ملاحظات أولية على خطة خارطة الطريق
المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية ملاحظات أولية على خطة خارطة الطريق:
(4) الإصلاح السياسي والقيادي:

(4) الإصلاح السياسي والقيادي:

تشير الخطة إلى جملة من الإصلاحات السياسية المطلوبة في المرحلة الأولى: (1) صياغة دستور بنظام برلماني ديمقراطي قوي ورئيس للوزراء ذي سلطات، (2) تعيين رئيس وزراء انتقالي ذي سلطات أو إقامة حكومة مخولة أو جسم معين لصناعة القرار، (3) إصلاح مؤسسي وقانوني يؤدي لفصل حقيقي بين السلطات (4) تعديل قانون الانتخابات الفلسطيني، (4) إصلاحات في الإدارة والاقتصاد والقضاء حسبما حددت لجنة الإصلاح الدولية المنبثقة عن اللجنة الرباعية  (5) تشكيل لجنة انتخابات مستقلة وإجراء انتخابات حرة ومفتوحة.

ليس هناك أي مشكلة في مضمون هذه الإصلاحات فيما عدا الإصلاح الوارد في البند الرابع أعلاه الذي يعطي للجنة الإصلاح الدولية الحق في وضع بنود محددة للإصلاح حتى بدون موافقة أو تنسيق مع الطرف الفلسطيني. إن في هذا البند مؤشر لتوجه دولي جدي نحو محاولة فرض وصاية مدنية وإدارية على السلطة الفلسطينية.

لكن هناك مشكلة كبيرة في وضع شرط الإصلاح السياسي ضمن مبادرة دولية حيث أن في ذلك تدخلاً سافراً في شؤون داخلية للطرف الفلسطيني. لا يكمن الخطأ في المطالبة الدولية بالإصلاح وإنما في جعل إجراء هذه الإصلاحات شرطاً مسبقاً للاستقلال. ومما يفاقم المشكلة اشتراط الانتقال للمرحلة الثانية من خارطة الطريق بموافقة كافة أعضاء الرباعية وإقرارهم بأن الطرف الفلسطيني قد أوفى بكافة هذه التعهدات. إن من المعروف أن للولايات المتحدة (وإسرائيل بالطبع) تفسيرها الخاص لكافة هذه الإصلاحات وهو تفسير يجيء تحت عنوان "تغيير النظام". بعبارة أخرى، إن لم تؤد هذه الإصلاحات إلى جعل منصب الرئيس عرفات منصباً رمزيا (وهو أمر يوجد حوله خلاف واستقطاب فلسطيني داخلي) فإن الولايات المتحدة قد تعارض أي ضغوط على إسرائيل للانتقال للمرحلة الثانية، بل وربما تعارض أي ضغوط على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها في المرحلة الأولى. إن النص الوارد في مقدمة المرحلة الثانية من الخطة، والذي يؤكد على أن قيام الدولة ذات الحدود المؤقتة "سيتحقق عندما يكون للشعب الفلسطيني قيادة تعمل بحزم ضد الإرهاب، ولها الرغبة والقدرة على بناء ممارسة ديمقراطية..." سيوفر بالتأكيد الذريعة المناسبة للولايات المتحدة وإسرائيل وذلك في حالة قيام الناخب الفلسطيني بإعادة انتخاب ياسر عرفات في الانتخابات المقررة في نهاية المرحلة الأولى. إن الموقف الأمريكي تجاه هذه المسألة ليس سراً وقد تم إبلاغه أكثر من مرة لوفود فلسطينية رسمية زارت واشنطن، وهو الموقف المعلن للحكومة الإسرائيلية بقيادة شارون.

