ميزانية السلطة الفلسطينية على مساهمة محلية متواضعة في الخطة ولأول مرة في عام 1999.
لقد أدرجت وزارة التخطيط والتعاون الدولي مفهوماً قطاعياً ضمن وصف مهامها، وشكلت وحدات قطاعية لتنسيق تحليل الاحتياجات وللتخطيط وتحديد الأولويات مع الوزارات والهيئات ذات الصلة في كل حالة. كما شكلت وحدة تخطيط شمولية تابعة لها. وكذلك، فقد بدأت وزارة التخطيط والتعاون الدولي بإعطاء اهتمام أكبر لبنية وحاجات الإدارة العامة.
وعلاوة على ذلك، فإنه مع الحصول على ولاية مدنية أوسع وسيطرة إقليمية أكبر، بدأت هيئات السلطة الفلسطينية العاملة على نطاق مناطقي أوسع، مثل سلطة المياه وسلطة الطاقة، بالتخطيط لحاجات الضفة الغربية وقطاع غزة ككل. وقد استفادت كل هذه الجهود من إسهام وزارات وهيئات أخرى في السلطة الفلسطينية، أبرزها وزارة المالية ودائرة الإحصاء المركزية الفلسطينية. وهذه الأخيرة حازت على سمعة حسنة بفضل نوعية المعلومات التي تجمعها، وقد ملأت الثغرة الواسعة التي خلفتها الإدارة المدنية الإسرائيلية في مجال البيانات الديمغرافية والاجتماعية والاقتصادية الشاملة والتي يسهل الحصول عليها.

التحديات
لقد حصل تقدم مستمر في التخطيط الفلسطيني منذ عام 1994، ولكن من الضروري تحسينه في بعض الجوانب الرئيسية. فأولاً وقبل كل شيء، هناك حاجة لرؤية شمولية سواء للأهداف الاقتصادية والاجتماعية الوطنية أو للشكل والحجم المرغوب بهما للإدارة العامة. إن التصريح بالالتزام بمبادئ السوق الحرة والديمقراطية والحكم الصالح، كما جاء في البيانات الرسمية للسلطة الفلسطينية أو في مقدمة خطة التنمية الفلسطينية، يستحق الثناء، ولكنه لا يكفي بحد ذاته لتحديد الأهداف الوسيطة أو الاستراتيجيات والآليات المناسبة. غير أن تحديد الرؤية الشمولية يتطلب المصادقة والقيادة السياسية. وهكذا، فإنه يترتب على مجلس الوزراء والمجلس التشريعي أن يدخلا في نقاش مستمر مع وزارة التخطيط والتعاون الدولي وأن لا يبخلا بالإشراف والمراجعة.
وعلاوة على ذلك، فإن الرؤية الشمولية تتطلب تطوير المزيد من القدرة التحليلية الاقتصادية الشمولية، على الرغم من إحراز بعض التقدم في وزارة التخطيط والتعاون الدولي بهذا الصدد. ولعل زيادة الوضوح والانضباط سوف تتحقق مع نمو المدخل الفلسطيني المحلي في خطة الاستثمار العام الفلسطينية، ولهذا يجب أن يبقى هدفاً واضحاً. إن خطة التنمية الفلسطينية لا بد وأن ترتبط بخطة إنفاق سنوية يجري تحديثها باستمرار. بل وينبغي أن يكون التشديد على التخطيط، كقدرة وعملية متواصلة، أكثر من أن يكون على الخطة ذاتها كنتيجة ثابتة. وهذا بدوره يتطلب تطوير قدرات تخطيطية أكبر داخل الوزارات والهيئات.
ويتطلب تحديد الأولويات تشديداً أكثر انتظاما على التخطيط القطاعي. وقد أحرزت وزارة التخطيط والتعاون الدولي تقدماً كبيراً فيما يتعلق بنمط عملها الداخلي بهذا الصدد، ولكن تبقى هناك حاجة إلى إيجاد مجموعات عمل لكل قطاع تتألف من الوحدات القطاعية ذات الصلة في وزارة التخطيط والتعاون الدولي ووزارة المالية والوزارات والهيئات المعنية مباشرة. وهناك حاجة لتحديد الأدوار والمسؤوليات في توفير البنية التحتية العامة بشكل أكثر وضوحاً، وذلك من أجل ضمان تقسيم أكثر فعالية للعمل بين الوزارات والهيئات الرئيسية، والسلطات الإقليمية، والبلديات.
لقد شكلت السلطة الفلسطينية مجموعات عمل مؤلفة من ممثلي الوزارات والهيئات ذات الصلة في بعض القطاعات، ولكنها تفتقر حتى الآن إلى التفويض ولا تشكل بديلاً عن وحدات التخطيط والتنسيق المتعددة الأطراف في كل قطاع. وعلاوة على ذلك، فإن التنسيق الضعيف بين الجناحين المنفصلين لوزارة التخطيط والتعاون الدولي في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة يمكن أن ينعكس سلباً على تكامل مجموعات العمل القطاعية إذا لم تتم معالجته.
يتطلب تحسين المفهوم القطاعي بدوره تحسينات في القدرة على تحليل البيانات الإحصائية، ونظاماً أكثر فعالية لتنظيم تدفق المعلومات بينالوزارات والهيئات، وتكاملاً أكثر فعالية، عموديا وأفقيا على حد سواء، للحاجات والمهام داخل كل قطاع. وكمثال على ذلك، فإن وزارة التخطيط والتعاون الدولي ودائرة الإحصاء المركزية الفلسطينية والمركز الجغرافي الفلسطيني، وبعض السلطات الإقليمية وهيئات المنافع العامة والبلديات، تقوم بتطوير نظم معلومات جغرافية مستقلة عن بعضها البعض حسب مواصفات متباينة.
لا تزال المساعدة الدولية هي المصدر الأساسي لتمويل مشاريع البنية التحتية الفلسطينية في القطاعات المختلفة. وعلى المانحين الدوليين أيضا ممارسة انضباط أشد في تحويل إجراءات الموافقة على المشاريع وتمويلها من خلال آليات التنسيق المركزية مع وزارة التخطيط والتعاون الدولي. إن البنية التنسيقية لا تزال تلعب دورا حيويا، ولكنها باتت معقدة بالنسبة للحاجة الحالية ولا بد من تبسيطها. ومن جهتها، تعاني وزارة التخطيط والتعاون الدولي من ازدواجية في المهام إذ تشمل العلاقة الدولية، وينبغي أن تستعد لتحويل بعض وظائفها إلى وزارة مستحدثة للشؤون الخارجية في نهاية المطاف.
إن قيام وزارة التخطيط والتعاون الدولي بتحديد الأولويات هو أمر هام أيضاً لأن قسطا متزايدا من المساعدة الدولية هو الآن بشكل قروض وضمانات أكثر من كونه هبات، ولهذا يتوجب على السلطة الفلسطينية أن تأخذ بعين الاعتبار آثار الديون ومتطلبات خدمة الديون في المستقبل. وهذا يؤكد من جانبه على أهمية ضمان تكامل وتزامن أوثق بين عمليات التخطيط ووضع الميزانية من قبل وزارتي التخطيط والتعاون الدولي والمالية. ولا بد وأن تشترك هاتان الوزارتان في نظام موحد ينبغي أن تضعه السلطة الفلسطينية لتعقب تدفقات رأس المال الخارجية والالتزامات المترتبة عليها.
وفي الختام، فإن افتقار السلطة الفلسطينية إلى السيطرة على الأدوات الاقتصادية والحدود ينطبق أيضاً على كثير من الدول ذات السيادة، فلا يلغي الحاجة إلى التخطيط، وتحديد الأدوار المؤسساتية، وزيادة الفاعلية والتأثير في استخدام الموارد المتاحة. وهذا يكتسب إلحاحا خاصاً على ضوء التزايد الضخم المتوقع في حاجات قطاعات المواصلات والمياه والخدمات الاجتماعية (الصحة والتعليم) خلال 10-15 سنة قادمة، وعلى ضوء أنه في نهاية المطاف ستتسلم السلطة الفلسطينية أو من يخلفها المسؤوليات التي تتحملها الآن وكالة الغوث الدولية.

التوصيات

  1. هناك حاجة لهيئة تخطيط فلسطينية واحدة، (وهذا دور تقوم به حاليا وزارة التخطيط والتعاون الدولي) بحيث تتمتع هذه الهيئة بتفويض لا منازع عليه في عملية التخطيط. ولكي تقوم بدورها على أكمل وجه، ينبغي أن تحظى هذه الهيئة بدعم سياسي من مجلس الوزراء والمجلس التشريعي.
  2. ينبغي أن تقود وزارة التخطيط والتعاون الدولي مجموعات عمل قطاعية تمثل "التكتلات" المعنية من الوزارات والهيئات.
  3. ينبغي لمجموعات العمل القطاعية أن تحدد أولويات المشاريع وأن تصيغ أيضا أهدافا واستراتيجيات قطاعية واقعية.
  4. ينبغي التأكيد على كون وزارة التخطيط والتعاون الدولي هي حلقة الوصل لكل الوزارات والهيئات التي تتقدم بطلبات المساعدة الدولية.
  5. ينبغي أن يتم توضيح تقسيم المسؤوليات ما بين وزارة التخطيط والتعاون الدولي ووزارة المالية فيما يتعلق بإدارة الإنفاق العام.
  6. ينبغي تطبيق خطة التنمية الفلسطينية كخطة إنفاق سنوية يتم تحديثها باستمرار. وعلى كل وزارة أن تطور خطة متواصلة لمدة خمس سنوات، تحدد حاجاتها وأولوياتها واستراتيجياتها ونفقاتها.
  7. ينبغي أن يعير التخطيط اهتماما خاصا للزيادات المتوقعة في الطلب على الخدمات والبنية التحتية العامة نتيجة للنمو السكاني وللتطور الاجتماعي والاقتصادي وللتكنولوجيا وأنماط التجارة المتغيرة في الأسواق العالمية.
  8. ينبغي تحسين المشاركة والتشاور والتنسيق فيما يتعلق بأنظمة وموارد التكنولوجيا المعلوماتية في مختلف جهات الإدارة العامة.
  9. ينبغي تحقيق توحيد وتكامل فرعي وزارة التخطيط والتعاون الدولي المنفصلين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

7) المالية العامة
السياق
لقد تقلدت السلطة الفلسطينية المسؤولية عن المالية العامة لدى تأسيسها عام 1994. والمصادر الأساسية لواردات السلطة هي الضرائب والرسوم الأخرى المفروضة في الضفة الغربية وقطاع غزة والواردات التي تحول إلى السلطة من إسرائيل حسب اتفاقية العلاقات الاقتصادية (بروتوكول باريس) عام 1994. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الأسرة الدولية المانحة صرفت 2.5 بليون دولار من المساعدة (1994-1998 ) ومعظمها للاستثمار العام والبناء المؤسساتي. والسلطة الفلسطينية لم تتلق هذه المساعدة مباشرة ولم تتصرف بها باستثناء 212 مليون دولار وصلت كدعم للميزانية و 35 مليون دولار لمشاريع خلق الوظائف من خلال "صندوق هولست".
كانت هذه إجراءات طارئة فرضتها إغلاقات الحدود. ورغم ذلك، فإن السلطة الفلسطينية لا توفر كل الخدمات الاجتماعية الأساسية، بل تقوم وكالة الغوث ومنظمات غير حكومية مختلفة بتوفير جزء منها، وغالبا بتمويل من الخارج.
إن المشاكل البنيوية الرئيسية التي تعترض المالية العامة للسلطة الفلسطينية هي اعتمادها الكبير على تحويل إسرائيل للواردات إليها وضعفها أمام عوامل "خارجية" غير مؤاتية. فهناك أساسا الإغلاقات الإسرائيلية للحدود، والسوق المحلية الصغيرة، ونسبة النمو السكاني المرتفعة التي تصل إلى 3.5-4% سنوياً. فقد أدى مثلا حصاران إسرائيليان شديدان وكاملان على حركة البضائع والعمال إلى تباطؤ النمو الحقيقي لإجمالي الناتج بنسبة 2% عام 1997. كما أن تهريب البضائع المستوردة من قبل إسرائيل إلى الأسواق الفلسطينية يعني خسارة إضافية للدخل من الرسوم الجمركية التي تعود إلى السلطة الفلسطينية.
في مواجهة هذه التحديات اضطرت السلطة الفلسطينية إلى بذل جهد كبير لتطوير القدرة المؤسساتية في مجال المالية العامة. وهذا ينطبق على جمع الضرائب، إعداد الميزانية، التدقيق، وصياغة الأطر التنظيمية والقانونية. إن صندوق النقد الدولي هو النظير الخارجي الأساسي والوكالة المراقبة ومصدر التدريب والمساعدة التقنية في هذا المجال.
ترتب على السلطة الفلسطينية أن تبني وزارتها الجديدة للمالية من الصفر تقريبا. وبقيامها بذلك ورثت السلطة الفلسطينية إرثا مختلطاً. فمن جهة، استوعبت الموظفين والإجراءات العملية والقواعد المالية للإدارة المدنية الإسرائيلية. ومن جهة أخرى، أخذت موظفيها الكبار وكثيراً من ثقافتها المؤسساتية من الصندوق القومي الفلسطيني لمنظمة التحرير الفلسطينية والإدارة المالية لحركة فتح. ولم يكن لأية جهة منهما خبرة في إعداد الميزانية العامة ولا في إخضاعها للنقاش والمراجعة من قبل الهيئات العامة. فالحكم العسكري والإدارة المدنية أشرفا على ميزانية جارية حتى عام 1994 لم تطرأ عليها زيادة منذ عام 1967، ودون حصة هامة للاستثمار العام. وأخيرا ورثت السلطة الفلسطينية أيضاً جمهوراً فلسطينياً لا يثق مطلقا بنظام الضرائب المطبق في ظل الاحتلال الإسرائيلي، ومعتادا على عدم كشف الدخل الكامل وعلى اعتبار أن التهرب من الضريبة واجبا وطنيا.
إن الممارسات المالية قد تطورت على ضوء كثير من الضغوط السياسية الداخلية والخارجية، التي تعرض لها مجلس وزراء السلطة الفلسطينية. وقد تأثرت هذه العملية بحقيقة أن المجلس التشريعي ما زال في طور التعلم في مجال مناقشة شؤون المالية والميزانية. ويعتبر تعدد المصادر القانونية عامل تعقيد إضافي، علما أن هنالك تقاطعا كافيا للقيام بإعداد ميزانية عامة سليمة ومتفق عليها لتطبيق إجراءات إدارية وتنظيمية في مختلف جهات السلطة الفلسطينية.

