اعتبارات التخطيط لتدخل دولي في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي
المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية
اعتبارات التخطيط لتدخل دولي في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي

 

 
 

 

 

 

 


في سياق خارطة الطريق وفك الارتباط:

اعتبارات التخطيط لتدخل دولي

في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي

 

 

تقارير ورشات عمل منتدى الخبراء

 

 

بإشراف

يزيد صايغ و جاريت شوبرا

 

قائمة المحتويات

1) المشاركون

2) تمهيد

3) التقرير الأول

4) التقرير الثاني

5) التقرير الثالث

6) التقرير الرابع

7) التقرير الخامس

 

المشاركون

 

د. يزيد صايغ:    أستاذ دراسات الشرق الأوسط في "كلية كينغر" في جامعة لندن، وكان مستشاراً استراتيجياً ومفاوضاً فلسطينياً سابقاً (1991-1994)، وما زال مستشاراً حول قضايا المفاوضات والإصلاح في السلطة الفلسطينية. وقد ألف (مع د.خليل الشقاقي) "تقرير فريق العمل المستقل حول تقوية مؤسسات السلطة الفلسطينية" (نيويورك ونابلس، 1999)، وألف كتاب "الكفاح المسلح والبحث عن الدولة: الحركة الوطنية الفلسطينية، 1949-1993" (بيروت ورام الله، 2005).

د. جارت شوبرا: المدير العام "للمجموعة الدولية للمساعدة الانتقالية" التي أسستها "مبادرة التقديرات الاستراتيجية والتي عملت في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال عمليات فك الارتباط الإسرائيلية. وقد سبق له أن شارك في 12 مهمة للتدخل الدولي، كما لديه خبرة واسعة كمساهم في العديد من مفاوضات السلام في إطار النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي. وهو أيضاً أستاذ القانون الدولي في جامعة براون الأمريكية. عمل مستشاراً رئيسياً لشؤون التدخل الدولي في وحدة مساندة المفاوضات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية.

عمر دجاني:       أستاذ في القانون في جامعة باسيفيك في كاليفورنيا. تخرج من جامعة ييل في الولايات المتحدة وعمل في الفترة ما بين 2001-2003 مستشاراً سياسياً لمبعوث الأمم المتحدة الخاص بالشرق الأوسط. وعمل قبل ذلك في الفترة ما بين 1999-2001 مستشاراً قانونياً في وحدة مساندة المفاوضات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية.

أمجد عطا الله:     رئيس "مبادرة التقييمات الاستراتيجية"،- ومقرها الولايات المتحدة الأمريكية ، وهي غير- ربحية  و مكرسة لتقديم الاستشارة القانونية و السياسية لأجل الصالح العام للأطراف المتفاوضة. في عام 2003، قام بتقديم الاستشارة لمكتب رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس فيما يتعلق بالتدخل الأمني والدولي، كما قام في الفترة ما بين عامي 2000 و2003 بتقديم الاستشارة لفريق المفاوضات الفلسطيني في مفاوضات السلام الدولي مع التركيز على القضايا ذات الصلة بأمن الحدود الدولية، و الحماية الدولية، وتطوير الدستور. 

ياسر الدجاني:     مستشار أمني لدى "مبادرة التقييمات الاستراتيجية" وعمل سابقاً مستشاراً لدى وحدة مساندة المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية في رام الله حيث ترأس  الملف الأمني الخاص بمفاوضات الوضع الدائم بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل. و قد قام في السابق بتقديم الاستشارة للمسئولين الفلسطينيين أثناء مفاوضات كامب ديفيد و طابا حول الترتيبات الاستراتيجية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

أوريت جال:      مديرة مشروع و عضو في فريق التخطيط السياسي لدى مؤسسة التعاون الاقتصادي (ECF). مجالات تركيزها الرئيسية هي قضايا اللاجئين الفلسطينيين، و العلاقات الاقتصادية الإسرائيلية –الفلسطينية، ودور الطرف الثالث في فض النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

جويل بيترز:       محاضر كبير في قسم الحكومة والسياسة في جامعة بن غوريون في النقب، حيث يدرس مساقات في العلاقات الدولية وفي حل النزاعات. كما أنه مدير مركز دراسة السياسة والمجتمع الأوروبي، وهو عضو في اللجنة الأكاديمية لمركز تشيم هيرزوج للدراسات والسياسات الشرق أوسطية. تغطى اهتماماته ومنشوراته البحثية السياسة الخارجية الإسرائيلية ، وعملية السلام العربية الإسرائيلية، و التعاون الإقليمي ، و بناء السلام بالإشارة تحديدا للشرق الأوسط والبحر المتوسط.