(5) "التشابك" الفلسطيني-الإسرائيلي لإقامة الدولة

تشير الخطة إلى أن "تشابكاً" فلسطينياً-إسرائيلياً (ينطلق من المؤتمر الدولي الذي يعقد في المرحلة الثانية) سيؤدي لولادة الدولة الفلسطينية ذات الحدود المؤقتة. كما تشير الخطة إلى أن عملية "التشابك" هذه ستشمل "تطبيقاً لاتفاقات سابقة لتعزيز الحد الأقصى من التواصل الإقليمي، بما في ذلك خطوات أخرى تتعلق بالاستيطان..." ليس واضحاً ما هو المقصود "بالتشابك". يمكن لإسرائيل في ظل هذا الغموض الادعاء بأن المقصود هو "مفاوضات" (كما جاء في المسودة الأولى لخارطة الطريق) وأنه يعطي بالتالي لها الحق في تحديد كل هذه الأمور. ويمكن للطرف الفلسطيني إعطاء نفس التفسير وبالتالي المطالبة بدور مماثل لدور إسرائيل في رسم الحدود المؤقتة وتحديد سمات السيادة. إن هذا الغموض لا يخدم أحداً إلا الطرف الإسرائيلي. ماذا سيحدث في حالة كهذه؟ وخاصة عندما يفشل الطرفان في التوصل لاتفاق حول قيام الدولة أو عدم قيامها؟ حول سمات السيادة التي ستتمتع بها؟ حول المقصود بتنفيذ الاتفاقات السابقة؟ حول المقصود بالتواصل الإقليمي؟ وحول المقصود بخطوات أخرى تتعلق بالاستيطان؟ ستدّعي إسرائيل عندها أنها هي وحدها صاحبة الحق في رسم الحدود المؤقتة وتحديد سمات السيادة وأن "التشابك" لا يعني إلا "التنسيق" مع الطرف الفلسطيني لإبلاغه بالقرارات الإسرائيلية. 

 (6) موعد بدء المفاوضات النهائية

ليس واضحاً لماذا تؤجل الخطة عملية بدء المفاوضات النهائية حتى مطلع عام 2004. فإن نجح الطرفان في المرور بسلام من المرحلة الأولى، فما المانع في بدء المفاوضات النهائية فور بدء المرحلة الثانية وانطلاقاً من المؤتمر الدولي الأول الذي يتم عقده في تلك الفترة؟ في هذه الحالة تسير المفاوضات النهائية جنباً إلى جنب مع "التشابك" الفلسطيني-الإسرائيلي الهادف لإقامة الدولة ذات الحدود المؤقتة. فإن نجح الطرفان في التوصل لحل دائم بشكل سريع فيمكن عندها القفز عن مرحلة الدولة ذات الحدود المؤقتة.

(7) مؤسسات القدس

تطالب الخطة إسرائيل بإعادة فتح الغرفة التجارية "ومؤسسات أخرى مغلقة في القدس الشرقية". إن هذه الصياغة لا تعني بالضرورة كافة المؤسسات الأخرى المغلقة، وبالتالي يمكن لإسرائيل الادعاء مثلاً بأن هذا البند في المرحلة الأولى من الخطة لا يعني إعادة فتح بيت الشرق.

(8) الأسرى والمعتقلون

تخلو الخطة من أي ذكر لمصير آلاف الأسرى والمعتقلين الذين شاركوا في الانتفاضة فلا تأتي على ذكرهم في أي من مراحلها الثلاثة.

(9) الأداء والبرنامج الزمني وقدسية المواعيد

تحمل الخطة عنواناً ذي مغزى: "خارطة طريق مبنية على الأداء". إن المقصود بالطبع أن للأداء في تنفيذ الالتزامات أهمية قصوى في تحديد الانتقال من مرحلة إلى أخرى خلال الفترة الزمنية المحددة لتطبيق الخطة وهي ثلاث سنوات على أقصى حد. أما الجدول الزمني فهو جدول "واقعي" كما جاء في مقدمة الخطة، وهناك فرق هائل بين ما هو "واقعي" وما هو "ملزم". لهذا فإن المواعيد ليست مقدسة، وهي ليست سوى اقتراحات مقدمة للطرفين، فإن جاء الأداء سريعاً فإن مقدمة الخطة تبشر بأن التقدم عبر المراحل قد يكون أسرع مما هو مقترح. أما إن كان الأداء بطيئاً أو ناقصاً، فإن مقدمة الخطة تهدد بأن ذلك "سيعيق التقدم" عبر المراحل.

تتجاهل الخطة أن هناك عدم تماثل في الثمن المدفوع من كل طرف عند التقاعس عن الأداء. فللفلسطينيين مصلحة في إنهاء المراحل بأسرع فرصة ممكنة للوصول للحل الدائم. أما إسرائيل فسرعان ما تفقد الدافعية للتقدم عبر المراحل فور التزام الطرف الفلسطيني بوقف إطلاق النار في الأيام والأسابيع الأولى من المرحلة الأولى. بل على العكس، إن لإسرائيل مصلحة في تأخير الانتقال للمرحلة الثانية لأطول فترة ممكنة. كما أن لها مصلحة في تمديد المرحلة الثانية لعشرات السنوات. كل ما على إسرائيل عمله هو تأجيل تنفيذ التزاماتها. فمن الذي سيفرض عليها تطبيق التزاماتها في مواعيدها "المقترحة"؟