كشف المؤسسات
مؤسسات السلطة الفلسطينية التي تتعامل مع المالية العامة هي وزارة المالية وسلطة النقد الفلسطينية وهيئة الرقابة العامة، التي تقوم بالتدقيق الخارجي. يشترك ديوان الموظفين العام جزئياً في هذه العملية من حيث دفعه الرواتب لموظفي السلطة الفلسطينية في قطاع غزة وإدارته التوظيف المدني لدى السلطة الفلسطينية عموما. وتتأثر الواردات والمصاريف العامة عمليا بمؤسستين إضافيتين: إحداهما الاحتكارات العامة وشبه الاحتكارات للاستيراد التي تدر عوائد لا تدخل حسابات وزارة المالية والتي يسيطر عليها مكتب الرئيس بدلا من ذلك. والثاني مكتب الرئيس ذاته، الذي صرف 6-12% من الميزانية العامة في السنوات المتعاقبة، دون تدقيق، بالإضافة إلى الواردات غير المرئية التي يتصرف بها.

الإنجازات
إن الإنجاز الأكبر لوزارة المالية منذ عام 1994 كان الزيادة في جمع الواردات. وقد بلغت هذه الزيادة ثلاثة أضعاف ووصلت إلى 25% من إجمالي الناتج المحلي في عام 1998، الأمر الذي أتاح توسعاً ضرورياً ومتوقعاً في التوظيف العام عندما تولت السلطة الفلسطينية مسؤولية أكبر في توفير الخدمات الاجتماعية في الضفة الغربية وقطاع غزة . تمكنت السلطة الفلسطينية من الإبقاء على المصاريف المتكررة ضمن السقف الذي وضعته وزارة المالية ومن ضبط العجز المتكرر حتى عام 1998، عندما حصلت زيادة غير متوقعة في الجانبين، بل وحصل ارتفاع بسيط في الواردات على الرغم من إصابة الاقتصاد بالكساد في عام 1997، مما أدى إلى فائض في عام 1998 أتاح للسلطة الفلسطينية بالتعهد بإسهام متواضع بخطة الاستثمار العامة لعام 1999.
ولقد لعب التحسن الذي طرأ على الإدارة الضريبية دوراً ملموسا في هذا النجاح. ونتج هذا عن التطبيق المبكر لبرنامج تسوية المتأخرات الضريبية، والشروط التنفيذية المحسنة، وتوفر الكادر المؤهل، وإدراج الحاسوب في نظام الإدارة، وتسجيل أكثر فعالية لدافعي الضرائب. بفضل التدريب والتعامل الإيجابي مع دافعي الضرائب، زادت وزارة المالية من الالتزام بدفع الضريبة حتى بلغت نسبة 70%. وعلاوة على ذلك، فقد شغلت السلطة الفلسطينية نظام الفاتورة الموحدة ونظام تصريف فعال للواردات مع إسرائيل منذ البداية. وفي الآونة الأخيرة زاد التحول من الاستيراد غير المباشر إلى الاستيراد المباشر عن طريق إسرائيل من واردات السلطة الفلسطينية من الجمارك والرسوم المفروضة على البضائع المتوجهة إلى الأسواق الفلسطينية.
وكذلك، عمدت وزارة المالية إلى صياغة أو تعديل عدد من الآليات التنظيمية والقانونية. وشمل ذلك تحسين إعداد الميزانية وتطوير النظام الحكومي للمعلومات والإدارة المالية الذي يضع مخططاً موحدا للحسابات لاستخدامه في العمليات المالية للمؤسسات، وإدخال نظام متكامل لمعالجة الواردات، وكذلك أعمال التدقيق الداخلي. وقد أصبحت وظائف وضع الميزانية والتدقيق لوزارة المالية تعمل بشكل تام، موفرة إطارا إجرائيا وتنظيميا قابلاً للتطبيق في جميع المؤسسات العملياتية التابعة للسلطة الفلسطينية جميعها.
تمت الموافقة على قانون الموازنة العامة في منتصف عام 1998. وفي تشرين ثاني/نوفمبر دخل إلى حيز التنفيذ قانون جديد للوازم ووضع شروطا رسمية ومعايير جديدة. ومن المفترض أن يضمن قانون الخدمة المدنية الذي صدر في وقت مبكر من ذلك العام نقل السيطرة على الرواتب إلى وزارة المالية، وأن يوفر انضباطا أعلى في التوظيف في القطاع العام. وقد عملت وزارة المالية على تعديل قانون الاستثمار وقانون ضريبة الدخل وقانون الشركات وغيرها من القوانين الضرورية للسوق الحرة. ومن المتوقع أن يعمل قانون سلطة النقد الفلسطينية الذي أقر عام 1997، وقانون البنوك الجديد، على تنظيم ومراقبة المصارف.

التحديات
في الوقت الذي أحرزت فيه مؤسسات السلطة الفلسطينية ذات العلاقة تقدماً بارزاً في جباية الواردات، فإن أداءها في إدارة الإنفاق كشف عن مدى الحاجة إلى التحسن. وجميع هذه المؤسسات لا زالت بحاجة إلى معدات وتدريب، وتوفير بيئات تنظيمية رسمية تحدد صلاحيتها وتخولها. وهذا يمتد ليشمل وضع الميزانية وإجراء الحسابات والقيام بالتدقيق، وله آثار على القدرة على التنبؤ ومواجهة الاعباء المالية المستقبلية.
وهناك حاجة كبيرة في الأجل المتوسط إلى ميزانية شاملة ومتكاملة ضمن الإطار الاقتصادي الشمولي وإطار الإنفاق العام. وقد حققت وزارة المالية تقدما في تطوير الأساليب المنهجية لإجراء التخصيصات المفصلة في الميزانية ولإجراءات المحاسبة، ولكن لم تطبق جميع الوزارات هذه الأمور حتى الآن.
وفي نيسان/إبريل 1999 قدمت وزارة المالية ولأول مرة كشفا عاما للمجلس التشريعي يشمل كل الواردات، وخاصة المساعدة الدولية والدخل المتأتي من الاحتكارات العامة، وكافة المصاريف، بما في ذلك كل الاستثمار العام. ولكن بقي ذلك بياناً مالياً سنوياً أكثر منه خطة، وظل يفتقر إلى التفصيل والتحديد لجميع الأهداف وبنود الإنفاق. ولقد أخفقت السلطة التنفيذية منذ ذلك الحين في تقديم ميزانية رسمية إلى المجلس التشريعي، والتي حان موعد تسليمها في تشرين الثاني/ نوفمبر 1998.
هناك حاجة ملحة لدمج كل الحسابات تحت إشراف وزارة المالية، وأن تتلقى الوزارة كافة الواردات العامة. وهذا ينطبق بشكل خاص على احتكارات الاستيراد وشبه الاحتكارات والمشاريع الأخرى التي تدار من قبل السلطة الفلسطينية أو لصالحها. وقد قدر صندوق النقد الدولي الدخل الذي تم تحويله إلى خارج حساب وزارة المالية في عام 1997 بأنه يمثل 25% من مجموع الواردات العامة. وتحويل هذه الواردات إلى حسابات خارج سيطرة وزارة المالية جعلها تواجه مشكلة سيولة، مما اضطرها إلى الاقتراض محليا ومراكمة المتأخرات. وفي نهاية 1988 وصل الدين الداخلي إلى 93 مليون دولار والمتأخرات إلى 79 مليون دولار.
إن الوضع المتعلق بالاحتكارات يوضح الحاجة إلى الشفافية والمساءلة والتشريع لضمان المنافسة. والسلطة الفلسطينية تشعر بالحاجة إلى تأمين قاعدة وارداتها نظرا إلى التأخيرات الماضية وتعليق تحويل الواردات إليها من قبل إسرائيل. وهي ترى الحاجة كذلك إلى توفير رأس مال للمشاريع وفتح الطريق أمام الاستثمار الخاص في سوق تشكو من القلق السياسي والتدني في نسبة المردود الاقتصادي. ولكن هذا ينبغي أن لا يمنع السلطة الفلسطينية من الإيفاء بالتزامها الرسمي عام 1996 بتشكيل مجالس إدارة للاحتكارات وجعل وارداتها تحت سيطرة وزارة المالية، حتى وإن امتنعت عن الإيفاء بوعد خصخصتها.
وهناك حاجة ملحة مماثلة لتطبيق أنظمة وقواعد لدى مختلف جهات السلطة الفلسطينية فيما يتعلق بالإدارة المالية السليمة. إن النظام الحكومي للمعلومات وللإدارة المالية لم يطبق بعد، والتقدم ظل بطيئاً في تطبيق قانون الميزانية الأساسي. وبالمثل، فإن عملية توحيد سياسات الجمارك والإنفاق بين الضفة الغربية وقطاع غزة قد تمت المصادقة عليها ولكن ذلك بقي دون تنفيذ. والممارسة المتعلقة بالمنافسة على العقود والعطاءات تختلف بشكل واسع من وزارة أو هيئة لأخرى. وذات الشيء ينطبق على وضع الميزانيات والتدقيق، حيث أن الممارسة في السلطة الفلسطينية متقلبة وغير ثابتة.
وعلى صلة أخرى بما سبق، فإن آليات تشجيع موظفي الخدمة المدنية على كشف سوء استخدام الامتياز المالي غير موجودة، وليس هناك من آليات لحمايتهم في حالة الكشف عن ذلك أو اعتراضهم على تعليمات غير قانونية. وصناديق التقاعد تم استخدامها لأغراض أخرى دون محاسبة سليمة، ودون تأمين الحاجة المستقبلية بطرق بديلة. وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي على وزارة المالية أن تصيغ نظام عقوبات رسمي للتعاطي مع التجاوزات، بدلا من الوضع الحالي، حيث يتم التصرف فقط بعد وقوع المخالفة.
وفي الحقيقة، فإن الحاجة إلى تحسين المساءلة شاملة. فوزارة المالية ليست لها سيطرة على تطبيق القواعد والنظم المركزية من قبل الوزارات والهيئات. ودائرة المراقبة الداخلية التابعة لها تغطي الخدمة المدنية في الضفة الغربية فقط. والوزارات والهيئات لديها على وجه العموم بعض المقدرة على المراقبة الداخلية، ولكن ليس هناك من تدفق منتظم للمعلومات إلى هيئة المراقبة الخارجية للسلطة الفلسطينية، أي هيئة الرقابة العامة.
وهذه الهيئة لديها مهمة واسعة أكثر من اللازم حاليا، ولكنها في الوقت ذاته غير مخولة بإجراء التدقيق حسب مواعيد منتظمة أو لنشر النتائج التي تتوصل إليها. فهي تستجيب مباشرة للرئيس، الذي يقرر إذا كانت ستتم عملية التدقيق ومتى. وهذه الهيئة غير مسؤولة عن تدقيق الشرطة، التي تدقق فقط من قبل دائرة التدقيق الداخلي التابعة لوزارة المالية. ومكتب الرئيس لا يخضع للتدقيق على الإطلاق. وينبغي على هيئة الرقابة العامة الحصول على وضع مستقل وأن تخضع للمساءلة أمام المجلس التشريعي.
وبغية تحقيق إدارة مالية أفضل، لا بد وأن يتم نقل السيطرة على رواتب القطاع العام وبشكل كامل إلى وزارة المالية. ولا بد لهذه الوزارة من ممارسة مراقبة فعالة على التوظيف، الأمر الذي يؤدي إلى كبح جماح التوسع العشوائي للقطاع العام والذي يفرض مشاكل كبيرة على الاستقرار المالي المستقبلي، وخاصة لجهة توفير صناديق تقاعد كافية. إن تضخم عدد الموظفين يؤثر سلباً على معدل الرواتب والعلاوات في الخدمة المدنية ومن ثم يفاقم نقص الكادر المؤهل في الوظائف الهامة. كما يؤدي إلى تقليص نوعية الخدمات ويضر بنظرة الجمهور للعلاقة فيما بين مستوى الضرائب المدفوعة ومستوى المنافع العائدة منها.
وتتطلب هذه المشاكل اهتماماً ضرورياً أيضا بسبب الأعباء المتوقعة في المستقبل على ميزانيات السلطة الفلسطينية. إن النمو في التوظيف العام لم تصاحبه حتى الآن زيادة عامة في معدلات الرواتب، لكن هذا الوضع قد لا يكون قابلا للاستمرار. كما سيولد النمو السكاني ضغطا مستمرا على الحاجة لتوفير التعليم والصحة. يمكن أن تقلص السلطة الفلسطينية التكاليف من خلال تحويل المزيد من الخدمات للقطاع الخاص، ولكنها قد تضطر إلى استلام بعض الخدمات التي تمولها حاليا الدول المانحة أو التي توصلها المنظمات غير الحكومية. كما أن السلطة الفلسطينية أيضا قد تضطر في نهاية الأمر إلى تولي المسؤوليات والالتزامات المالية التي تتحملها وكالة الغوث الدولية حاليا.
إن العبء المالي المستقبلي يلقي مشكلة خاصة على عاتق السلطة الفلسطينية، لأنه من غير المحتمل أن تكرر جني نفس المكاسب السابقة التي حصلت عليها من خلال تحسين جباية الواردات بعد عام 1994. وستحتاج، وبشكل متزايد، إلى تقييد نفقاتها وتحديد أولوياتها. وحتى مع تمويل المانحين، فإن الاستثمار المالي للسلطة الفلسطينية في البنية التحتية متدن بالمقارنة مع إجمالي الناتج المحلي. وعندما تتحول السلطة الفلسطينية إلى الاقتراض، فإنها ستحتاج إلى إقامة وحدة إدارة الديون داخل وزارة المالية لتعقب التدفقات والالتزامات المالية.
ينبغي على السلطة الفلسطينية أيضاً أن تغير نسب توزيع جباية الواردات والإنفاق بين الإدارة المركزية والحكم المحلي، وذلك للتخفيف من العبء على المالية المركزية. فعلى سبيل المثال، ينبغي على السلطة تعديل نظام ضريبة الأملاك وأن تعهد بالمسؤولية عن جبايتها إلى السلطات البلدية.