الكولونيل مارك ر. وولش: عقيد متقاعد في الجيش الأمريكي، حاصل على الشهادة الجامعية من أكاديمية الولايات المتحدة العسكرية، و على درجة الماجستير من جامعة إلينوي و جامعة بوسطن. خريج الكلية الصناعية للقوات المسلحة، و كلية قيادة الجيش الأمريكي والأركان العامة، وكلية أركان القوات المسلحة، والكلية الحربية الأمريكية، و تقاعد من الجيش الأمريكي كعضو دائم في قسم الكلية الحربية الأمريكية. بعيد تقاعده،  شارك في عمليات الأمم المتحدة الثانية في الصومال وفي هاييتي وأنغولا والبوسنة وتيمور الشرقية وأفغانستان.

جيدي جرينشتاين: عمل كنائب للمدير العام لمؤسسة النعاون الاقتصاديّ (ECF). عمل في الفترة ما بين نوفمبر 1999 ويناير 2001، كسكرتير لفريق المفاوضات الإسرائيلي في مفاوضات الوضع الدائم، ثم عمل في مكتب إيهود باراك رئيس الوزراء. شارك في جميع جولات المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية التي تتعلق بالوضع الدائم في الفترة ما بين 1999-2001. حصل على درجة الماجستير من جامعة هارفارد، ودرجة البكالوريوس في الحقوق والبكالوريوس في الاقتصاد من جامعة تل-أبيب.

جيم ماكاللوم:    وهو عضو في معهد الجيش الأمريكي لحفظ السلام. عقيد سابق في الجيش الأمريكي. قام بتدريس مساق تدريب حول المفاوضات وعمل على نطاق واسع مع وحدات الجيش الأمريكي عند التحضير للانتشار في البوسنة وكوسوفو.

 

 

 

 (إن وجهات النظر الواردة في هذه التقارير هي للمشاركين وحدهم ولا تعكس بالضرورة السياسة أو وجهات نظر المؤسسات التي يعملون بها أو التي قامت برعاية ورشات العمل أو المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية).

 

 

 

تـمـهـيـد

 

يتضمن هذا المجلد مجموعة تقارير صادرة عن ورشات عمل انعقدت في مدينة كامبردج البريطانية وامستردام الهولندية في عامي 2003-2004. وهي نتاج مشروع غرضه الإعداد للدور الدولي في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وذلك من خلال تحقيق هدفين اثنين:

الهدف الأول هو تأسيس ملتقى متعدد الجنسيات لمناقشة الأدوار التي يمكن لجهات دولية ("طرف ثالث") أن تقوم بها في مجال حفظ السلام في الإطار الفلسطيني-الإسرائيلي. وقد جمع الملتقى مسؤولين من وزارات الخارجية والدفاع التابعة للدول التي يمكن أن تساهم بعمليات حفظ سلام، وممثلين عن منظمات دولية، إضافة إلى فلسطينيين وإسرائيليين. وسعى الملتقى لتطوير:

·   تعريف وفهم مشتركين للقضايا المتعلقة بحفظ السلام وبالدور الدولي، ومصطلحات مشتركة تتصل بجوانب السياسة والتخطيط والعمليات.

·   الوعي لدى ممثلي الحكومات والمنظمات الدولية حول الهموم السياسية والأمنية للجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وحول أثرها على التخطيط لسياسات وعمليات حفظ السلام.

·        الوعي لدى الجمهور العام حول قضايا واحتياجات حفظ السلام ودور الطرف الثالث.

أما بالنسبة للهدف الثاني، فقد قدّم الملتقى مجالاً للعاملين في هذا الحقل لمناقشة المعضلات والاحتياجات العملياتية التي تنشأ عن الأوضاع والتطورات الميدانية الجارية، ولصياغة خطط عملية وقابلة للتنفيذ للدور الدولي وللمبادرات الجديدة. وقد جمعت ورشات العمل الخاصة بذلك مسؤولين وخبراء تابعين للجهات الرئيسية التي لديها حضور ودور ميداني فعلي. وكان الموضوع الرئيسي ومحور النقاش هو الخطة الإسرائيلية للانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة وشمالي الضفة الغربية.

استفاد المشاركون في ورشات العمل، عند مناقشة مختلف هذه القضايا، من خبرات وتجارب عمليات التدخل وحفظ السلام الدولية منذ عام 1990، فيما قاموا أيضاً بتطوير معرفتهم بخصوصيات الوضع في الضفة الغربية وقطاع غزة. وقد ناقشوا مسائل متعددة، منها صلاحيات و"هندسة" أو شكل المهمات، الأهداف القصيرة والطويلة الأجل، التنسيق مع الدول المضيفة (أو المجاورة، وتحديداً مصر والأردن)، والاحتياجات القانونية، علاوة على جوانب عمل الشرطة المدنية والنشاط الإنساني والاقتصادي.

يجدر التشديد على أن المشروع لم يسعَ للتوصل إلى اتفاق رسمي بين المشاركين. بل تركّز الجهد على مساعدة مسؤولي الجهات الدولية على تطوير واختيار وتبادل الأفكار حول كيفية تنفيذ دور الطرف الثالث في حفظ السلام، وذلك من خلال التعرُّف المباشر على الهموم السياسية والأمنية للجانبين الفلسطيني والإسرائيلي والتعرف على الآراء النقدية لعاملين غير حكوميين أو عاملين سابقين في عمليات حفظ السلام. وكان الغرض النهائي لكل ذلك هو التأكد من صلاحية وفاعلية أي دور دولي يتم مستقبلاً في الإطار الفلسطيني-الإسرائيلي، مما يزيد من احتمالات التوصل لحل ناجح للنزاع من خلال التفاوض والتوصل إلى سلام لاحق مستقر وثابت بين الجانبين.