 (10) الحكم على الأداء في ظل ادعاءات متناقضة من الأطراف

تعطي اللجنة الرباعية نفسها الحق في تقييم أداء الطرفين والحكم عليه وبالتالي تحديد الموعد الحقيقي للانتقال من مرحلة إلى أخرى. تحدد الخطة في مقدمة المرحلة الثانية ومقدمة المرحلة الثالثة أن على هذا الحكم أن يكون بإجماع أعضاء الرباعية. لكن الخطة لا تضع آلية لمعالجة وضع يدعي فيه أحد طرفي الصراع أنه قد أكمل التزاماته فيما يرفض الآخر هذا الادعاء. ما هي قيمة إجماع الرباعية عندها ما لم تكن مستعدة لإلزام الطرف الآخر بقبول حكمها؟

 

التوصيات

(1) إن البندين المتعلقين بسمات سيادة الدولة وبتواصلها الإقليمي والواردين في المرحلة الثانية بحاجة إلى شرح تفصيلي يوضح ماهية الدولة وحدودها بدون أن يترك لإسرائيل الفرصة لتجميد تطبيق خارطة الطريق عندما ترفض السماح بسيادة حقيقية للدولة وعندما ترفض إجراء إعادة انتشار ثالثة وإخلاء للمستوطنات القائمة في وسط الضفة الغربية وقطاع غزة والتي لا يمكن في ظل تواجدها قيام تواصل إقليمي حقيقي للدولة. إن الفشل في إجراء هذا التعديل على الخطة كفيل بتجميد تنفيذها عند الانتهاء من المرحلة الأولى. على هذا التعديل أن يضمن كامل السيادة للدولة فيما عدا ما يتم الاتفاق عليه بين الأطراف، وعليه أن يضيف لخارطة الطريق خارطة جغرافية تفصيلية ترسم الحدود المؤقتة للدولة الفلسطينية وتحدد أسماء المستوطنات التي سيتم إخلاؤها من أجل ضمان التواصل الإقليمي الفلسطيني. كما يجب على الخطة أن تحدد الموعد الأقصى لإعادات الانتشار وإخلاء المستوطنات المحددة. إن الإهمال الذي تظهره الرباعية في التعامل مع قضايا السيادة والحدود المؤقتة قد يخفي خلفه خطراً مستتراً. قد تعتقد الرباعية أن الفلسطينيين سيقبلون بدولة بالاسم فقط وعلى حدود سيطرتهم الحالية في منطقتي "أ" و"ب" فقط. إن صح هذا التخوف، فإن خطة الطريق تصبح نكتة سمجة سرعان ما ستفجر الأمور وتجعلها أكثر سوءاً مما هي اليوم. 

(2) هناك حاجة ماسة لإعادة ذكر المبادرة السعودية وذكر عنصريها الأساسيين (حدود 1967 والتطبيع) ضمن قواعد التسوية الدائمة الواردة في البند الخامس من المرحلة الثالثة. كما أن هناك حاجة ماسة لربط عملية التطبيع الواردة في البند السادس من المرحلة الثالثة بالمبادرة السعودية وذلك لجعل اشتراط التطبيع بالعودة لحدود 1967 اشتراطاً إلزامياً.

(3) هناك حاجة لتوضيح الموقف من مسألة إزالة البؤر الاستيطانية في المرحلة الأولى: هل المقصود جميعها أم بعض منها. كذلك، هنالك حاجة أولاً لتوضيح المقصود "بخطوات إضافية تتعلق بالمستوطنات" وثانياً لفصل هذه المسألة عن قضية تنفيذ الاتفاقات السابقة بحيث يكون واضحاً أن في ذلك البند التزامات إسرائيلية جديدة وبحيث يكون واضحاً أيضاً أن هدف هذه "الخطوات الإضافية" ضمان التواصل الإقليمي الفلسطيني. 

 (4) هناك حاجة لتعديل البند السادس الذي يأتي تحت الفرع المعنون "بناء المؤسسات الفلسطينية" في المرحلة الأولى من الخارطة بحيث يكون عمل اللجنة الدولية للإصلاح المنبثقة عن اللجنة الرباعية مرتبطاً بتنسيق وتعاون وإقرار فلسطيني وليس فرضاًَ كما قد يُفهم من النص الحالي.

 (5) هناك حاجة لإيضاح البنود المتعلقة بإجراء إصلاحات قيادية كالإشارة لرئيس وزراء ذي سلطات أو لمجلس وزراء مخول أو لجسم يصنع القرار. إن أي غموض في هذا المجال سيتيح لإسرائيل والولايات المتحدة الادعاء بأن الطرف الفلسطيني قد أخل بالتزاماته. وينطبق الأمر ذاته على النص الوارد في مقدمة المرحلة الثانية والذي يشير إلى قيام الدولة ذات الحدود المؤقتة عندما يكون للفلسطينيين قيادة ذات صفات معينة. هناك حاجة لإضافة نص واضح هنا يؤكد على أن الرباعية ستقبل بالقيادة التي سينتخبها الشعب الفلسطيني.