التوصيات

  1. ينبغي أن تقوم السلطة التنفيذية بتقديم الميزانية العامة التي تعدها وزارة المالية للسلطة التشريعية لمناقشتها والمصادقة عليها حسب الموعد. وهذه الميزانية ينبغي أن تكشف كل الواردات والمصروفات العامة وأن تحتوي على تفصيل كامل للبندين.
  2. ينبغي الإفصاح عن كل الواردات العامة وأن تدرج في حساب واحد يتبع وزارة المالية.
  3. ينبغي أن تكون وزارة المالية قادرة على المراقبة والسيطرة على تنفيذ الميزانية.
  4. حال الموافقة عليها من قبل المجلس التشريعي، ينبغي أن تكون لوزارة المالية صلاحية الصرف حسب الميزانية العامة وبنودها المفصلة.
  5. إعداد ميزانية الرواتب العامة ينبغي أن تقوم به وزارة المالية بشكل كامل من أجل ضمان الفصل بين السيطرة المالية والإدارية.
  6. ينبغي أن تتقلد وزارة المالية مسؤولية الضبط والإدارة لصناديق تقاعد القطاع العام، وأن تقدم حسابا شفافيا بديون والتزامات الحكومة بشكل عام.
  7. الأطر التنظيمية والآليات التطبيقية التي بلورتها وزارة المالية لضمان ممارسة مالية سليمة في كافة أرجاء السلطة الفلسطينية ينبغي أن توضع موضع التنفيذ دون تأخير.
  8. ينبغي على السلطة الفلسطينية مركزة وتوحيد جميع وظائف التدقيق الحكومية تحت سيطرة هيئة الرقابة العامة، والتي ينبغي تخويلها أيضاً تدقيق مكتب الرئيس و الشرطة.
  9. ينبغي أن يكون لهيئة الرقابة العامة إطار محدد من القوانين والقواعد يتم بموجبها تدقيق القطاع العام، وينبغي أن تكون الهيئة مسؤولة أمام السلطة التشريعية. وإضافة إلى ذلك، لا بد من توفير نظام رسمي للعقوبات على المخالفات.
  10. ينبغي أن تطلب السلطة الفلسطينية من جميع الموظفين، في كل فروع الحكومة وفي الخدمة المدنية والشرطة على حد سواء، الإعلان عن مصالحهم التجارية الخاصة التي يمكن أن تؤثر على سلوكهم في أداء الواجبات العامة.
  11. يجب أن توفر السلطة الفلسطينية ضماناً رسمياً لحماية الموظفين الذين يقدمون التقارير عن الأمور المالية غير القانونية.
  12. ينبغي أن تقترح وزارة المالية الطرق الكفيلة بتقوية مهنة المحاسبة والتدقيق.
  13. ينبغي أن تقوم وزارة المالية بتوحيد كافة الضرائب في الضفة الغربية وقطاع غزة وأن تدرجها في نظام محوسب .
  14. ينبغي أن تتم مركزة وتوحيد كافة الإعفاءات الضريبية تحت إشراف وزارة المالية.
  15. ينبغي أن تحول الحكومة المركزية مسؤولية جمع ضريبة الأملاك إلى الحكم المحلي، وينبغي أن تطالب السلطات البلدية مستخدمي خدماتها بدفع الأثمان الحقيقية لهذه الخدمات.
  16. ينبغي على وزارة المالية أن تدرس سبل معالجة الآثار المالية للضم النهائي لوكالة الغوث.

8) الخدمات الاجتماعية
السياق
إن الوزارات التي تقدم الخدمات الاجتماعية بما فيها الرعاية الصحية والتعليم، كانت من بين المؤسسات العملياتية الأولى التي بدأت العمل بعد إقامة السلطة الفلسطينية عام 1994. وعلى الرغم من أنها لم تأخذ النصيب الأكبر من الميزانية العامة، إلا أنها وضعت السلطة الفلسطينية في علاقة مباشرة مع أكبر عدد من المستفيدين. كما أنها اعتمدت بشكل كبير على تحقيق مستويات عالية من القبول لدى المستفيدين. وفي الوقت ذاته، فإن الحجم الكبير لقطاعات الخدمات الاجتماعية يعني عموما أن السلطة الفلسطينية تعمل بالتوازي مع ثلاثة مزودين كبار لهذه الخدمات، وهم : وكالة الغوث الدولية، المنظمات غير الحكومية، والقطاع الخاص.
ولهذا، فإن من المهام الكبرى لوزارات السلطة الفلسطينية ذات الصلة تنظيم قطاعاتها والتنسيق مع المزودين الآخرين بالإضافة إلى توفير الخدمات النوعية بأسلوب فاعل ومؤثر بالمقارنة مع الكلفة.
إن قدرة وزارات الخدمات الاجتماعية للسلطة الفلسطينية على البدء بتوفير الخدمات بسرعة عادت بدرجة كبيرة إلى انتظام عملية استلام دوائر الإدارة المدنية الإسرائيلية، مع موظفيها ومرافقها ونظمها الإجرائية. ولكن هذا يعتبر إرثا مختلطاً، فالحكم العسكري الإسرائيلي لم يقم سوى بالمحافظة على البنية التحتية للخدمات الاجتماعية تقريبا عند المستوى الموروث من الإدارة الأردنية في الضفة الغربية والإدارة المصرية في قطاع غزة في حزيران/يونيه 1967، في الوقت الذي تضاعف فيه حجم السكان. إن كمية ونوعية الخدمات، وخاصة في مجالي التعليم والرعاية الصحية، قد أخفقت في مجاراة التقدم في البلدان العربية المجاورة في ذات الفترة. والدوائر ذات العلاقة في الإدارة المدنية لم تمتلك الصلاحية لصياغة خطط تنموية قطاعية. وكانت تفتقر إلى الخبرة في التخطيط ووضع الميزانيات، ولم تخول بالحصول على الإحصائيات الديمغرافية. وبالتالي، فإن التنسيق بين الحكم المحلي والمزودين غير الحكوميين كان ضعيفاً. وبالإضافة إلى ذلك، فإن السيطرة الإسرائيلية على وضع المخططات الهيكلية واستخدام الأراضي العامة خارج حدود البلديات قد قيد بناء المرافق الجديدة.
تظهر محدودية توفير الخدمات العامة بقوة على ضوء حقيقة أنه مع عام 1993 كانت المنظمات غير الحكومية تقدم 60% من الرعاية الصحية الأولية في الضفة الغربية وشرقي القدس، و 50% من رعاية المستشفيات، و 100% من الرعاية للمعاقين. ونشاط هذه المؤسسات المتواصل كان حيوياً للمحافظة على خدمات اجتماعية كافية في ظل السلطة الفلسطينية. إن وجود المجالس الوطنية والمحلية المدعومة من منظمة التحرير الفلسطينية، التي عملت في ظل الاحتلال الإسرائيلي، كان عاملاً آخر ساعد وزارات الخدمات الاجتماعية على تولي مسؤولياتها بفعالية عام 1994. مثلا، وفر مجلس التعليم العالي هيئة تنسيق ومراقبة للجامعات التي أسست في الضفة الغربية في السبعينات باستقلالية عن الإدارة المدنية، وبالمثل، فإن مركز التخطيط والبحث التابع للمجلس الصحي قد أكمل العمل على وضع خطة وطنية للصحة قبل وجود السلطة الفلسطينية بوقت قصير.
لقد عملت وزارات الخدمات الاجتماعية أيضاً على دمج أو تكييف مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية التي توفر الخدمات إلى الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي الشتات. ومن الأمثلة البارزة على ذلك مؤسسة الشؤون الاجتماعية لمنظمة التحرير (المعنية بأسر الشهداء والمعتقلين)، جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، ودائرة شؤون اللاجئين.
وقد تم تسهيل عمل هذه الوزارات بكون السلطة الفلسطينية تمارس ولاية مدنية كاملة على 95% من الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة ، ما عدا سكان شرقي القدس. فعملها يمتد عبر قطاع غزة ومناطق أ و ب في الضفة الغربية كما حددتها الاتفاقية المرحلية عام 1995. وحركة موظفي هذه الوزارات تتعرض للإعاقة فقط عندما يفرض الحكم العسكري إغلاقات محلية أو عامة للحدود.
إن شبه استحالة التنقل بين الضفة الغربية وقطاع غزة يشكل إعاقة أكثر خطورة على العمل المنتظم. فهو يؤثر على التدريب المشترك والتفتيش والتشاور وتوحيد تقييم الأداء وتوحيد الإجراءات الإدارية وإعادة توزيع الموارد البشرية. إن الفصل الجغرافي قد اقتضى ازدواجية وظائف ومناصب إدارية معينة. والقيود الإسرائيلية على دخول الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة إلى شرقي القدس أثرت أيضاً على توفير الخدمات الاجتماعية. فالمدينة مثلا تحتوي على المستشفى الفلسطيني الوحيد الذي يقدم العناية المتخصصة وعلى بعض أفضل المستشفيات التي تقدم العناية الثانوية.
ونتيجة لهذه العوامل المختلفة، فإن وزارات الخدمات الاجتماعية قد اضطرت إلى أن تتوسع بسرعة وأن تكتسب بنى تنظيمية أكثر تعقيداً. وتقدم وزارة التربية والتعليم مثالاً جيداً على حجم التحديات، إذ ورثت ما مجموعه 12 موظفاً إداريا و 16.000 مدرس من الإدارة المدنية الإسرائيلية عام 1994، ولكن لديها الآن أكثر من 26.000 مدرس يعملون في حوالي 1.200 مدرسة، إلا أنها تكاد لا تقدر على مجاراة النمو السريع في عدد طلبة المدارس، وبقي عدد الموظفين الإداريين فيها دون المستوى المطلوب لتلبية المعايير الدولية للتعليم.
غير أن عوامل الكلفة قد قيدت هذا التوسع. فانخفاض قيمة الشيكل الإسرائيلي الجديد منذ 1994 يعني أن الرواتب الأساسية في الخدمة المدنية للسلطة الفلسطينية قد فقدت حوالي ثلث قيمتها وحوالي نصف قدرتها الشرائية. وكان هذا سببا لعدم الارتياح في قطاعات التعليم والصحة بشكل خاص، وأعاق إلى درجة كبيرة تطبيق التعديلات في سلم الرواتب بموجب قانون الخدمة المدنية الذي صودق عليه عام 1998. والكلفة حدت أيضاً من قدرة السلطة الفلسطينية على بناء غرف ومبان ومرافق طبية جديدة، رغم استمرار النقص فيها. وهناك تحد إضافي أخير محتمل يواجه السلطة الفلسطينية في هذا المجال، وهو توقع أن تتولى في نهاية الأمر المسؤولية عن الخدمات الموازية التي تقدمها حاليا وكالة الغوث الدولية و التي لها موظفوها وهيكلية إدارية منفصلة.

كشف المؤسسات
هناك أربع مؤسسات رئيسية للسلطة الفلسطينية توفر الخدمات الاجتماعية إلى الجمهور الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهي : وزارة الشؤون الاجتماعية، وزارة الصحة، وزارة التربية والتعليم، ووزارة التربية والتعليم العالي. ووزارتا العمل والإسكان هما أيضاً على صلة بصياغة السياسة الاجتماعية و بتقديم الخدمات، ولكنهما تأتيان ضمن القسم الاقتصادي في هذا التقرير.