ترأس المشروع يزيد صايغ وجاريت شوبرا، اللذان يودان تقديم الشكر لكل من وزارة الخارجية الهولندية، والمركز الدولي لبحوث التنمية (أوتاوا، كندا)، ووزارة الخارجية السويدية على تمويل ورشات العمل* وإنتاج التقارير باللغتين العربية والإنكليزية.


 

اعتبارات التخطيط لتدخل دولي

في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي

 

التقرير الأول

(5-7 كانون ثاني/ يناير 2003)

 

إعداد

جاريت شوبرا و جيم ماكاللوم

مع

أمجد عطا الله و جيدي جرينستين

 

في الفترة ما بين 5-7 يناير –كانون الثاني 2003، قام مسؤولون فلسطينيون وإسرائيليون ودوليون بالاجتماع للمرة الأولى لمناقشة الجوانب العملياتية لتدخل طرف ثالث في النزاع-الفلسطيني الإسرائيلي، تم استضافة اللقاء في إيرميلو في هولندا من قبل "مؤسسة دي بيرت Foundation de Burght"، وجرى تنظيمه مع "هيئة الرحمةMercy Corps " ورعايته من قبل "مؤسسة السلام في الشرق الأوسط Foundation for Middle East Peace " ومؤسسة "أود بوك Foundation de Oude Beuk". كان الهدف من النقاش استعراض الممكن واللاممكن من الناحية العملياتية، في ظل الظروف الاجتماعية والسياسية الراهنة. وتم في اللقاء استكشاف عدد من الخيارات والقضايا المؤثرة على شكل التواجد الدولي في الضفة الغربية وقطاع غزة، وقد جمع المشاركون الخبرة المحلية والإقليمية إلى جانب معرفتهم بمواقف الأطراف وكانت لهم تجاربهم في عمليات السلام المعقدة، والتي تشتمل على عناصر إنسانية وعسكرية وسياسية، وقد أتاح هذا التنوع في خبرات المشاركين المجال لبلورة عبر ومعلومات ودروس ضرورية عند التفكير في اعتبارات التخطيط الشاملة للتدخل الدولي.  ويعكس هذا التقرير القضايا التي تم نقاشها، ويشمل العديد من الأفكار التي أسهم بها المشاركون، ويعتبر مضمون هذا التقرير مسؤولية المؤلفين  وحدهم .

هناك عدة أنواع من التدخل الدولي، وتتدرج من الرقابة والتحقق وحفظ السلام، إلى الفرض العسكري و"الوصاية" المدنية. وهناك دوماً حد أدنى من التدخل اللازم الذي يجعل التواجد الدولي فعالا، ويتطرق هذا التقرير إلى طبيعة الاحتياجات القائمة حاليا نتيجة للظروف السائدة والتي يجب أخذها بعين الاعتبار عند البدء بالتخطيط العملياتي لدور طرف ثالث.

 

1. إلحاحية الظروف على الأرض

التهديد الذي يواجه حل الدولتين: برزت الحاجة الملحة لتدخل طرف ثالث نتيجة لتزايد التهديد الذي يتعرض له حل الدولتين في النزاع الإسرائيلي–الفلسطيني، ونجم هذا التهديد عن الظروف الاقتصادية البائسة، والظروف الديموغرافية والأمنية الخاصة بكلا الطرفين، وانعدام الثقة المتبادلة، بالإضافة إلى الوقائع الجديدة والتي لا تزال تتسبب في تغيير المشهد السياسي بطريقة تقلص من إمكانية قيام دولتين منفصلتين.

ففي الجانب الفلسطيني، نجد أن السلطة الفلسطينية، ونظرا لعدم وجود إدارة فعالة وشفافة، تقف على شفا الانهيار وقد تم تصفية قدرتها على الحكم بشكل كبير. علاوة على ذلك، فقد فقدت منظمة التحرير الفلسطينية شعبيتها لصالح المجموعات المتطرفة، وقد تسبب النشاط الواسع في بناء المستوطنات الإسرائيلية طوال العقد الماضي وخلال الأزمة الحالية في تجزئة الأراضي الفلسطينية بشكل كامل، والفلسطينيون واثقون بأن إسرائيل لا ترغب في التوصل لاتفاق سلام، وتعمل بذلك على تقليص الآمال في المستقبل وتخفيض التأييد لعملية السلام. أما في الجانب الإسرائيلي، فقد تضاءلت مصداقية منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية بشكل كبير، وتراجع الدعم لاستراتيجيات صنع السلام والتوصل لحل دائم يمكن أن يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية في المستقبل.