 (6) هناك حاجة لإيضاح المقصود "بالتشابك" الفلسطيني-الإسرائيلي الوارد في البند الخامس من المرحلة الثانية، وهل يعطي إسرائيل حق الفيتو على قيام الدولة أو على سمات سيادتها أو على تواصلها الإقليمي؟ إن بقاء النص كما هو يوفر لإسرائيل كل ما تحتاجه لإيقاف خارطة الطريق عند المرحلة الأولى ومنع تقدمها تجاه الدولة ذات الحدود المؤقتة وتجاه المفاوضات النهائية. إن من الأفضل إعطاء المؤتمر الدولي الحق في حسم اختلافات كهذه.

(7) ليس هناك من سبب يمنع إطلاق المفاوضات النهائية مع بداية المرحلة الثانية، وليس الثالثة، بحيث يطلق المؤتمر الدولي المنعقد في بداية المرحلة الثانية عمليتي إقامة الدولة ذات الحدود المؤقتة والمفاوضات النهائية في آن واحد.

(8) من أجل ضمان الإبقاء على التزامات الطرفين  السابقة غير المطّبقة حتى الآن ولضمان عدم تفسير هذه الخطة وكأنها إلغاء لما قبلها من التزامات غير مطبقة، هناك حاجة لتضمين مقدمة الخطة ما يؤكد على أن كافة البنود الواردة في الخطة لا تشكل إعفاءاً من التزامات مسبقة تعهد الطرفان بها.

(9) هناك حاجة لتعديل البند المتعلق بفتح مؤسسات القدس في المرحلة الأولى بحيث يتم الإشارة بالإسم لبيت الشرق أو يتم استبدال النص القائم بنص يطالب بإعادة فتح كافة المؤسسات المغلقة.

(10) هناك حاجة لإضافة بند في المرحلة الأولى من الخطة يضمن إيجاد آلية تشرف عليها الرباعية ويحدد تواريخ محددة للإفراج عن أسرى ومعتقلي الانتفاضة.

(11) هناك حاجة لإعادة النظر في مسألة الربط بين الأداء والبرنامج الزمني المحدد في الخطة بحيث يراعي ذلك وجود عدم تماثل في دافعية الطرفين للتقدم عبر المراحل. فإن كان من مصلحة إسرائيل ربط التقدم عبر المراحل بالأداء الفلسطيني المكتمل في كل مرحلة، فإنه ليس من مصلحة الفلسطينيين الربط بين الأداء الإسرائيلي والتقدم عبر المراحل. ما يحتاجه الفلسطينيون هو إيجاد آلية لإلزام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها بنفس السرعة التي يلتزم الفلسطينيون فيها بالتزاماتهم.

 (12) هناك حاجة لتضمين الخطة بنداً يجعل الأحكام المتعلقة بأداء الأطرف أحكاماً إلزامية أو بخلق آلية للاستئناف عليها وذلك لإعطاء المصداقية للدور الذي ستلعبه اللجنة الرباعية وللخطة بمجملها.

 

الطريق نحو وصاية دولية؟

ليس هناك شك أن الخطة تفرض بنوداً صعبة على الجانب الفلسطيني في الجوانب الأمنية والإصلاحية والسياسية التفاوضية. فالجوانب الأمنية لا تكتفي بوقف شامل لإطلاق النار، بل تطالب بإجراء اعتقالات لأفراد ومجموعات، وتدمير القدرات والبنية التحتية لمجموعات مقاومة فلسطينية مثل حماس والجهاد الإسلامي وغيرهما، وجمع السلاح غير المرخص، وتوحيد الأجهزة الأمنية الفلسطينية في ثلاثة أجهزة تخضع لإمرة وزير داخلية ذي سلطات، والعودة للتعاون الأمني مع إسرائيل حسبما جاء في خطة تينت. لن يكون ممكناً للطرف الفلسطيني الاكتفاء بإطلاق تصريحات أو بيانات بوقف إطلاق النار أو بتوجيه الدعوات المؤدبة لفصائل المقاومة الفلسطينية بالتوقف عن إطلاق النار كما حدث في مرات سابقة.