الإنجازات

حققت وزارات الخدمات الاجتماعية بعض أبرز الإنجازات التي حققتها مؤسسات السلطة الفلسطينية. فوزارة التربية والتعليم، وهي أكبر وزارة في السلطة الفلسطينية فيما يتعلق بعدد الموظفين والميزانية، أصبحت عاملة قبل يومين فقط من بدء العام الدراسي 1994-1995. وقد تمكنت في كثير من الأقضية على تقليص أحجام الصفوف أو عدد النوبات الدراسية في اليوم من ثلاث إلى اثنتين، علما بأن القيود على الاستثمار العام تهدد هذا الإنجاز.
لقد استطاعت وزارات الخدمات الاجتماعية على وجه العموم أن تصيغ وصف المهام، وتحدد الأهداف العاجلة، وتقيم هياكل إدارية واضحة ومناسبة، وتبني علاقات عملية مع وزارات وهيئات أخرى، ومع المنظمات غير الحكومية والمزودين في القطاع الخاص، ومع الأسرة الدولية المانحة. إن القوانين الأساسية التي أقامت وزارة الصحة ووزارة التربية والتعليم العالي وحددت صلاحياتهما، قد تمت المصادقة عليها، في حين أن وزارتي التربية والتعليم والشؤون الاجتماعية تعملان على أساس القوانين المؤقتة بانتظار صدور تشريع خاص بها. وعلى العموم، فإن، وزارات الخدمات الاجتماعية حققت مستويات من التفويض واللامركزية تستحق الثناء. كما زادت من مقدرتها على جمع واستخدام الإحصائيات والبيانات الأخرى وعلى تطبيق الإرشادات حول التدقيق الداخلي وتقييم الأداء.
إن الهدف العام لوزارات الخدمات الاجتماعية هو تعزيز تطور المجتمع. وتسعى إلى تحقيق ذلك بتقوية الأمن الاجتماعي، ورفع مستويات المعيشة من خلال تقديم خدمات ذات نوعية عالية وبكلفة مقبولة يسهل الحصول عليها، وتنسيق وتنظيم إيصال الخدمات من قبل المزودين لها في كل قطاع، وتجنب الازدواجية لضمان الاستخدام الفعال للموارد. ولهذه الغاية، فإن وزارة الصحة ووزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي قد صاغت مشاريع خطط تنموية مفصلة وشاملة تغطي فترة خمس سنوات، لها أهداف واضحة طويلة الأجل، وأهداف واستراتيجيات عملياتية قصيرة الأجل. وهذه الخطط تشمل قوائم من النشاطات مع جداول زمنية للتنفيذ وتقديرات للكلفة.
لقد قامت وزارات الخدمات المدنية أيضا، مدعومة من المجلس الوزاري للسلطة والمجلس التشريعي، بتقديم مشاريع قوانين جديدة حيث يلزم لتوحيد القوانين والقواعد التي تحكم عمل كل المزودين للخدمات في قطاعاتهم المختصة. وتحقق بعض التقدم في توضيح الصلاحيات، الأمر الذي أصبح ضرورياً بسبب التوسع السريع في حجم هذه الوزارات. لقد ضاعفت وزارة الشؤون الاجتماعية من عدد موظفيها منذ نقل الولاية إلى السلطة الفلسطينية عام 1994، في حين أن وزارة التربية والتعليم قد زادت عدد موظفيها أكثر من ثلاثة أضعاف، أي من 2000 موظف إلى 7000 موظف حالياً. إن معظم هذه الزيادات كانت في الصفوف "الأمامية" ، أي المدرسين والعاملين في مجال الصحة، بالتوافق مع مؤسسات المانحين الدوليين.
وعلى الرغم من التوسع السريع والكبير في عدد الأفراد إلا أن التوظيف لدى وزارات الخدمات الاجتماعية لم يتأثر غالبا بالاعتبارات السياسية أو الشخصية. وعلاوة على ذلك، فإن إجراءات التقييم لهدف الترقية في وزارات الخدمات الاجتماعية تستند عموما إلى الأداء، مع بعض الفروقات. كما أولت وزارات الخدمات الاجتماعية اهتماماً كبيراً بتنمية الموارد البشرية. وتختلف الحاجات والفرص من وزارة إلى أ خرى، ولكن على وجه العموم هناك تشجيع لاستمرار تعليم الموظفين محليا وفي الخارج، بالإضافة إلى التدريب في خلال الخدمة. وتخطط وزارة الصحة لتأسيس كلية جامعية للصحة العامة كما عملت على تحويل مدرسة تأهيل الممرضين إلى كلية للتمريض تمنح شهادة البكالوريوس، على سبيل المثال.
وعلاوة على ذلك، فإن وزارات الخدمات الاجتماعية قامت بخطوات واسعة في مجال إدراج الحاسوب في عملياتها وفي رفع نسبة التعليم على أجهزة الحاسوب لدى موظفيها. فقد تم تدريب الطواقم على إدخال المعلومات، والعمل الميداني، والتحليل،علما بأن القدرة على التحليل الثانوي المتقدم تبقى محدودة. إن التقدم في إقامة نظم تستخدم أجهزة الحاسوب ونظم الإدارة المتكاملة لمعالجة شؤون الموظفين والمشتريات والمالية قد سرّع من عمليات الصرف إلى المستفيدين لدى وزارة الشؤون الاجتماعية، مثلاً، وحسن التدقيق في كل وزارات الخدمات الاجتماعية.
لقد سارت عملية استخدام أجهزة الحاسوب جنباً إلى جنب مع الجهود لإدخال وتصنيف البيانات الإحصائية والقيام بالتحليل الثانوي والبحث الخادم للسياسة. فعلى سبيل المثال، تصدر وزارة الصحة تقريراً إحصائيا يحتوي على كافة المؤشرات الصحية والديمغرافية ذات العلاقة، وهي تعمل منذ 1995 على إنشاء نظام معلومات طموح للإدارة الصحية يقوم بجمع وتوزيع البيانات من خلال مراكز متصلة تعمل بواسطة الحاسوب. وبالمثل، فإن وزارة التربية والتعليم تحتفظ بقاعدة معلومات في الحاسوب وتعمل على إصدار كتاب سنوي إحصائي حول المؤسسات التعليمية والمؤشرات المتصلة بها. ومن جانبها، أقامت وزارة التربية والتعليم العالي الشبكة الأكاديمية الفلسطينية لربط كل مؤسسات التعليم العالي، وهي تنشر كتاباً سنوياً إحصائيا شاملاً حول التعليم العالي. إن مثل هذه النشاطات المتصلة بقواعد المعلومات وغيرها والتي تقوم بها وزارات الخدمات الاجتماعية تتم بالتعاون مع دائرة الإحصاء المركزية الفلسطينية.
يتم استخدام البحث الإحصائي أيضاً لضمان الوصول إلى أهداف نوعية. فوزارة الصحة، والتي توفر 33
% من تكاليفها التشغيلية من خلال تقديم الخدمات مثل التأمين الصحي، تقوم بقياس ومراقبة منتظمين لنوعية العناية الصحية وتحسب تكاليف الخدمات التي تقدمها. ولدى هذه الوزارة لجنة تظلم دائمة لمعالجة الآراء والشكاوي من المستفيدين. وبالمثل، فإن وزارة التربية والتعليم العالي تطبق إجراءات موحدة لتقدير تكاليف التعليم العالي التي يتحملها دافعو الضرائب والمانحون الدوليون. وقد أقامت وزارة التربية والتعليم وحدة متخصصة لقياس ومراقبة وتحسين نوعية التعليم، ولكن ليس تكاليفه.
وكما يبين مثال التعاون مع دائرة الإحصاء المركزية الفلسطينية في مجال جمع البيانات الإحصائية وتوزيعها، فإن وزارات الخدمات الاجتماعية تقوم على نطاق واسع بالتعاون والتنسيق مع الوزارات والهيئات ومع المزودين الآخرين للخدمات في قطاعاتهم المختصة. فعلى سبيل المثال، تعاونت وزارة التربية والتعليم العالي مع وزارة التربية والتعليم ووزارة العمل من أجل وضع خطة استراتيجية للتدريب المهني. وعملت أيضاً على برامج تدريب مع وزارة الزراعة. وبالاضافة إلى ذلك، فإن تنسيق وزارات الخدمات الاجتماعية مع وكالة الغوث الدولية يتسم بأهمية خاصة، إذا ما أخذنا بالاعتبار عدد المنتفعين من الوكالة من بين السكان في الضفة الغربية وقطاع غزة.
يمثل التعاون تغيراً أساسياً بالمقارنة مع الممارسة التي سادت قبل إقامة السلطة الفلسطينية، حيث أن العلاقات بين السلطات الإسرائيلية والمنظمات المحلية غير الحكومية كانت تتسم بالعداء وعدم الثقة. وبالمثل، فإن المنظمات غير الحكومية المنتمية إلى فصائل سياسية مختلفة نادراً ما تعاونت مع بعضها البعض، وقد نظرت في البداية إلى السلطة الفلسطينية بنوع من الشك. ولكن تم حالياً تشكيل عدة لجان وطنية تضم ممثلين لمنظمات حكومية وغير حكومية. وفي حالات معينة تم تطوير السياسات والاستراتيجيات من خلال النقاش العام. إن الخطة الخمسية لوزارة التربية والتعليم، والمنهاج المدرسي الجديد، قد تم تطويرهما من خلال ورشات العمل المفتوحة والفرق الوزارية المتعددة، التي شملت موظفي وزارة التربية والتعليم والمزودين غير الحكوميين للخدمات، والخبراء الخارجين، أي ما قوامه 1.700 شخص.
تشمل اللجنة الوزارية العليا في وزارة الشؤون الاجتماعية رئيس اتحاد الجمعيات الخيرية، وشبكة المنظمات الفلسطينية غير الحكومية، واللجنة المركزية للمعاقين، وهيئات أخرى تشترك في شؤون الصحة العامة وسياسة التنمية. وعلاوة على ذلك، فإن وزارة الشؤون الاجتماعية توفر القيادة في برامج التقليل من حدة الفقر، وذلك بالتعاون مع مؤسسات السلطة الفلسطينية الأخرى، والمنظمات غير الحكومية، ووكالة الغوث الدولية. وذلك هناك مجلس جديد للصحة يجمع وزارة الصحة وممثلين لاتحادات المهن الطبية وغيرهم من المختصين. وكذلك، هناك مجموعة عمل جديدة للتخطيط الصحي تتألف من ممثلي المنظمات غير الحكومية، والقطاع الخاص، و وكالة الغوث الدولية، تعمل على تحديد الأولويات القطاعية وتطوير مقاييس كمية ونوعية لتقييم الأداء. وبدلا من إقامة مستوصفات طبية جديدة، قامت وزارة الصحة بنقل كثير من برامجها الخارجية إلى اتحاد من المنظمات غير الحكومية العاملة في المناطق الريفية. ومن جانبها، تشرف وزارة التربية والتعليم العالي على خمسة مجالس خارجية مع تمثيل حكومي وغير حكومي وهي : المجلس الاستشاري للتعليم العالي، مجلس البحث العلمي، مجلس رؤساء الجامعات، لجنة عمداء الكليات، والمجلس الأعلى للتسجيل والترخيص.

التحديات
على الرغم من قيام وزارات الخدمات الاجتماعية بخطوات هامة، إلا أنها أبدت تقصيرا معينا أيضا. فتطبيق الأنظمة الموحدة للإجراءات الإدارية فيما يتعلق بالاقتناء والمحاسبة والتقييم وشؤون الموظفين لا زالت تختلف من وزارة أو دائرة لأخرى. إن غياب قوانين تأسيس لوزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة التربية والتعليم، في الوقت الذي لم تتم فيه المصادقة بعد على القانون الأساسي للسلطة الفلسطينية، قد أدى إلى بعض التشابك غير الضروري في الوظائف. وهذا يشجع على اتخاذ القرارات الفردية التي يمكن أن تتجاوز الصلاحيات السليمة، مما يؤدي إلى ازدواجية مكلفة في مجالات معينة وإلى ثغرات في مجالات أخرى.
وعلاوة على ذلك، فإن وزارات الخدمات الاجتماعية قد ظلت تعاني من ثنائية الإطار القانوني والإداري الذي يجب أن تعمل من خلاله في الضفة الغربية وقطاع غزة . فوزارة التربية والتعليم مثلاً، ورثت منهجين دراسيين مختلفين، مع أنظمة متباينة لتدريب المدرسين والمشرفين وللامتحانات والشهادات. وهذا الوضع مكلف ويعقد عمل الوزارة، بالإضافة إلى أنه يجعل من الضروري وجود وكيلين لها. إن تبني المنهاج الدراسي الجديد والتطبيق الإسرائيلي لاتفاقية الممر الآمن، الذي يفترض أن يربط الضفة الغربية وقطاع غزة، لا بد وأن يسهلا العمل ويعززا الفاعلية.
لقد تأثرت وزارات الخدمات الاجتماعية بشدة بالأسلوب البطيء والمجزأ الذي من خلاله تمت الموافقة على ميزانيتها وصرفها. وحتى اليوم، لا يزال التصديق على الميزانية العامة يتأخر ثمانية شهور أو أكثر في السنة المالية، الأمر الذي يعيق تطبيق البرامج ويؤدي إلى تأخيرات متراكمة في السنوات المتلاحقة. ومن الخطورة بمكان أن الميزانيات لا تتوفر تلقائياً لوزارات الخدمات الاجتماعية، وفق الإجراء المالي الطبيعي، حتى بعد المصادقة عليها. وأحد أسباب ذلك هو تكرار مشاكل السيولة لدى وزارة المالية. السبب الآخر هو الممارسة الموروثة من منظمة التحرير الفلسطينية حيث يضطر وزراء السلطة الفلسطينية إلى التفاوض مجددا مع الرئيس، كل على حده، حول الحصة المخصصة من الميزانية من أجل الحصول على توقيعه للصرف، وبالتقسيط.
وتميل وزارات الخدمات الاجتماعية، إلى حد ما، إما إلى تضخم عدد موظفيها أو إلى نقص العدد. ويعود التضخم جزئيا إلى العوامل السياسية، بينما تعود حالات النقص أساسا إلى الصعوبة في اجتذاب العاملين المهنيين والتقنيين المؤهلين، نظرا إلى تدني الرواتب في وزارات الخدمات الاجتماعية. وهذا يقلل من تراكم المهارات التي تحصل عليها هذه الوزارات ويعيق السيرة الوظيفية للعاملين بالمراتب العليا.
إن لمشاكل الموظفين عواقب أخرى، مما يؤثر بدوره على النوعية العامة لتوفير الخدمات وعلى فعاليته بالمقارنة مع كلفته. فهناك المركزية الشديدة للنظام المالي في وزارات الخدمات الاجتماعية، كما هو الحال في مؤسسات السلطة الفلسطينية الأخرى، مع تفويض قليل للمسؤولية عن الميزانية والتقييد المترتب على ذلك لاستقلالية الدوائر. إن النقص في وجود كادر مؤهل، ولا سيما في مجالي البحوث والتوقعات المستقبلية المتقدمة، يعيق تقييم نوعية الخدمات وتقييم فعاليتها مقارنة بكلفتها. ويظهر موظفو الخدمة المدنية في السلطة الفلسطينية نفس القلق الذي يبديه الموظفون الحكوميون في كل مكان، من أن مؤشرات قياس الأداء تؤدي بالضرورة إلى تقييمات سلبية.
هناك حاجة أيضاً إلى تعاون أكثر اتساعاً وانتظاماً بين وزارات الخدمات الاجتماعية والمزودين الآخرين للخدمات، وكذلك مع المستفيدين. وعلى سبيل المثال، فإن البحث العلمي الذي تدعمه وزارة التربية والتعليم العالي لا يرتبط بشكل منتظم بعد بسياسة وطنية للبحث والتطوير أو بالجهود الفردية للمزودين الآخرين، سواء على مستوى القطاع العام أو الخاص. ولا تقوم وزارة التربية والتعليم بالتشاور المنتظم مع المنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني الأخرى، في حين أن وزارة الشؤون الاجتماعية لا تتلقى التقييم الكافي من المستفيدين. إن الانقسامات داخل قطاع الصحة تعيق توفير الخدمات إلى الجماعات الهامشية كالبدو الرحل.
ولا يقل أهمية عن ذلك تحقيق المزيد من التطوير للإطار القانوني والتنظيمي لتمكين المزودين بالخدمات من المنظمات غير الحكومية و القطاع الخاص من التنافس مباشرة على توصيل هذه الخدمات. وفي هذا السياق، فإن إخفاق المجلس التشريعي والسلطة التنفيذية للسلطة الفلسطينية في الاتفاق على قانون جديد يحكم نشاط المنظمات غير الحكومية قد ترك ثغرة في الصفة والحماية القانونية لذلك القطاع. ويتجسد عائق إضافي أمام عمل المنظمات غير الحكومية في الإصرار على تسجيلها جميعا رسميا، الأمر الذي ترافق مع النزاع المستمر بين وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الداخلية ووزارة العدل حول تولي مسؤولية تسجيل تلك المنظمات.
لقد أدت هذه التقصيرات إلى إضعاف قدرة وزارات الخدمات الاجتماعية على القيام بالبحث وأيضا على استخدام بحوث الآخرين. إن المبادرات البحثية في مجال عمل وزارة الشؤون الاجتماعية، مثلاً، تأتي من معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطينية ومؤسسة البحوث التابعة لاتحاد النقابات المهنية النرويجية (فافو) ومؤسسات أخرى، أكثر مما تأتي من الوزارة. وعلى العموم، فإن وزارات الخدمات الاجتماعية تحتاج إلى مراكمة المعطيات الإحصائية على عدد من السنوات و إلى تدريب الأفراد على القيام بالتحليل المتعلق بالأداء والسياسة.
وهناك مجال يثير قلقا خاصا وهو تقسيم العمل وتنسيق توفير الخدمات بين وزارات الخدمات الاجتماعية وبين الحكم المحلي. فقد ورثت السلطة الفلسطينية ارثاً ضعيفاً أو معدوما في هذا الصدد من الإدارة المدنية الإسرائيلية. ولكن باستطاعة الحكم المحلي أن يدير وأن يوفر خدمات معينة، على أن يترك التخطيط القطاعي والجوانب التنظيمية لتقوم بها الوزارات. إن مثل هذه الخطوة ستؤدي إلى لامركزية أكبر، وتحسين نوعية وأداء الخدمات، وتقليص التكاليف، واستجابة أفضل لحاجات المستفيدين. ولكن لم تقم الحكومة المركزية حتى بتحويل المبالغ المقرة ضمن التشريع الحالي إلى الحكم المحلي، وبالتالي من المستبعد أن يقوم الحكم المحلي بالقبول بتولي المزيد من المسؤوليات.
إن المشكلات والتقصيرات التي تعاني منها وزارات الخدمات الاجتماعية لا تخرج عن نطاق المعهود. غير أنها تزداد أهمية قياسا بالزيادة الكبيرة المتوقعة للطلب على الخدمات الاجتماعية في الضفة الغربية وقطاع غزة في المستقبل المنظور. وهذا يعود إلى ارتفاع معدلات النمو السكاني إلى نسبة 3.5-4
% سنويا، وقد يضاف إلى ذلك تدفق عدد كبير من اللاجئين العائدين من المنفى أو الحركات السكانية بين الضفة الغربية وقطاع غزة. إن الظروف الاقتصادية والتكنولوجية المتغيرة محلياً ودولياً تتطلب قوة عاملة ذات مهارات ملائمة، في حين أن عملية التحضر والتصنيع تغير النمط الوظيفي والتوزيع الجغرافي لحاجات الرفاه الاجتماعي والرعاية الصحية. كما أن نقل الخدمات الاجتماعية التي تقدمها وكالة الغوث إلى السلطة الفلسطينية في نهاية المطاف سوف يفرض زيادة كبيرة في العبء المالي.
إن توفير الإحصائيات الدقيقة والحديثة عن السكان من قبل دائرة الإحصاء المركزية الفلسطينية قد سمح لبعض وزارات الخدمات الاجتماعية بإعداد تقديرات تقريبية للحاجات المستقبلية للخدمات، ولكن الأساليب المنهجية لوضع التوقعات ولحساب التكاليف ليست متوفرة حتى الآن، وخاصة للأجل المتوسط والطويل. وبالتالي، فإن التخطيط يبقى مهمة صعبة، ويحتاج إلى جهد أكبر من وزارات الخدمات الاجتماعية وهيئات التخطيط المركزية والقطاعية في السلطة الفلسطينية.