بالإضافة إلى ذلك، ينسب كل من المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني وجود أسوأ الدوافع لدى القيادات السياسية لبعضهم البعض، مما يجعل الطرفان غير واثقين من إمكانية تنفيذ الاتفاقات، كما أن مسار الأحداث في الوقت الراهن يتسبب في تقويض حل الدولتين بسبب إضعافه لمعسكرات السلام لدى الطرفين وخلقه لحقائق واقعة من الصعب تغييرها، والتي تتمثل بشكل أساسي في التوسع الإستيطاني من قبل إسرائيل وتفتيت بنية الحكم الفلسطيني.

 

دائرة العنف: يدفع الفلسطينيون والإسرائيليون ثمن باهظا نتيجة لتصاعد وتيرة العنف، ووفقا لبعض التقديرات التي قام بها الموظفون الدوليون، وجد أن ما يتراوح بين 60-80 حالة وفاة بين الفلسطينيين في الشهر الواحد سببها العمليات العسكرية الإسرائيلية، علاوة على هدم مئات المنازل، أما في الجانب الإسرائيلي، فإن العمليات الانتحارية الفلسطينية تواصل تهديدها للأمن الشخصي ولرفاهية المواطنين الإسرائيليين. ويبدو أن حالة كلا الطرفين مثل كرة المضرب بين رحى الانتقام التي ستقضي على أي أمل في إنهاء العنف.

وقائع اقتصادية: يظهر أن الظروف الاجتماعية– الاقتصادية في الجانب الفلسطيني قد تدهورت إلى مستوى لم يسبق له مثيل، وبناءاً على البيانات الصادرة عن البنك الدولي، فإن ما يقارب 63% من السكان الفلسطينيين يعيشون تحت خط الفقر بدخل مقداره 2$ في اليوم الواحد. ويعاني الوضع الاجتماعي - الاقتصادي الفلسطيني من أزمة شديدة، حيث أنه لو تمت مضاعفة المساعدات الدولية لتصبح 2$ مليار بدلاً من 1$ مليار كما هو الحال الآن فإن ذلك سيعمل على تقليص معدل الفقر بما نسبته 9% فقط، ليصبح 54%. لذا يظهر أن المساعدات الإنسانية لن تشكل حلا لظروف السكان الفلسطينيين القاسية. إضافة لذلك، يعتمد الاقتصاد الفلسطيني على الاقتصاد الإسرائيلي من خلال سوق العمل وحركة البضائع بشكل أساسي، وبذلك توقع القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين مزيداً من الدمار على الاقتصاد الفلسطيني.

أما في الجانب الإسرائيلي، فإن إسرائيل تمر بأزمة اقتصادية قاسية ومتواصلة، فمنذ تسجيل سنة الرخاء الاقتصادية القياسية في عام 2000، ضعف الاقتصاد الإسرائيلي جدا وانخفض معدل الدخل الفردي وازداد ضغط التضخم المالي، وما لم يحدث تغيير كبير في الواقع السياسي سيبقى الأمل في نمو الاقتصاد الإسرائيلي ضعيفا جدا، حتى لو قدمت له قروض كبيرة. 

حقائق ديموغرافية "سكانية": وفقا لما ورد في بعض التقديرات، فإن الفجوة بين عدد اليهود والفلسطينيين الذين يعيشون في منطقة الانتداب البريطاني، أي المنطقة الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، آخذة في التقلص بحيث لا تتجاوز الآن 200.000 شخص. ولا تزال المستوطنات الإسرائيلية آخذة في التوسع، سواء في أعدادها أو في مساحاتها، ويعتبر هذا المزيج من السمات الديموغرافية والجغرافية عاملا يعزز الدمج الوظيفي للضفة -الغربية مع إسرائيل، الأمر الذي سيجعل من حل إقامة دولتين أمرا صعبا جدا.

القيادة الفلسطينية: لقد تم تقسيم الضفة الغربية وقطاع غزة إلى ما يقارب 10 أجزاء منفصلة عن بعضها البعض تحتفظ كل واحدة منها بصفات اقتصادية وسياسية شبه مستقلة مما يجعل فرض سيطرة مركزية أمرا غير ممكنا. ويمثل ذلك تحديات أساسية وداخلية تواجه الرئيس ياسر عرفات والسلطة الفلسطينية. وسيستغرق حصول قيادة فلسطينية ذات مصداقية وشرعية على السلطة ردحا من الزمن، يقوم البعض أنه قد يصل إلى فترة 2-3 سنوات. هذا بالإضافة إلى عدم وجود أي ضمانات تتعلق بنوع القيادة التي ستبرز في النهاية. إن الفراغ الحاصل نتيجة لتفكيك السلطة الفلسطينية سيتم ملؤه من قبل قادة محليين، سيأتون بشكل أساسي من العشائر المحلية وأصحاب النفوذ، مما سيخلق بيئة مجزئة، إضافة إلى قيام الجيش الإسرائيلي تدريجيا وعلى مضض بممارسة مهام مدنية تجاه السكان الفلسطينيين.