كما أن الجوانب الإصلاحية تشمل في جوهرها تقليص تدريجي لدور الرئيس عرفات في صناعة القرار الفلسطيني وتحويل بعض من صلاحياته الأمنية والمالية وغيرها إما لرئيس للوزراء أو لمجلس الوزراء أو للوزراء أنفسهم. لن يكون من الممكن إجراء تعديلات صورية كما تعودت القيادة الفلسطينية على عمله في مرات سابقة عندما واجهت طلبات دولية أقل من هذه بكثير.

كذلك الأمر بالنسبة للجوانب السياسية التفاوضية حيث ستجد القيادة الفلسطينية نفسها مطالبة بإعلان قيام دولة على جزء من المناطق الفلسطينية المحتلة ولقبول أسس لحل دائم بالنسبة للقدس واللاجئين تميل في جوهرها لخدمه الأغراض التفاوضية الإسرائيلية أكثر من الفلسطينية. لن يكون من الممكن تجاهل هذه الأسس عند بدء المفاوضات النهائية.

حتى لو افترضنا جدلاً أن إسرائيل أظهرت استعداداً مفاجئاً لتطبيق الخطة بأمانة، فإنه في ظل الضعف الذي طرأ على قدرات السلطة الفلسطينية وفي ظل فقدان قيادتها للكثير من التأييد الشعبي والإرادة السياسية، وفي ظل تجربة السنوات التسعة الماضية، وخاصة سنوات الانتفاضة، يبدو أن قدرة السلطة الفلسطينية على تنفيذ التزاماتها حسبما جاء في خطة خارطة الطريق ضئيلة. ففصائل المقاومة، وخاصة الإسلامية منها، لن تتعاون في تطبيقها، ولن يقبل الرئيس عرفات بإجراء إصلاحات حقيقية تقلص من صلاحياته، بل ولن يمتلك على الأرجح الإرادة السياسية الحازمة لإخراج الشعب الفلسطيني من مأزقه الراهن في ظل الشروط القاسية المفروضة في الخطة.

في ظل الغموض الذي يعتري الكثير من مصطلحات الخطة فإن من المرجح أيضاً أن تجد حكومة إسرائيل الجديدة، التي ستتشكل بعد الانتخابات القادمة في نهاية يناير 2003، صعوبات كبيرة في تطبيق بنود الخطة بالتفسير الفلسطيني لها. ستعمل هذه الحكومة على وضع تفسيرات لبنود الخطة تتلاءم مع ظروفها السياسية التي لن تكون مستعدة لقبول قيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة حقيقية بدون ضغط أمريكي هائل. هناك شك كبير في وجود إرادة سياسية أمريكية لممارسة ضغط كهذا على الدولة اليهودية.

إن صحت هذه الاستنتاجات، فإن خارطة الطريق لن تقود إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة وإنهاء الاحتلال، بل ستقود لقيام وصاية أمنية ومدنية دولية تستبدل الاحتلال الإسرائيلي باحتلال عسكري دولي وتستبدل السلطة الفلسطينية بإدارة دولية وذلك عندما تستنتج الولايات المتحدة وبقية أطراف الرباعية أن طرفي الصراع غير قادرين وحدهما على إنهائه. إن الطريق الأنجع لمنع حدوث تطور كهذا يكمن في اتخاذ القيادة الفلسطينية قراراً جريئاً وحاسماً بتطبيق خارطة الطريق بأي ثمن رغم ما فيها من مساوئ، أو اشتراط قبولها بإدخال تعديلات عليها تجعلها قابلة للتطبيق. إن غرس الرأس في الرمال والتظاهر بقبول الخطة رغم ما فيها من نواقص وغموض لن يقود إلا لفرض ما هو أسوء منها على الطرف الفلسطيني من خلال وصاية خارجية. إن هناك تخوفاً أن أطرافاً في القيادة الفلسطينية قد تفضل الوصاية الخارجية على القيام بتطبيق خارطة الطريق. فالوصاية تعني إعفاءً لها من مسؤولية اتخاذ قرارات صعبة قد تفتقد الإرادة السياسية لاتخاذها. لكن الوصاية الدولية ستجلب العار لشعب يستحق الأفضل، وذلك عندما يأتي الأجنبي ليفرض عليه نظام حكمه السياسي وشكل إدارته، وستحول الصراع المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي لصراع مسلح ضد احتلال أجنبي جديد عندما تحاول قوات مسلحة أجنبية فرض وقف لإطلاق النار في ظل تسوية سياسية يرفضها الفلسطينيون.  

[ الصفحة الرئيسية ] [إصدارات ونشاطات الوحدة ] [قائمة المحتويات ] [الجزء السابق من الكتيب الحالي ]