التوصيات

  1. ينبغي صرف الميزانيات العملياتية لوزارات الخدمات الاجتماعية في الوقت المقرر حالما تتم المصادقة عليها، وينبغي أن لا تخضع لإعادة التفاوض في مجلس الوزراء دون موافقة من المجلس التشريعي.
  2. ينبغي تطوير وتطبيق مؤشرات الأداء وأنظمة حساب التكاليف من أجل تحسين فعالية ونوعية الخدمات الاجتماعية المقدمة.
  3. ينبغي توحيد إجراءات وأساليب توفير الخدمات الاجتماعية. وهذا يشمل توحيد المنهاج التعليمي بين الضفة الغربية وقطاع غزة .
  4. لا بد من إيجاد الآليات المؤسساتية الملائمة حيث تقتضي الضرورة، وذلك لضمان الاستشارة والتنسيق المنتظم والفعال بين وزارات وهيئات السلطة الفلسطينية والمزودين الآخرين للخدمات.
  5. ينبغي على وزارات الخدمات الاجتماعية تطوير المزيد من الإطار القانوني والتنظيمي الذي يمكن المزودين لهذه الخدمات من المنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص من التنافس المباشر على تقديمها.
  6. على السلطة الفلسطينية إقرار قانون معدل ومناسب للمنظمات غير الحكومية. إن كان مطلوبا من المنظمات غير الحكومية أن تسجل نفسها، فإن على السلطة الفلسطينية أن تقرر بوضوح من هي الوزارة التي ستتولى ذلك.
  7. على وزارات الخدمات الاجتماعية تطوير القدرة على البحث والتحليل الثانوي وزيادة تعاونها مع المؤسسات الأكاديمية ومراكز البحث الأخرى.
  8. ينبغي إدخال تغييرات على ممارسات التوظيف والترقية من أجل السماح بسلم رواتب مؤات يقدم حوافز أكثر فاعلية للموظفين الموجودين وعروضا أكثر جاذبية للعاملين المهنيين والتقنيين المتخصصين.
  9. ينبغي إصدار قوانين التأسيس أو بيانات المهام لوزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة التربية والتعليم من أجل التقليل إلى أدنى حد من الازدواجية في المهام والوظائف.
  10. ينبغي تطوير الأساليب المنهجية للتخطيط الأمامي وبناء التوقعات كضرورة ملحة، من أجل توقع الطلب المتزايد على الخدمات العامة نتيجة للنمو السكاني وللتنمية الاجتماعية والاقتصادية.
  11. ينبغي أن تخطط وزارات الخدمات الاجتماعية أيضاً لاندماج الخدمات الاجتماعية التي تقدمها حالياً وكالة الغوث، حين يتم ضم الوكالة في نهاية الأمر.
  12. ينبغي على وزارات الخدمات الاجتماعية أن تعمل بفاعلية على تشجيع الحكم المحلي على تعزيز مشاركته في التخطيط وتقديم الخدمات الاجتماعية وفي جباية الواردات لهذا الغرض.

9) الاقتصاد
السياق

تعتبر عملية إعادة البناء والتنمية والنمو الاقتصادي في الضفة الغربية وقطاع غزة أموراً ضرورية لتثبيت أسس العملية السلمية لبناء كيان فلسطيني حديث مجدي وديمقراطي. وهذه الرؤية تنعكس في الجهد السياسي والمالي الكبير الموجه من قبل السلطة الفلسطينية والأسرة الدولية نحو الاقتصاد المحلي.
ولكن المؤسسات الفلسطينية العامة التي تعالج المجال الاقتصادي مجبرة على العمل في ظل ظروف بالغة الصعوبة. لقد قام الحكم العسكري الإسرائيلي بنقل المسؤولية عن القطاعات الاقتصادية الأساسية في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى السلطة الفلسطينية في نهاية آب/ أغسطس 1995 فقط، وفق إطار أوسلو. وعلاوة على ذلك، فإنه أورث السلطة الفلسطينية قوانين وقواعد ونظماً إدارية غير كافية لإدارة اقتصاد حديث، وغير مناسبة لتوسيع التبادل الحر مع السوق الخارجية. وهناك مشاكل إضافية منبثقة عن ارث التعرض للسياسات وقوى السوق الإسرائيلية خلال السنوات الـ 27 السابقة من الاحتلال. وما زالت السياسات الحكومية الإسرائيلية تؤثر بشكل كبير على الاقتصاد الفلسطيني بسبب ارتباطه الوثيقمع الاقتصاد الإسرائيلي.
كما أن الاحتلال الإسرائيلي قد ترك خلفه عجز ا كبيرا في البنية التحتية. فالحكم العسكري الإسرائيلي كان ينفق 15
% فقط من الميزانية على البنية التحتية والخدمات العامة منذ السبعينات وحتى التسعينات. وهذا يقارن مع 25% في البلدان ذات مستويات دخل متشابهة، على الرغم من أن عدد سكان الضفة الغربية وقطاع غزة قد تضاعف في نفس الفترة. وعلاوة على ذلك، فإن وكالة الغوث والمنظمات غير الحكومية قد أسهمت بنصيب أكبر من المعتاد في البنية التحتية والخدمات. وكانت النتيجة ، على سبيل المثال، أن الطرق حظيت بمقدار يكاد لا يذكر من الصيانة منذ عام 1967، بينما بقي نصيب الفرد من تزويد الكهرباء أو خطوط الهاتف دون مستوى الأقطار العربية المجاورة. فقد أصبحت الضفة الغربية وقطاع غزة تعتمدان إلى حد كبير على خدمات البنية التحتية من إسرائيل.
إن بروتوكول العلاقات الاقتصادية الموقع في 29 نيسان/إبريل عام 1994، والذي كان ملحقاً بالاتفاقية حول قطاع غزة ومنطقة أريحا في 4 أيار/ مايو 1994، قد وضع أساساً جديداً للعلاقات بين الاقتصاد الإسرائيلي والفلسطيني خلال الفترة الانتقالية. ولكن الاقتصاد الفلسطيني يظل معتمداً على إسرائيل في تجارته الخارجية برمتها. فكل البضائع المتبادلة بين السوق الفلسطينية وأسواق الأطراف الثالثة يجب أن تمر عبر الموانئ الإسرائيلية أو تخضع لنقاط الدخول والخروج تحت السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة . كما أن قسماً كبيراً من القوة العاملة الفلسطينية يعتمد أيضاً على العمل في إسرائيل. وأخيرا، لا يزال الاقتصاد الفلسطيني يتأثر بقوة بالأوضاع السائدة في الاقتصاد الإسرائيلي، بما في ذلك السياسات الاقتصادية الشمولية، ومعدلات التضخم، وانخفاض قيمة العملة.
إن السيطرة الإسرائيلية المستمرة على الأرض والمياه وعوامل إنتاجية أخرى في الضفة الغربية وقطاع غزة تؤدي إلى تقييد نطاق ومقدار التنمية والنمو الاقتصاديين الفلسطينيين. ويؤدي غياب الممر الآمن بين الضفة الغربية وقطاع غزة إلى ذات النتيجة. إن السيطرة الإسرائيلية على الأرض خارج المناطق الواقعة تحت السيطرة الإقليمية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة ، قد أعاق أيضاً البناء ورفع الأسعار وأضعف الإقراض المصرفي بسبب غياب عنصر الرهن وضعف العائد على رأس المال.
إن هذه الأوضاع ضمنت بقاء الأسواق الفلسطينية محلية ومشرذمة. كما أن انعدام الوصول الحر للفلسطينيين إلى شرقي القدس يشكل مشكلة خطيرة أيضاً بالنسبة لهم. فتوجد في المدينة أغلب المرافق التسويقية الفلسطينية، بينما يعتمد قسط كبير من الطاقة السياحية الممكنة للضفة الغربية على المواقع الدينية للمدينة المقدسة. كما تمر أهم خطوط المواصلات من الشمال إلى الجنوب في الضفة الغربية عبر القدس، ويوجد مطار الضفة الغربية الوحيد، مطار قلنديا، ضمن الحدود الموسعة للمدينة. كما تشكل مدينة القدس جزءاً لا يتجزأ من شبكة الطاقة في المنطقة الوسطى من الضفة الغربية.
إن حالة الضعف أمام الصدمات الخارجية قد أدت بوضوح إلى ايجاد وضع من القلق المستمر بالنسبة للمؤسسات العامة الفلسطينية التي تعالج الاقتصاد، كما زادت من العبء المالي عبر ازدياد البطالة وارتفاع نفقات الضمان الاجتماعي. ومنذ عام 1993، فإن الصدمات التي ترتبط بالدرجة الأولى بإجراءات الإغلاق الإسرائيلية والقيود على الحركة قد أدت إلى حدوث تحول أساسي من نمط الاقتصاد المرتكز على الأجور إلى نمط الزيادة السريعة في نشاط القطاع غير الرسمي والمتسم بالهامشية وتدني الإنتاجية وتدني توليد الدخل.
أن الأمر الذي يؤكد على مدى التحديات التي تواجه السلطة الفلسطينية هو حقيقة أن الاقتصاد المحلي يجب أن يولد أكثر من 450000 وظيفة إضافية في السنوات الخمسة عشرة القادمة إذا كان سيواكب النمو السكاني الطبيعي. وهذه المهمة تزداد صعوبة في اقتصاد انخفض فيه الاستثمار الخاص من 19
% من إجمالي الناتج القومي إلى 10% في سنوات 1993-1997.
وفي نظر المبادرين والمستثمرين الفلسطينيين، فإن بيئة العمل داخل السلطة الفلسطينية غير واضحة وتشكل بالتالي عائقا اقتصاديا طالما لف الغموض قوانين الملكية والاستثمار ونظام الضرائب. إن شدة تعرض الاقتصاد المحلي للصدمات والقيود الخارجية هي تحديدا التي تستوجب أن تقوم السلطة الفلسطينية بتوفير الإطار التنظيمي والقانوني الفعال كشرط مسبق ضروري لإدارة الموارد الاقتصادية والمالية المحدودة بشكل فعال. إن مثل هذه البيئة ضرورية أيضا لجذب الاستثمار الفلسطيني المحلي والعائد والاستثمار الأجنبي. وما لم تمر الأطر السياسية والحكومية و المؤسساتية بتحولات عميقة، فإن صانعي السياسة الفلسطينيين لن يستطيعوا أن يرعوا الرؤية الاقتصادية الطموحة التي يسعون إليها ويسعى إليها السكان الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة.

كشف المؤسسات
تتطلب الإدارة الاقتصادية عدداً كبيراً من الوزارات والهيئات. فإلى جانب وزارة المالية، ووزارة التخطيط والتعاون الدولي، ووزارة العدل، وسلطة النقد الفلسطينية، تشمل هذه المؤسسات وزارة الاقتصاد والتجارة، ووزارة الصناعة، ووزارة الزراعة، والمركز الوطني للبحث الزراعي ، ووزارة الإسكان، ووزارة العمل، والمجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار، ووزارة الأشغال العامة، ووزارة المواصلات، وسلطة الطيران المدني، ووزارة الاتصالات، ووزارة التموين، وسلطة الطاقة، وسلطة المياه، ودائرة الإحصاء المركزية الفلسطينية، ومؤسسة المواصفات والمقاييس، ووزارة البيئة، وسلطة البيئة الفلسطينية. وتعتبر الاحتكارات العامة وشبه الاحتكارات للاستيراد ذات أهمية خاصة، على الرغم من أنها لم تصنف بشكل رسمي كجزء من الإدارة العامة ولم تدرج تحت خطة الإنفاق العام.

الإنجازات
حققت السلطة الفلسطينية إنجازا كبيراً في إيجاد مؤسسات متنوعة للإدارة الاقتصادية في ظل ظروف صعبة. وتقدمت بشكل كبير نحو وضع الإطار القانوني والتنظيمي والسياسي الضروري لتطوير القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي المباشر والتبادل التجاري مع الاقتصادات الأخرى.
منذ تسلم وزارة الاقتصاد والتجارة لمسؤولياتها، على سبيل المثال، عمدت إلى التفاوض حول عدد واسع من الاتفاقيات التفضيلية واتفاقيات التجارة الحرة مع مجموعة مختلفة من الأطراف الخارجية. وهذه تشمل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والدول الأعضاء في "منطقة التجارة الحرة الأوروبية"، والأردن ومصر المجاورتين. وعلاوة على ذلك، فإن منظمة التحرير الفلسطينية قد وقعت على اتفاقيات ارتباط مع الاتحاد الأوروبي وهيئات أخرى، بالإضافة إلى دول ذات سيادة، لصالح السلطة الفلسطينية. و أنشأت السلطة أيضاً دوائر خاصة ذات فعالية متزايدة لمراقبة تنفيذ بروتوكول باريس والاتفاقيات الأخرى ذات الصلة مع إسرائيل، من خلال اللجنة الاقتصادية المشتركة.
وكذلك، فإن الوزارات ذات العلاقة قد أسهمت بشكل بارز في وضع مشاريع قوانين جديدة وتعديل القوانين القائمة لتحديث وحفز الاقتصاد الفلسطيني. دخل إلى حيز التنفيذ قانون سلطة النقد وقانون تشجيع الاستثمار وقانون الملكية المشتركة. وهناك قوانين أخرى في طور الصياغة أو المصادقة بمساعدة المؤسسات الدولية والدول المانحة، وتشمل : ضريبة الدخل، تسجيل الشركات، البنوك، التأمين، الاستثمار ، الشركات المعفاة من الضرائب، الأوراق المالية، الإقراض والتأجير المؤمن، التحكيم، المناطق الصناعية، الوكالات التجارية، المحاسبة والتدقيق، صناديق التقاعد، العمل، وحقوق الملكية الفكرية. إن كثيراً من هذه القوانين هي الآن في مراحل إعداد متقدمة وبعضها جاهز للصدور.
لقد انعكس التقدم، من بين أشياء أخرى، في تسجيل عدد كبير من الشركات الجديدة منذ عام 1994، على الرغم من ضعف الاستثمار. وقد توسع القطاع المالي بسرعة ومن قاعدة انطلاق ضئيلة، قياسا بعدد البنوك ومجموع الودائع. وشهد قطاع البناء ازدهاراً ولا سيما في مجال الإسكان، وإن كان ازدهاراً قصير العمر بسبب إغلاقات الحدود والاعتماد على واردات الإسمنت والفولاذ من إسرائيل. وقد سجلت وزارة السياحة تقدماً ملموسا في ترخيص فنادق ومطاعم جديدة، وتسهيل عمل مشغلي السياحة، والمشاركة في المعارض الدولية، على الرغم من التحديات الخارجية والداخلية المعيقة.
إن عدداً من السلطات الإقليمية المسؤولة عن البنية التحتية والمنافع العامة قد خطت خطوات مشابهة في إعداد الأطر للتخطيط والسياسة من أجل إعادة تنظيم قطاعاتها، على الرغم من عدم اكتمال السيطرة الفلسطينية على الأرض والموارد. كما أن التعاون بين وزارات العمل والتعليم العالي والتدريب المهني هو حالة أخرى من التعاون الفعال عبر قطاعات الإدارة العامة.