العنف يضعف إعادة البناء: تتسبب دائرة العنف في إضعاف جهود إعادة البناء، حيث تبلغ ميزانية إعادة البناء 1$ مليار وهي مجمدة لتردد الدول المانحة في دخول المناطق الفلسطينية لإصلاح البنية التحتية المتضررة، كما أن غياب الأمن سبب آخر لهذا التجميد، وما يجعل الأمر أكثر تعقيداً هو طبيعة النزاع الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى إعادة تدمير ما يتم إصلاحه.

الجدار: أصبح الجدار الفاصل حقيقة واقعة، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، ففي الجانب الإسرائيلي، كان السياج استجابة للضغط الشعبي، وقد تم تصميمه بغرض تعزيز الأمن الإسرائيلي، ويأمل الإسرائيليون بأن يكون له، في مرحلة لاحقة، أثر إيجابي على تقنين وتنظيم نقاط التفتيش، مما يتيح المجال لتدفق اقتصادي أكبر بين الضفة الغربية وإسرائيل. أما في الجانب الفلسطيني، فهناك آثار سلبية للجدار على الحياة اليومية الفلسطينية وبشكل أساسي على المناطق المتاخمة للسياج مثل طولكرم وقلقيلية، وبناءا على المؤشرات الحالية، سيكون هناك ما بين سبعين إلى مائة ألف فلسطيني يعيشون في المنطقة الواقعة  بين الجدار والخط الأخضر، مما يسهم في خلق مخاوف لدى الفلسطينيين قيام إسرائيل  "بنقل" السكان الواقعين خلف الجدار إلى مناطق أخرى داخله، كما سيبقى معظم المستوطنين الإسرائيليين مقيمين شرقي الجدار.

شبح التدهور نحو الأسوأ: إذا استمرت الظروف الراهنة في التدهور بنفس وتيرة التسارع، فربما يؤدي إلى حدوث تطورات أسوأ، ففي غياب اعتراف إسرائيلي بشريك فلسطيني مفاوض، ودون تدخل فعال من قبل المجتمع الدولي، فإن من المحتمل تصاعد وتيرة العنف وتعميق الصراع. ويدعي البعض أنه إذا في حال إزاحة عرفات، فإن من المتوقع ارتفاع عدد العمليات الانتحارية، وإذا تم القضاء على السلطة الفلسطينية، فإن انهيار النظام الاجتماعي والسياسي سيتسارع بشكل لا يمكن تجنبه، مما سيجعل الانسحاب الإسرائيلي أكثر صعوبة. تقع الآن معظم المناطق الفلسطينية تحت الاحتلال الكامل وستصبح إسرائيل غير قادرة على ترك ظروف فوضوية تملأ الفراغ الناجم عن انسحابها. تعتبر جنين منذ اليوم شبه مغلقة أمام العاملين الدوليين الموجودين في مرمى النار من كلا الجانبين، وقد بدأ التأييد الفلسطيني المعروف للعاملين الدوليين بصرف النظر عن أصولهم القومية يأخذ في التلاشي، كما تعطلت المؤسسات المعنية بسيادة القانون وأصبحت غير قادرة على الاستجابة للأفراد على نطاق واسع، لذا، يمكن للتدخل الدولي أن يوفر لإسرائيل إمكانية للانفصال عن هذه الأوضاع الفوضوية إذا ما رغبت بذلك.

من ناحية أخرى، يؤمن بعض الإسرائيليين بأنه إذا تم التوصل لاتفاق مؤقت بين الأطراف، بوجود تدخل دولي أو دونه، فإن ذلك قد يشكل بداية لتحسن الأوضاع في حياة الإسرائيليين والفلسطينيين مما قد يؤدي إلى التوصل لاتفاق دائم. إن البديل عن ذلك هو أن استمرار الوضع على ما هو عليه وبقاء النزيف دون توقف. 

شعور باليأس: ينتشر الإحساس باليأس بين الفلسطينيين، ففي الأسابيع القليلة السابقة لعملية الجدار الفاصل، كان هناك راية في بيت لحم كتبت باللغة الإنجليزية: "أنا أموت، أنا أعيش". فعلى نقاط التفتيش، يتم تحدي الفلسطينيين ويطلب منهم رفع ملابسهم من قبل القوات الإسرائيلية للتحقق من وجود المتفجرات وفي بعض الأحيان يرفض الفلسطينيون القيام بذلك رغم معرفتهم بأنهم قد يتعرضون لإطلاق النار بسبب ذلك. لقد تم الاستعاضة بالقدرية عن المثالية الثورية في بحث الفلسطيني عن الاستقلال وبإيمان بعدم وجود بديل عن الصراع الحالي.

يوجد لدى الإسرائيليين إحساس مماثل باليأس، فبين القناعة بأنه لا يوجد حل عسكري للصراع والاعتقاد السائد بأن القيادة الفلسطينية غير مستعدة أو قادرة على إنهاء الصراع، لا يرى الإسرائيليون أملاً في حل مستقبلي، كما لا يوفر التأثير المؤلم لاستمرار العمليات الانتحارية رؤيا مقبولة لمستقبل واعد، ولا يبدو أن الجيش الإسرائيلي قد استنفذ ما في جعبته من ضربات هجومية للتأثير على مجريات الصراع ويبدو أنه يركز على الحفاظ على الوضع الراهن فقط. وفي الوقت نفسه، تجد إسرائيل نفسها منغمسة في أفعال تعرضها أحيانا كثيرة للنقد الأخلاقي.

 لا يوجد آلية للقرار: لا يظهر في الأفق ما يشير إلى أمل بعملية سلام جديدة أو حتى إلى توفير أساس لاستئناف المفاوضات، ولا يبدو أن هناك آليات واضحة لكسر دائرة العنف القاسية، ويلقي الواقع بظلاله المحبطة على كافة المقترحات التي قدمت إلى وقتنا هذا.

التدويل: إن تدويل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني في تزايد مضطرد، وهناك عدد من العاملين في منظمات دولية مختلفة يعملون حاليا في المنطقة، وينظر كثيرون إلى أن هناك حاجة لمستوى، حتى ولو ضئيل، من التدخل الدولي كأمر لا بد منه لإحراز أي تقدم، وفي نفس الوقت، وحتى يكون التدخل الدولي فعالا، لا بد من زيادة الالتزامات المطلوبة عند تصاعد الأزمة وهو أمر متوقع الحدوث. يشكل التدخل الدولي أداة تؤثر على الأطراف والدول ذات العلاقة لوقف الأزمة؛ وقد يوفر لإسرائيل استراتيجية خروج من الأزمة ويعزز الفرص أمام حل الدولتين، إلا أنه يبدوا واضحاً في هذه المرحلة أن المجتمع الدولي لن يكون قادرا على الخروج من الأزمة بزيادة الإنفاق فقط، حيث أن المشكلة هي مشكلة سياسية وتحتاج إلى حل سياسي، وسيكون الحل في النهاية على شكل اتفاقية بين إسرائيل والفلسطينيين، لذا، يبدو الحل الدائم هو الوحيد القادر على نقل المسار الحالي للأحداث وإنعاش آمال السلام على أساس من الاعتراف المتبادل بحق تقرير المصير لكلا الطرفين و في ظل دولتين قادرتين على الحياة.

 

2. التقارب حول التدخل الدولي

الموروث التاريخي: لدى كل من الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني موروثا مختلفا فيما يتعلق بالتدخل الدولي. إن النظرة الإسرائيلية السياسية والعسكرية التقليدية للتدخل الدولي بشكل عام، وإلى النزاع مع الفلسطينيين بشكل خاص، هي نظرة شك، ولا تزال إسرائيل تعتقد أن أي تدخل دولي سيعمل ضد إسرائيل لصالح الجانب الفلسطيني، وهناك شعور بأن الطرف الثالث لن يدعم الفلسطينيين فقط، بل سيحد من قدرة إسرائيل في الدفاع عن نفسها من خلال لجوئها للعمليات العسكرية، وبشكل أقوى تأثيرا، فإن موروث العلاقات الإسرائيلية مع الأمم المتحدة موروث غير مشجع، مرورا بتجربة انسحاب قوات الأمم المتحدة الطارئ من على الخط الحدودي بين مصر و إسرائيل في عام 1967 وحتى تجربة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، حيث أن هذا الموروث مشوه بخيبات الأمل المتبادلة.

أما بالنسبة للنظرة السياسية الفلسطينية التقليدية، فإنها ترى التدخل الدولي إيجابياً، آملة أن يعوض هذا التدخل عن الميزة العسكرية والدبلوماسية التي تتمتع بها إسرائيل وأن يعمل على  تقديم تقييم "موضوعي" للأفعال الإسرائيلية والفلسطينية، إلا أنه وبعد محاولتين لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، أصبح الفلسطينيون معارضين بشدة لأي شكل من أشكال السلطة التي يعتبرونها غير شرعية أو عاجزة، ومن هنا يجب أن يؤكد التدخل الدولي وبوضوح على أن غايته هي تعزيز الأهداف الفلسطينية بالاستقلال بنفس الوقت الذي يسعى فيه لتعزيز الأهداف الإسرائيلية في توفير الأمن.

تغيرت عمليات السلام خلال العقد الماضي من كونها مجرد عمليات تقليدية لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة، والتي كان للأطراف تجربة معها، فمنذ نهاية الحرب الباردة، حدث تحول جذري في نوع ونطاق التدخل الدولي إلى تشكيلة جديدة من الخيارات التي ينبغي الاطلاع عليها.