التحديات
إن الظروف السياسية والإقليمية الخاصة التي في ظلها تقلدت السلطة الفلسطينية المسؤولية عن الاقتصاد في الضفة الغربية وقطاع غزة تسهم في تفسير الكثير من التقصيرات التنظيمية والإجرائية والوظيفية لمؤسساتها المعنية. إن الفترة القصيرة التي كان من المتوجب على هذه السلطة أن تمارس فيها سيطرة فعالة وتحفز النشاط الاقتصادي قد قلصت الفرصة المتاحة للتخطيط والتنسيق لإطار مؤسساتي مناسب ومرشـّد.
ولكن تقصيرات السلطة الفلسطينية هي أيضاً ناجمة عن البنى التنظيمية والمنافسات السياسية والشخصية وأنماط الممارسة العملية الموروثة. وهذه العوامل استمرت في التأثير على بناء القدرة والأداء في المؤسسات العامة التي تعالج الاقتصاد، حتى بعد فترة التأسيس، وينبغي أن تقوم السلطة الفلسطينية بمعالجة هذه المسائل بشكل مباشر.
إن صياغة خطة التنمية الفلسطينية المتعددة السنوات تشير إلى حقيقة التشجيع الفعال على بلورة الإجماع فيما بين الوزارات والهيئات ذات العلاقة. ولكن التشابك الكبير في التخصص والازدواجية في الوظائف لا زال قائماً، مما يعكس تحديداً غير كاف للمسؤوليات. وهذا يعيق صياغة السياسة والتخطيط وتحديد الأولويات والتنفيذ والتقييم.
إن سياسات الاستثمار الصناعي والأجنبي، وتعزيز الصادرات، والتوظيف على سبيل المثال، مشرذمة بين وزارات مختلفة. وهذه المشكلة تتضاعف بغياب آليات رسمية وفعالة للتشاور والتنسيق والتعاون. وبالمثل، فإن مجموعات أو استراتيجيات العمل القطاعي هي إما غائبة أو غير كافية، وهناك حاجة ماسة إلى تجميع وتكتيل الوزارات والهيئات.
لقد أدت الازدواجية والتشرذم ونقص التنسيق إلى تنافس غير مثمر أيضاً وإلى صراع واهدار للموارد. وهذا الأمر يبعث على القلق على ضوء نقص الكادر المؤهل في مجالات معينة، الأمر الذي يؤدي إلى تزاوج غير ملائم بين الموظفين وبين والوظائف في بعض الحالات وإلى مزيج من التضخم والنقص في الكادر في حالات أخرى.
ولإعطاء مثال على مدى الازدواجية، فإن وزارة الاقتصاد والتجارة ووزارة التموين تقومان حاليا بتنظيم الأسواق الداخلية، في حين أن وزارة الاقتصاد والتجارة ووزارة العدل تقومان معاً بتسجيل الشركات. وكذلك، هناك تشابك كبير بين وزارة الاقتصاد والتجارة ووزارة التخطيط والتعاون الدولي فيما يتعلق بالتخطيط. ومن جانبها، فإن بكدار قد أشرفت على صرف مبالغ كبيرة من المانحين وأقامت برنامج عمل فعال، لتحل فعليا محل وزارة الأشغال العامة تماما. كما أن الهيئات والسلطات الإقليمية المختلفة التي تعالج البنية التحتية والمنافع العامة تفتقر إلى إطار عمل شمولي، على الرغم من التقاطع بين وزارة التخطيط والتعاون الدولي وبكدار فيما يتعلق بالتخطيط والتنفيذ. إن هذا الوضع يحتاج إلى الترشيد.
إن النقص في تحديد وفصل المسؤوليات والازدواجية الناجمة عن ذلك قد ترافقا في بعض الوزارات والهيئات مع العيوب في الإدارة الداخلية والإجراءات والأداء. فتسلسل القيادة ليس واضحا في بعض الحالات أو يتم الالتفاف عليه باستمرار، الأمر الذي يضعف استقلالية الدوائر، وخاصة في غياب تحديد واضح للمهام العملياتية. كما أن الضعف في التفويض للصلاحيات يعيق المبادرة وتحسين الأداء. وفي بعض الحالات، فإنه يتم تركيز السلطة بشكل كبير في شخص الوزير أو رئيس الهيئة. إن اللوائح الداخلية والالتزامات تجاه المستفيدين يتم تجاهلها أحياناً إذا لم تتفق وأولويات أو مزاج ذلك الوزير أو الرئيس، وتم أحيانا ربط الحصول على المعلومات بالاعتبارات الشخصية والسياسية.
تظهر هذه المشاكل أن العوامل الداخلية، علاوة على العوامل الخارجية، هي سبب مهم أيضا لتقصير المؤسسات الفلسطينية. وبالمعيار ذاته، فإن هذه المشاكل يمكن للسلطة الفلسطينية أن تعالجها. وفي الحقيقة، فإن مشاكل معينة يمكن علاجها كجزء من مراجعة عامة وتعديل بنية الإدارة العامة ككل.
إن المستوى الحالي للتشاور والتنسيق مع الحكم المحلي لا يكفي. لقد تحددت الأهداف في حالات معينة بفضل مساهمة المانحين، ولكن هذا لم يضمن التنفيذ. ظهرت صعوبة أيضاً في اجتذاب الكادر المؤهل من المشاريع التي يمولها المانحون للعمل الدائم في القطاع العام. إن المركزية المبالغ فيها للسلطة داخل المؤسسات العامةً هي محبط آخر في هذا المجال.
تشمل الاحتياجات الأخرى زيادة التشاور والتعاون مع المستفيدين والمؤسسات الأكاديمية والمنظمات غير الحكومية. وهذا الأمر يتصل خصوصا بتطوير نظم المعلومات وبالاتصال الأفقي، وأيضا بصياغة السياسة والتخطيط والتحليل. وهناك حاجة مشابهة إلى زيادة قدرة المستفيدين والباحثين والجمهور العام على الحصول على التقارير الخاصة بالسياسات والدراسات التقنية والبيانات الإحصائية. لقد تم في حالات معينة إنجاز درجات مرتفعة من التشاور مع جهات غير حكومية ومن توفير المعلومات، ومثلا من قبل دائرة الإحصاء المركزية الفلسطينية عند تعديل قانون ضريبة الدخل، ولكن هذه التجربة لم تعمم وهناك ميل واضح لحصر توزيع الدراسات والبيانات.
يتسم التنسيق والتعاون مع الحكم المحلي بأهمية خاصة، في حين أن دور المجالس الأكاديمية ومؤسسات التعليم العالي يحتاج إلى زيادة كبيرة في مجال البحث والتطوير. ويلاحظ أن بعض المؤسسات العامة الأكثر فاعلية في هذا المجال ممولة من المانحين، وبالتالي هناك حاجة إلى بذل الجهود لإيجاد المصادر المحلية للتمويل. وهذا سيشجع السلطة الفلسطينية على إلغاء الازدواجية في المشاريع واستخدام الموارد بفعالية أكبر.
تحتاج السلطة الفلسطينية إلى تطوير قاعدة وارداتها من أجل تقديم إسهام أكبر في خطة الاستثمار العام الفلسطينية، وهذا يتطلب تحسين الإدارة الاقتصاديةً. إن حيزا كبيراً من النمو الاقتصادي في الضفة الغربية وقطاع غزة منذ 1994 يعود إلى توسع القطاع العام، فيما جاء الاستثمار العام، الذي يشكل ربع الإنفاق العام، بالكامل تقريبا من المساعدة الدولية. ومع ذلك، فإن الاستثمار العام في 1994-1997 بقي دون نصف معدل الاستثمار في الدول النامية المشابهة.
لا بد من توفير تشريعات جديدة إذا كان للقطاع الخاص الفلسطيني أن يلعب دوراً بارزاً في إعادة البناء والنمو الاقتصادي في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وإذا كان للاقتصاد المحلي أن يجتذب الاستثمار الأجنبي. وينبغي على السلطة الفلسطينية أن تكمل صياغة القوانين الجديدة التي تحكم النشاطات الاقتصادية المختلفة ، وأن تصدر وتطبق القوانين التي تم إقرارها. وهذا ينطبق، مثلاً، على قانون العمل الجديد الذي تم توحيده ولكن لم يتم إصداره، وعلى قانون ضريبة الدخل. وفي حالات أخرى، فإن القوانين قد صدرت ولكنها لم تطبق بشكل كامل. وعلى سبيل المثال، فإن قانون الاستثمار الجديد لعام 1995 اشترط تشكيل هيئة عليا لتشجيع الاستثمار، ولكن لم يتم إنشاؤها بعد.
ولو نظرنا إلى المستقبل، يترتب على السلطة الفلسطينية أن تعد فريقاً تجارياً للتفاوض بشأن الدخول إلى منظمة التجارة العالمية، وللإعداد للعواقب العملية للدخول على التعرفات الجمركية. وفي الوقت ذاته، فإنها تحتاج إلى توضيح تحديد وتطبيق الأدوار الدقيقة للقطاعين العام والخاص. وتحتاج إلى مؤسسات وقواعد تتيح وتراقب توفير خدمات البنية التحتية والمنافع، مثل الاتصالات وسوق الأوراق المالية والطاقة وغيرها، من قبل القطاع الخاص.
وعلى وجه العموم، فإن الأولوية الواضحة للسلطة الفلسطينية لا بد وأن تكون إقامة إطار إداري ومؤسساتي شفاف وفاعل ومؤثر لتطبيق القوانين الجديدة ولتمكين القطاع الخاص من الإسهام الإيجابي. ومن شأن ذلك أيضا الرد على الاعتقاد الشائع بأن المنصب الحكومي يضفي امتيازات تجارية خاصة. ولهذا السبب أيضا، يترتب على السلطة الفلسطينية أن تعالج الآثار المشوهة للسوق الناجمة عن نشاط الاحتكارات العامة وشبه احتكارات الاستيراد التي شكلتها منذ عام 1994. وعليها أيضاً أن تعد تشريعاً يمنع الممارسات الاحتكارية ويتطلب كشف كافة الامتيازات والمداخيل والنفقات.
وكذلك فإنه ينبغي على السلطة الفلسطينية أن تقوم بإصلاح النظام الذي تقوم من خلاله بتقديم وتوزيع الطلبات للحصول على التصاريح الإسرائيلية التي تتيح للفلسطينيين أن يدخلوا إسرائيل للعمل أو السفر أو لأغراض أخرى. والمقصود جعل العملية أكثر شفافية عموما وأقل عرضة للتحكم والإساءة أو للامتياز الخاص، مما سيحفز ثقة ونشاط القطاع الخاص. كما يجب إنهاء تدخل كبار المسؤولين في القرارات الاقتصادية، ومثلا قيام المحافظين الذين تعينهم وزارة الداخلية بتحديد أسعار السلع الأساسية يوميا.
ينبغي على السلطة الفلسطينية أن تعمل بشكل خاص على تعزيز وزارتي المالية والعدل لكي تتمكنا من توفير الإطار التنظيمي والقانوني المطلوب. وعليها أن تزيد من استقلالية وصلاحيات الهيئات التنظيمية مثل سلطة النقد الفلسطينية، التي ينبغي أن تلعب دورا أكبر في مراقبة القطاع المصرفي، أو مؤسسة المواصفات والمقاييس والذي يمكن أن يكون لها دور كبير في التجارة الداخلية والخارجية للضفة الغربية وقطاع غزة.

التوصيات

  1. لا بد من إعادة النظر في الوزارات والهيئات القائمة التي تتولى شؤون الاقتصاد، وذلك بهدف تقليص عددها الكلي والقيام بدمجها أو تجزئتها كما تقتضي الضرورة من أجل إزالة التكرار في التخصصات والوظائف.
  2. ينبغي تأسيس مجموعات قطاعية وعمل استراتيجيات تطوير ووضع آليات رسمية أخرى من أجل تقديم الاستشارة والتنسيق والتعاون بين الوزارات والهيئات التي تتولى الشؤون الاقتصادية.
  3. إن مشاريع القوانين التي تنظم الضرائب، والاستثمار ، وتسجيل الشركات، والمنافسة، والنشاطات الاقتصادية الأخرى ينبغي أن تكتمل ويتم إصدارها بالسرعة الممنة.
  4. لا بد من زيادة صلاحيات هيئات الرقابة والتنظيم، ولا بد أيضا أن تكون مستقلة استقلالا حقيقيا. وينبغي أن تلعب سلطة النقد الفلسطينية أيضا دورا متزايدا في الإشراف على القطاع المصرفي.
  5. إن خصخصة الاحتكارات العامة للاستيراد وشبه الاحتكارات التجارية التي أسستها السلطة الفلسطينية ينبغي أن تتم حسب وعود والتزامات السلطة، كما ينبغي الكشف عن كافة الامتيازات التجارية الممنوحة.
  6. ينبغي أن يكون كافة العاملين في الخدمة المدنية وأجهزة الشرطة والمسؤولين المنتخبين مطالبين بالكشف عن مصالحهم التجارية الخاصة وأن يتم تصفيتها عند الضرورة.
  7. ينبغي إصدار التشريعات، مثل قانون العمل، التي انتهت صياغتها دون تأخير. والشروط الواردة في القوانين التي تم إصدارها، مثل إنشاء هيئة عليا لتشجيع الاستثمار، لا بد وأن يتم تنفيذها.
  8. ينبغي زيادة التشاور والتعاون مع الحكم المحلي حول الشؤون الاقتصادية.
  9. ينبغي إعداد القواعد الإجرائية لتحديد الالتزام الرسمي لموظفي ومؤسسات القطاع العام بتوفير الأنواع المختلفة من نصوص السياسات والدراسات التقنية والبيانات الإحصائية.
  10. ينبغي زيادة التشاور والتعاون مع المجالس الأكاديمية ومؤسسات التعليم العالي.
  11. ينبغي تطوير المصادر المحلية لتمويل المؤسسات العامة المتخصصة، التي تمول حالياً من المانحين.