 

التقارب:  شهد العام الماضي تناميا في قبول كلا الطرفين لفكرة التدخل الدولي، حيث أن الظروف الجديدة التي نجمت عن إعادة احتلال إسرائيل شبه الكامل للضفة الغربية، وتواصل العنف الفلسطيني ضد المدنيين الإسرائيليين، والتوسع في البناء الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية، والقلق الدولي من عدم قدرة الإسرائيليين والفلسطينيين على الانفصال عن بعضهم مجددا، عملت على خلق هذا التقارب في الرأي فيما يتعلق بالتدخل الدولي،  ورغم ذلك، لا يزال هذا التقارب غير كامل، وربما لا يعد أكثر من مجرد عناوين عريضة فقط. لقد أخذ الحزبان الرئيسيان الإسرائيليان وعدد من المسؤولين والمدنيين الفلسطينيين بقبول مفاهيم متعددة للتدخل الدولي، وأخذوا يستخدمون في بعض الأحيان مصطلحات متشابهة، لكنهم مع ذلك يحملون توقعات مختلفة إلى حد بعيد لمعاني التدخل والغرض منه، وتفسيرهم للتفاصيل التي تحدد أي مهمة من مهامه.

التوقعات: يتوقع الإسرائيليون بأن يوفر لهم التدخل الدولي أمنا شخصيا من الإرهاب، ومع ذلك، هناك اختلافات واضحة بين الإسرائيليين أنفسهم حول عناصر هذا التدخل المختلفة. أما بالنسبة للفلسطينيين، فهم يتوقعون أن يؤدي هذا التدخل الدولي إلى تحررهم من الاحتلال الإسرائيلي ويعتقدون أنه ربما يكون خطوة على طريق الاستقلال الكامل للدولة الفلسطينية التي تضم كلا من الضفة الغربية وقطاع غزة، ويجمع المجتمع الدولي اليوم على اعتبار كلا الهدفين شرعيين. غدا واضحا، أن أي تدخل دولي يعمل لصالح طرف دون الآخر سيكون عديم الجدوى، بل وربما مدمراً.

 وبرغم ذلك، يتنامى إدراك كلا الطرفين في المحصلة بأنه لا يمكن إنهاء هذا النزاع دون مساعدة طرف ثالث، وقد أشارت استطلاعات الرأي إلى أن غالبية كلا المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي راغبة في إنهاء النزاع وفقا لرؤيا دولتين تعيشان جنبا إلى جنب، ويجب تقييم الجوانب المختلفة لتدخل دولي بشكل استراتيجي، وعملياتي، وتكتيكي بشكل منهجي لتقرير إذا كان هناك إمكانية لزيادة درجة هذا التقارب.

مخاوف تتعلق بالتدخل: إن أحد المخاوف التي تتعلق بأي تدخل دولي هي مدى القدرة على تجنيد الحد الأدنى اللازم كي يكون التدخل فعالا. في الماضي، كان المجتمع الدولي كثيرا ما يلجأ إلى استخدام المنهج التدريجي، واستخدام موارد أقل مما يلزم في نزاع ما، بسبب اعتمادها الكبير على الأمل بدلاً من الواقعية، مما استدعى تدخلاً أكبر بكثير فيما بعد، ويمكن اعتبار قوة حماية الأمم المتحدة في البوسنة والهرسك مثالا على العواقب الوخيمة لمثل هذه المنهجية.

هناك تخوف ثانٍ من أن يؤدي التدخل الشامل والفعال إلى توفير المجال أمام القادة السياسيين لتجنب مواجهة أي من الأسئلة الصعبة التي تعتبر أسئلة جوهرية لفض أي نزاع، وقد يؤدي ذلك إلى تجميد الوضع القائم لفترة مؤقتة طويلة الأمد، مما قد يزيد المخاطرة بظهور اضطرابات أكثر حدة، فمهما كان نوع التدخل، لابد أن يكون ضمن سياق خطة لإنهاء النزاع، ويقصد بذلك، أنه لا بد أن يصاحب التدخل عملية سلام على شكل مفاوضات وضع نهائي.

مصدر قلق رئيسي ثالث لأي تدخل، وهو احتمالية فشل التدخل في إنهاء النزاع، وقد يؤدي ذلك إلى جعل التوصل إلى اتفاقية الوضع النهائي أمرا أكثر صعوبة من ذي قبل. إن مثل هذا الفشل قد يعمل على زيادة التدخل الإسرائيلي غير المحدود وقد يقلص من فرص حدوث التدخل الدولي الهادف لصياغة تسوية دائمة، وقد يشجع الفلسطينيين على اللجوء للعنف.

أما مصدر القلق الرابع فهو التخوف من غياب قدرة الدولة على تغيير المشهد الاستراتيجي الحالي في الضفة الغربية وقطاع غزة (من حيث الجدوى والفعالية)، من أجل إحداث تغييرات سياسية، واقتصادية، واجتماعية فورية، مما قد يؤدي إلى استمرار الظروف الراهنة الصعبة تحت الاحتلال الإسرائيلي دون وجود مخرج في نهاية المطاف، ويعتبر هذا الأمر مصدر القلق الرئيسي لجميع السكان الفلسطينيين.

ومصدر القلق الخامس هو أن يغفل التدخل الدولي عن الديناميكيات المحلية ومراكز القوة في الضفة الغربية وقطاع غزة، علاوة على القطاع الأمني الفلسطيني، وكلاهما طرف رئيسي في عمل الطرف الثالث وخاصة عند البدء بالقيام بالواجبات العملياتية.