10) قوات الشرطة
السياق

إن توفير الأمن كان حجر أساس لإطار أوسلو. ولهذا الغرض اتفق على إقامة شرطة فلسطينية "قوية" تكون واجباتها، كما حددت في المادة الرابعة من الملحق رقم 1، من الاتفاقية الانتقالية لعام 1995 :

أ- الحفاظ على الأمن الداخلي والنظام العام.
ب- حماية الجمهور وممتلكاته والعمل على توفير الإحساس بالأمن والسلامة والاستقرار.
جـ- تبني كافة الإجراءات اللازمة لمنع الجريمة.
د- حماية المنشآت والبنى التحتية العامة.
هـ- منع أعمال التحرش والانتقام.
و- مكافحة الإرهاب والعنف ومنع التحريض على العنف.
ز- القيام بأية وظيفة شرطية اعتيادية أخرى.

تولت السلطة الفلسطينية القيام بهذه المهام على خلفية الصراع الماضي الطويل مع إسرائيل، والمعارضة السياسية الداخلية المشحونة لإطار أوسلو. وواجهت السلطة معيقات كبيرة، ولا سيما افتقارها التام تقريباً إلى الخبرة في وظائف الشرطة المدنية وعمليات المحافظة على القانون والنظام العام في أوقات السلم. وهذا يعود جزئياً إلى حقيقة أن الشرطة الفلسطينية في ظل الاحتلال الإسرائيلي لم تتجاوز قوتها الألف شخص للضفة الغربية وقطاع غزة ككل. ولم تكن مدربة أو مخولة من قبل الحكم العسكري الإسرائيلي للعمل في مجالات معينة. إن الاستقالة الجماعية لطاقم الشرطة خلال الانتفاضة عام 1988 قد تركت الضفة الغربية وقطاع غزة دون ضبط ووقاية إلى درجة كبيرة حتى تأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994، الأمر الذي أدى في حالات معينة إلى العنف الاعتباطي وإلى تدهور عام في سيادة القانون والنظام العام.
إن قوة الشرطة الناشئة عام 1994 كانت تفتقر أيضاً إلى الخبرة في بادئ الأمر لأن الجزء الأكبر من كادرها، وخاصة الضباط، أتوا من وحدات جيش التحرير الوطني الفلسطيني التي كانت متمركزة في الدول العربية. وهذا الكادر كان يتمتع بمهارات عسكرية وفدائية تقليدية متنوعة، ولكن ليس في مجال عمل الشرطة. كما واجه "العائدون" أيضاً مشاكل الاندماج مع الكادر المحلي الذي تم تطويعه حديثا، والذين شغلوا عموما المراتب الدنيا بسبب تواضع الخبرة وقصر فترة الخدمة. وكان على السلطة أن تتعامل مع التوقع الشائع لدى نشيطي الانتفاضة بأنهم استحقوا العضوية والرتبة في الشرطة، إقرارا بإسهامهم في النضال الوطني. وقد انطبق هذا بشكل خاص على الأعضاء المحليين للتنظيم الرئيسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، حركة فتح، العمود الفقري في تأييد اطار أوسلو، وعلى النشيطين الذين أمضوا فترات في السجون الاسرائيلية.
وأخيراً، وليس آخراً، فإن الفصل الجغرافي بين الضفة ا لغربية وقطاع غزة قد أدى إلى تعقيد بنية ووظيفة الشرطة الفلسطينية. فكان عليها أن تشكل قيادات وفروع موازية في كل منطقة وأن تعمل ضمن نظام قانوني وقضائي وإداري مزدوج ورثته السلطة في المنطقتين. إن تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق أ و ب و جـ حسب الاتفاقية الانتقالية لعام 1995 والوجود المستمر للكتل الاستيطانية في قطاع غزة قد أديا إلى شرذمة التواصل الجغرافي الضروري لحركة وعمل الشرطة في أدائها لمهامها المشروعة.

كشف المؤسسات
حسب الاتفاقية الانتقالية الفلسطينية-الإسرائيلية في العام 1995، فإن الشرطة الفلسطينية تشكل وحدة واحدة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية. وتتكون هذه القوة من ستة فروع عملياتية هي : الشرطة المدنية (بما في ذلك شرطة المرور، ومديرية البحث الجنائي، ووحدة مكافحة المخدرات وشرطة مكافحة الشغب)، و الأمن العام (قوات الأمن الوطني)، والأمن الوقائي، والأمن الرئاسي (القوة 17 سابقاً)، والمخابرات العامة، والدفاع المدني (خدمات الطوارئ والإنقاذ). ويشمل الأمن العام ست وحدات أخرى هي : المخابرات (المعروفة بالاستخبارات العسكرية) ، والشرطة البحرية، والشرطة الجوية، وشرطة الحدود، وشرطة الجمارك، وشرطة الانضباط (المعروفة بالشرطة العسكرية).
ومن المفترض أن يخضع أعضاء الفروع الستة لقيادة مركزية واحدة في كل محافظة. وتستجيب الشرطة مباشرة للرئيس عرفات، ولكن ليس بصفته وزيراً للداخلية. وبدلاً من ذلك فقد شكل المجلس الأعلى للأمن الوطني، مؤلفا من رؤساء كل فروع الشرطة ونوابهم، وذلك لتقديم الاستشارة والتوجيه في الأمور العملياتية. والرئيس عرفات هو أيضا القائد العام لقوات منظمة التحرير الفلسطينية خارج الضفة الغربية وقطاع غزة ، وذلك منصب ليس بالضرورة أن يتولاه أي خليفة له في السلطة. وقوة الشرطة هي التي تقدم أعضاء محكمة أمن الدولة في غزة، والتي تنعقد بناء على أوامر الرئيس.

الإنجازات
لقد حققت قوة الشرطة الفلسطينية تقدما هاما وملفتا في تحقيق أهدافها الرئيسية منذ عام 1994. والأهم أنها وفرت سيادة القانون والنظام العام للفلسطينيين الذين يعيشون تحت الولاية الكاملة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة ، في الوقت الذي عملت فيه الشرطة على إنجاز التزامات السلطة الفلسطينية الأمنية تجاه إسرائيل. وأظهرت الشرطة قدرتها على التنسيق الوثيق والفعال مع نظيرتها الإسرائيلية في مجالات مختلفة، وقد ارتهن ذلك فقط بحالة العلاقات بين القيادتين السياسيتين. وأقامت الشرطة الفلسطينية مؤخراً أقساماً جديدة للتعامل مع المسائل المدنية المتخصصة، مثل شرطة المجلس التشريعي وشرطة الجمارك. وتقوم الوكالات الأمنية الأميركية بالمراقبة على تنفيذ الشرطة الفلسطينية للالتزامات الأمنية تجاه إسرائيل منذ صدور مذكرة واي ريفر الموقعة في تشرين أول/ أكتوبر 1998، وذلك استجابة للهموم الأمنية الإسرائيلية. وفي حالات عدة منذ ذلك الحين، أكدت الإدارة الأمريكية على التزام السلطة الفلسطينية ببنود الاتفاق وأوعزت بتحويل المساعدة المالية التي تعهدت بها.
تطلب التقدم جهداً كبيراً للتدريب وإعادة التدريب لأفراد الشرطة الجدد وللكادر السابق لجيش التحرير الوطني الفلسطيني. وتم الكثير من ذلك بالتنسيق الوثيق مع الأسرة الدولية المانحة، التي وفرت التدريب في مجال حقوق الإنسان وسيادة القانون، ولا سيما للشرطة المدنية، وبالتعاون مع المنظمات غير الحكومية المحلية. إن القدرة المؤسساتية والأداء العملياتي قد اختلفا من فرع لآخر ومن محافظة لأخرى، لكن قوة الشرطة لها لوائح داخلية وبنى تنظيمية واضحة، وتقوم حاليا بالمصادقة على بيانات المهام وقواعد الاشتباك.
لقد حققت فروع معينة من الشرطة مستويات من الأداء والانضباط الداخلي تستحق الثناء، وهذا يعود جزئياً إلى حصولها على تدريب متخصص من قبل الأسرة الدولية المانحة وجزئيا إلى المثال الذي قدمه قادتها. وعلاوة على ذلك، فإن الشرطة المدنية بذلت جهوداً واعية لتطوير عمل الشرطة بالتعاون مع المجتمع المحلي ولها برنامج نشط للعلاقات العامة.
لقد عملت الشرطة الفلسطينية في هذه الأثناء على تلافي بعض التقصيرات في أدائها المبكر، وإن كان ذلك دون إزالتها نهائياً. فانتهاكات حقوق الإنسان تواصلت، ولكن نسبتها على ما يبدو انخفضت، وذلك جزئياً بسبب الاحتجاج الداخلي والضغط الخارجي. ولقد ساعد التدريب في مجال حقوق الإنسان، الذي موله إلى درجة كبيرة المانحون وقامت به جزئياً المنظمات غير الحكومية، على التقليص من الانتهاكات. وذات الشيء يمكن أن يقال عن الفساد والابتزاز وتورط مسؤولي الشرطة في نشاطات تجارية غير معلنة، علما أنه لا يمكن البت بحقيقة أو مدى مثل هذه المخالفات ولا بتراجعها. إن تشابك وتداخل الوظائف بين فروع الشرطة المختلفة بداية قد تقلص إلى درجة كبيرة، مما أدى إلى إلتزام أكبر بقواعد الإجراءات القانونية السليمة بما في ذلك استخدام المذكرات القضائية.
لعب المجلس الأعلى للأمن الوطني دورا هاما في هذا الصدد، حيث عمل على توضيح تقسيم العمل بين فروع الشرطة المختلفة فيما يتعلق بصلاحيات الاعتقال والتحقيق في القضايا الأمنية والمدنية. وقد جعل المجلس القضايا المدنية من اختصاص الشرطة المدنية، مع إمكانية الاستعانة بالفروع الأخرى عند الضرورة. وفي عام 1998 صاغ المجلس مشاريع لبيانات مهام موحدة ولقواعد للاشتباك، علما أن الرئيس عرفات لم يصادق عليها حتى الآن.
وعلاوة على ذلك، قامت الشرطة الفلسطينية أيضا بمهام الارتباط والتعاون الحساسة مع أطراف خارجية. فهي المسؤولة عن الجانب الفلسطيني عن توفير الطواقم في اللجنة الأمنية المشتركة، ولجان الارتباط الفرعية في المحافظات، والدوريات المشتركة مع نظيراتها في جيش الدفاع الإسرائيلي. وبالمثل، فهي توفر الضباط الكبار للجنة الأمنية الفلسطينية-الأوروبية الدائمة، واللجنة الثلاثية الأمريكية-الإسرائيلية-الفلسطينية، واللجنة الأمنية الثنائية الأمريكية-الفلسطينية.

التحديات
على الرغم من وجود هيكل تنظيمي، إلا أن هناك حاجة مستمرة لتوضيح وعقلنة الأساس البنيوي والقانوني للشرطة الفلسطينية. وهناك حاجة ملحة لإصدار قانون تأسيس للشرطة. لقد صرح إطار أوسلو بتأسيس قوة شرطة فلسطينية، ولكنه لم يقدم ما يدل على حقوقها أو حدود صلاحيتها، الأمر الذي ترك الطريق مفتوحاً للتنافس بين فروعها، ولانتهاك حقوق الإنسان، ولضعف الممارسة الإجرائية.
إن حقيقة كون الفروع المختلفة للشرطة، وحتى الأقسام والمديريات التابعة لها، تتصل مباشرة وبشكل منفصل برئيس السلطة الفلسطينية قد أثار انطباعاً واسعاً لدى الجمهور الفلسطيني والأسرة الدولية بأن هناك تكاثراً عشوائيا وارتجاليا لأجهزة الأمن في الضفة الغربية وقطاع غزة . ويتعزز هذا الانطباع لأن الرئيس يقوم على ما يبدو بكل التعيينات في المناصب العليا، بما في ذلك رؤساء الفروع الرئيسية والأقسام والمديريات التابعة لها.
إن تقسيم العمل بين فروع الشرطة قد تحسن، ولكنه بقي غير واضح بما فيه الكفاية. كما يعتمد التقسيم، على ما يبدو، على قرار الرئيس حسب الظروف أكثر من اعتماده على الوصف الرسمي المسبق للمهام. وهذا الأمر أدى إلى تعقيد التنسيق العملياتي وشجع على المنافسة، بالإضافة إلى أن فروعاً معينة أصبح قادتها ينظرون إليها كقاعدة قوة شخصية. وبالنظر إلى المستقبل، فإن هذا يمكن أن يؤدي إلى التنافس العنيف بين فروع معينة وإلى تدخلها المبطن في السلطة المدنية إذا ما حدثت أزمة خلافة على الرئاسة. وهذا الخطر يؤكد على الافتقار إلى خضوع فروع الشرطة للإشراف السياسي من قبل مجلس الوزراء والمجلس التشريعي والقضاء.
يفرض إطار أوسلو وحدة اعتباطية نوعا ما، ولأسباب سياسية، للهيكلية التنظيمية لقوة الشرطة الفلسطينية. هذا الأمر يجبر السلطة الفلسطينية على تجميع الوظائف الشرطية والأمنية المتباينة تحت قيادة واحدة. وهذه الوظائف تشمل حرس الحدود وخفر الساحل في غزة، ووحدات مكافحةالإرهاب، والأمن الداخلي والخارجي، والشرطة المدنية، والوظائف المتعلقة بالحفاظ على القانون والنظام العام.
إن إقامة المجلس الأعلى للأمن الوطني في عام 1994 أمر يمكن تفهمه في هذا الصدد. ولكن بقاء القواعد الإجرائية و الصلاحية الوظيفية الخاصة بالمجلس غير مقرة رسميا يقوض قدرته على التصرف كإطار قيادي فعال. ما يزيد من المشكلة أن 30-40 شخصا يحق لهم حضور اجتماعات المجلس، الأمر الذي يجعله مثقلا وغير فعال نسبياً، في الوقت الذي يتم فيه تهميش المدير العام للشرطة. إن الشعب الإدارية المركزية للشرطة غير قادرة كذلك، بسبب هذا الوضع، على تحديد الأولويات وتوحيد الخدمات مثل التدريب، مما يحد من الفوائد المحتملة للمساعدة التقنية الدولية.
إن افتقار المجلس الأعلى للأمن الوطني إلى جدول عمل واضح ومحدد أو استقلالية وظيفية ينعكس أيضاً في عدم قدرته على الاجتماع الا بحضور رئيس السلطة. وهذا أمر خطير إذا ما برز تهديد أمني خطير في غياب الرئيس. إن خضوع المجلس للسلطة المدنية يحتاج إلى إقرار واضح ضمن التحديد الرسمي لصلاحياته وقواعده الإجرائية. إن افتقار وزارة الداخلية للسلطة على أي فرع من فروع الشرطة هو أمر مقلق بهذا الصدد.
إن الفصل الجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة وصعوبة الحركة بين مدن الضفة قد أديا إلى تعقيد العمليات الأمنية وتطبيق القانون على المستوى المحلي. ولكن باستطاعة السلطة الفلسطينية أن تفعل المزيد لتوضيح وتثبيت تقسيم المسؤوليات وتسلسل القيادة. إن اللجان الأمنية المؤلفة من ممثلي فروع الشرطة المختلفة توفر آلية للتنسيق بينها وبين الحكم المحلي في بعض مدن الضفة الغربية، ولكن ليس في جميعها. وعلاقة هذه اللجان بالمجالس البلدية لا تحددها لوائح رسمية، وقد يؤدي ذلك بالشرطة إلى ممارسة تأثير يتجاوز الحدود المقبولة في الشؤون البلدية. إن ازدواجية وتشوش الأدوار يتكرران مع المحافظين الذين يعينهم الرئيس في الضفة الغربية، وهم موظفون في وزارة الداخلية ومسؤولون إسميا عن شؤون الأمن الداخلي في محافظاتهم.
إن ولاية الشرطة الفلسطينية ستتضح أكثر لو تم توحيد الإطار القانوني والنظام القضائي في الضفة الغربية وقطاع غزة . وهناك مشكلة ملحة بشكل خاص تكمن في ضرورة تعزيز قدرة الشرطة الفلسطينية على تنفيذ قرارات المحاكم، وربما بإنشاء شرطة قضائية فاعلة. ومن المهم أيضاً تخويل النائب العام والتأكيد على سلطة واستقلالية منصبه، ولا سيما في العلاقة مع الشرطة ورئيس السلطة الفلسطينية. إن التوسع الاخير لصلاحيات محكمة أمن الدولة للعمل في قضايا التهريب والتهرب من دفع ضريبة القيمة المضافة التي يقوم بها مدنيون وغيرها من "الجرائم الاقتصادية" ، قد أدى إلى المزيد من إضعاف سلطة المحاكم المدنية وأثبت الحاجة إلى الفصل الواضح في الواجبات والولاية الوظيفية. وتتسم هذه الخطوات بالأهمية لتحسين الفعالية والعمل المهني في الشرطة الفلسطينية ولوضع علاقاتها مع الجمهور على أساس سليم.
وللسبب ذاته، فإن تثبيت الصيغة القانونية الرسمية لبيانات مهام الشرطة وقواعد الاشتباك والمصادقة عليها لا بد وأن تتم. لقد وضع المجلس الأعلى للأمن الوطني مشاريع لهذه الوثائق في أواخر 1998 ويحاول الالتزام بها في الممارسة العملية، ولكن لم يصادق عليها رئيس السلطة حتى الآن. وقد اتضح أيضا أن كادر الشرطة على كل المستويات يجهل صراحة وجود قواعد رسمية للاشتباك أو لا يرى أهميتها. وهذا يشير إلى أن القواعد والنظم الموحدة لا تطبق عن قصد واع، حتى لو وجدت فعلا. ويمكن أن يكون الوضع أفضل في فرع الشرطة المدنية بشكل خاص، ولكن هناك نقصاً في المعلومات والشفافية حول هذه الأمور ، سواء داخل قوة الشرطة الفلسطينية ذاتها أو لدى الجمهور العام والمحامين ومنظمات حقوق الإنسان. ويتوقف تحقيق المزيد من التقدم على تطبيق المشروع القائم منذ عدة سنوات، القاضي بتأسيس أكاديمية للشرطة توفر التدريب على أساس منهاج موحد، بمساعدة الأسرة الدولية المانحة.
لقد ورثت الشرطة لوائح داخلية من جيش التحرير الوطني الفلسطيني تحكم شؤون الانضباط والأفراد، ولكن تطبيقها يبدو خاضعاً لإرادة الرئيس. ومن الأمور المقلقة أيضا جداً الحاجة إلى قاعدة سلوك واضحة تحكم انخراط أفراد وضباط الشرطة في النشاطات التجارية على أنواعها. وعلى الرغم من أن سلوك الغالبية ملائم على ما يبدو، إلا أن هناك مجالا واضحاً لسوء استخدام المنصب ولاستغلال التحكم الحصري بحرية الدخول والخروج إلى ومن مناطق السيطرة الأمنية للسلطة الفلسطينية. كما تشير التقارير إلى العمل غير المخول لفروع معينة من الشرطة في جمع الضرائب. وقد أقيمت منشآت الشرطة الفلسطينية في حالات معينة بفضل تبرعات من التجار المحليين. وهذا يمكن أن يعكس التأييد العام للشرطة الفلسطينية وشحة الموارد المالية للسلطة الفلسطينية، ولكن يمكن أيضا أن يؤدي إلى ممارسات فاسدة وإلى ثقافة يتوقع بناءا عليها بعض أعضاء الجمهور أن يتلقوا معاملة وخدمات تفضيلية لقاء محاباة مادية.
إن مسائل الفعالية والسلوك القانوني تنشأ إلى حد ما بسبب العدد المبالغ فيه لأفراد قوة الشرطة. إن الأمن وحفظ القانون يحتلان الجزء الأكبر من نفقات السلطة الفلسطينية المتكررة، حيث يصلان إلى 30% من الميزانية العامة. وهناك أسباب سياسية يمكن تفهمها للتوظيف الزائد في القطاع العام على وجه العموم، ولكن هذا ترك الرواتب الأساسية في الشرطة أقل بالثلث مما هي عليه في الخدمة المدنية ودون مستوى الدخل المطلوب لتجاوز خط الفقر.
إن الأجر المنخفض يعني أيضاً قبول العناصر الجدد المنخفضي النوعية، وخسارة محتملة للكادر الأفضل تدريباً ونوعية في ظل ضغط التضخم الاقتصادي أو عندما تتحسن الظروف في الاقتصاد المدني. إن التكاليف الإضافية للتدريب والتجهيز تعني أن الشرطة لم تحقق التوازن المطلوب بين الكلفة والفعالية. كما أن الافتقار إلى الشفافية فيما يتعلق بعدد الأفراد وبالإنفاق يعيق المساءلة السياسية والمالية أمام المجلس التشريعي.
إن تدني الأداء يعني أيضاً مستويات متدنية من الاستحسان والثقـة لدى الجمهور الفلسطيني ولدى النظراء الخارجيين للسلطة الفلسطينية في إسرائيل والأسرة الدولية على حد سواء. ولهذا، فإن حجم قوة الشرطة الفلسطينية، حين يكون أكبر من اللزوم، سيؤدي إلى نتائج عكسية من الناحية السياسية أيضا. وهناك مشكلة سياسية أخرى تكمن في التماثل الوثيق بين الشرطة الفلسطينية بشكل عام وبعض فروعها بشكل خاص، وبين التنظيم المهيمن في منظمة التحرير الفلسطينية وهو حركة فتح. إن التدريب المرتكز على منهاج وطني موحد لا بد وأن يؤكد على السلوك المهني وسيادة القانون، على حساب الانتماء الفئوي.

التوصيات

  1. ينبغي أن تخضع الشرطة الفلسطينية ككل لسلطة مدنية واضحة، وأن تخضع أيضا للمراقبة السياسية من قبل السلطة التشريعية وللتدقيق الخارجي من قبل هيئة رقابة تقدم تقاريرها إلى السلطة التشريعية.
  2. ينبغي إيضاح التسلسل القيادي في الشرطة الفلسطينية ككل وفي داخل فروعها المختلفة، كما ينبغي أن يوضع ذلك التسلسل محل التنفيذ الفعلي.
  3. ينبغي المصادقة على بيانات المهام والقواعد الإجرائية التي وضعها المجلس الأعلى للأمن الوطني لفروع الشرطة الفلسطينية المختلفة، كما يجب تطبيقها وجعلها متاحة للاطلاع العام.
  4. لا بد من تحسين فعالية الشرطة مقارنة بتكلفتها، ويمكن أن يتم ذلك جزئيا بتقليص تعداد الأفراد بشكل ملموس.
  5. تنبغي المصادقة على مهام وقواعد إجرائية واضحة للمجلس الأعلى للأمن الوطني، إذا كان سيتم الاحتفاظ به كهيكل تنظيمي.
  6. توحيد الإطار القانوني والنظام القضائي في الضفة الغربية وقطاع غزة من شأنه أن يوضح ولاية الشرطة الفلسطينية. وقدرة الشرطة على تنفيذ قرارات المحاكم يمكن أن تتعزز بإيجاد شرطة قضائية فاعلة.
  7. القرار القائم منذ عدة سنوات بإنشاء أكاديمية شرطة ينبغي أن ينفذ، كما تنبغي صياغة منهاج موحد.
  8. ينبغي على الشرطة منع فروعها المختلفة من القيام بأي شكل من أشكال جباية الواردات أو القيام بنشاط تجاري ليست مخولة به حسب قانون تأسيسها.
  9. لا بد من توضيح العلاقة ما بين الشرطة الفلسطينية من جهة والحكم المحلي من جهة أخرى.


آراء إضافية
حول أهمية تحديد اتجاه المسار

يقدم هذا التقرير وثيقة هامة. ويجدر الثناء على مؤلفيه للعمل الذي قاما به، وكذلك على مجلس العلاقات الدولية لقيامه بدفع هذا المشروع الكبير قدما والالتزام بجدول زمني صارم.
أود إبداء ثلاث ملاحظات حول التقرير:
أولا، تصيب التوصيات المتضمنة في هذا التقرير جوهر الحكم الصالح. وتنطبق ليس على السلطة الفلسطينية وحدها، بل وعلى العديد من الحكومات في أنحاء العالم. ولكن تجد السلطة الفلسطينية نفسها في بيئة معقدة لا تتمتع بالسيطرة الكاملة عليها، فهي ليست حكومة في بلد مستقل. واعتبر هذا التقرير بمثابة دليل مفيد للسلطة الفلسطينية. وأرجو ألا يفوق قدرات السلطة.
ثانيا، ينبغي أن يقر التقرير بأن تنفيذ توصياته الشاملة، وجميعها تقريبا مرغوب بها، سوف يستغرق سنوات عديدة، وربما عقودا من الزمن، حتى يتم. ويجدر عدم توقع نتائج سريعة. إن المهم هو اتجاه المسار والاستعداد الظاهر لدى السلطة لمحاولة التعامل مع الكم الكبير من المقترحات المقدمة.
ثالثا، هناك رسالة متضمنة في هذا التقرير موجهة إلى الولايات المتحدة والمانحين الآخرين. وكان ينبغي أن يحتوي التقرير على بعض الخطوات الجوهرية اللاحقة التي يمكن للأصدقاء الدوليين والزملاء الإقليميين للفلسطينيين أن يساعدوا على تحقيقها. وسوف تزداد قيمة التقرير كثيرا لو تمكنت الأسرة الدولية من العثور على أساس لخطة متجانسة ومنسقة لمساعدة الفلسطينيين على مساعدة أنفسهم.

لي هاملتون


المؤلفان

يزيد صايغ، مدير مساعد للدراسات في مركز الدراسات الدولية في جامعة كامبردج، ومستشار لشؤون الشرق الأوسط في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن. عمل مستشارا للوفد الفلسطيني لمحادثات السلام الثنائية مع إسرائيل في واشنطن بين سنوات 1991-1993، وعضوا في الوفد الفلسطيني الذي قام بالتفاوض حول اتفاق قطاع غزة ومنطقة أريحا (اتفاق القاهرة) الموقع في 4/5/1994. من ضمن كتبه المنشورة:

Armed Struggle and the Search for State: The Palestinian National Movement, 1949-1993 (Oxford: Clarendon Press, 1997); The Third World Beyond the Cold War: Continuity and Change (Co-Edited with Louise Fawcett, Oxford University Press, 1999); and The Middle East and the Cold War (Co-Edited with Avi Shlaim, Clarendon Press, 1997).


خليل الشقاقي، أستاذ مشارك في العلوم السياسية ومدير المشروعات في مركز البحوث والدراسات الفلسطينية في نابلس. حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة كولومبيا في عام 1985. من ضمن أبحاثه المسحية قام منذ عام 1993 بالإشراف على إجراء ما يزيد عن أربعين استطلاعا للرأي العام في الشؤون الفلسطينية الداخلية وقضايا الديمقراطية والحكم والتعاطف السياسي وعملية السلام والأمن والعنف وغيرها. من ضمن كتبه المنشورة: التحول نحو الديمقراطية في فلسطين: عملية السلام، البناء الوطني، والانتخابات (نابلس: مركز البحوث والدراسات الفلسطينية، 1996)

Transition to Democracy in Palestine: the Peace Process, National Reconstruction, and Elections (Nablus: CPRS, 1996)

وقطاع غزة والضفة الغربية: العلاقات السياسية والإدارية المستقبلية (القدس: الجمعية الأكاديمية الفلسطينية لدراسة الشؤون الدولية، 1994).


قائمة بأوراق وموجزات إضافية

Samir Abdullah

Ministry of Finance

Wassim Abdullah

Lobbying Institutions

Yara Abdul-Hamid

Monopolies

Yara Abdul-Hamid

Ministry of Labor

Yara Abdul-Hamid

Ministry of Trade and Economy

Omar Abdul-Razeq

Palestinian Central Bureau of Statistics

Rex Brynen

International Donor Community

Layth Dajani

Palestinian Economic Council for Development and Reconstruction

Ibrahim Deak

Ministry of Agriculture

Mohammad Hamdan

Palestinian Environmental Authority

Abdul-Rahman Hasan

Ministry of Energy

Ishaq Qutob

Ministry of Housing

Taleb al-Sarie

Palestinian Monetary Authority

Yousef Zummor

Ministry of Finance

author not stated

Ministry of Tourism


قائمة بالاتفاقات الفلسطينية-الإسرائيلية

  • Declaration of Principles on Interim Self-Government Arrangements (Oslo Accord), September 13, 1993.

  • Protocol on Economic Relations (Paris Protocol, incorporated as Annex IV of the Cairo Agreement and as Annex V of the Interim Agreement), April 29, 1994.

  • Agreement on the Gaza Strip and Jericho Area (Cairo Agreement, Gaza-Jericho Agreement), May 4, 1994.

  • Agreement on Preparatory Transfer of Powers and Responsibilities (Early Empowerment Agreement), August 29, 1994.

  • Protocol on Further Transfer of Powers and Responsibilities, August 27, 1995.

  • Israeli-Palestinian Interim Agreement on the West Bank and Gaza Strip (Interim Agreement, Oslo II Agreement, Taba Agreement), September 28, 1995.

  • Protocol Concerning the Redeployment in Hebron (Hebron Protocol), January 17, 1997.


[ الصفحة الرئيسية ] [إصدارات ونشاطات الوحدة ] [قائمة المحتويات ] [الجزء السابق من التقرير الحالي ]