يتركز مصدر القلق السادس على الحرب ضد الإرهاب وفرص قيام دولة فلسطينية قادرة على الحياة، وعادة ما يتساءل الإسرائيليون عن قدرة القوات الدولية على محاربة الإرهاب بفعالية، واستخدامها، حيث يكون ضروريا، للوسائل اللازمة لمنع الهجمات الإرهابية ضد إسرائيل، كما يتساءل الإسرائيليون حول قدرة التدخل الدولي على تشكيل قاعدة حكم فلسطينية فعالة قادرة على ضمان فرض القانون والنظام والأمن أثناء البحث عن حل للنزاع.

مسألة إلتزام: قد يكون الاحتمال ضعيفا حتى الآن في أن تكون إسرائيل و/أو الولايات المتحدة الأمريكية مستعدة لدعم مستوى فعال من التدخل الدولي حاليا، علاوة على ذلك، يرى البعض أن الولايات المتحدة الأمريكية قد تتساءل عن جدية الأطراف في رغبتها في إنهاء النزاع، ومن هنا فإنها قد تعمل على إدارة الصراع فقط وليس حله، ويرى أصحاب هذا الرأي أنه دون وجود مستوى معين من الاتفاق بين الأطراف، فسيكون من المبكر جدا البحث في وجود أي تدخل، ويرى آخرون أن السياسية الأمريكية في دعمها "لخارطة الطريق" نحو استقلال فلسطيني وأمن إسرائيلي، ستكون بشيرا للتدخل حيث لا يتوقع أحد أن تنفذ خارطة الطريق من قبل الأطراف وحدها. وقد أشار البعض إلى أنه لن يكون هناك ضغطا دوليا على الأطراف لقبول تدخل فعال ما لم يكن هناك حدث مأساوي،  مثل أزمة إنسانية أكثر قساوة بين الفلسطينيين، والتي ربما تتضمن إقصاءا للحكومة الفلسطينية، أو "هجوما إرهابيا مدويا" ضد إسرائيل، أو اتساع دائرة الاضطرابات الناجمة عن الحرب المحتملة مع العراق.

فرص ممكنة: على الرغم من هذه المخاوف، فهناك استعداد، حتى ولو كان ضئيلا، من جانب جميع الأطراف  للبحث في مسألة التدخل المطلوب، وهناك تدخل سياسي، واقتصادي، وأمني فعلي للعاملين الدوليين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ويشير هذا الاستعداد من قبل كافة الأطراف المعنية إلى أن هناك فرصة سانحة أمام حصول تدخل دولي، بغض النظر عن مستواه، يجب أن ينجز الجزء الصعب من العمل الآن في التحليل، والصياغة والتخطيط بحيث يمكن اقتناص هذه الفرصة عند بزوغها، ويشمل هذا الجزء من العمل تحديدا لنقاط الربط بين قطاعات وجوانب المهمة الدولية حتى يصبح تحديد التبعات السلبية والاستعداد للحالات الطارئة المتنوعة ممكنا، ويعتبر القيام بهذه الأمور جوهر العمل التخطيطي الشامل الذي يشكل مدخلاً لنشر قوات دولية لضمان كون التدخل الدولي فعالا.

 

 

3 . العوامل و الاعتبارات التشغيلية

أ) الانسجام و الترابط

البنى الحالية: يوجد حاليا مجموعة من عناصر العمل المحلية والدولية المتداخلة، والمستقلة وظيفيا، في الأراض المحتلة، ولا تزال بنية السلطة الفلسطينية قائمة إلى الآن على الرغم من إفتقارها للقدرة على ممارسة العديد من مهامها الأساسية في الوقت الراهن. أما من الناحية البنيوية، فقد أدت جهود الإصلاح الأخيرة إلى تعزيز وتحسين أداء بعض المؤسسات الفلسطينية، مثل وزارة المالية، رغم أن سيطرة السلطة الكلية أصبحت نظرية أكثر منها عملية.

وضعت الدول المانحة، بما في ذلك البنك الدولي، بنية مستقلة تتألف من الدول المانحة الرئيسية، أطلق عليها اسم لجنة التنسيق والارتباط للدول المانحة (AHLC)، التي كانت في السابق مسؤولة عن المساعدات التنموية ولكنها الآن مسؤولة عن توفير الدعم الإنساني متى أمكن ذلك.

وعمل تشكيل اللجنة الدولية الرباعية، التي تتألف من الولايات المتحدة، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وروسيا، على خلق هيكلية منفصلة، لكن متداخلة في نفس الوقت للإشراف على الإصلاح الفلسطيني من خلال عاملين دوليين موجودين فعليا.

وقد قامت الولايات المتحدة الأمريكية، بدعم من مصر والأردن، بتشكيل "لجنة أمن" منفصلة و مستقلة للتعامل مع إصلاح قطاع الأمن داخل الأجهزة الأمنية الفلسطينية.

من الواضح أن هناك وجود دولي كبير نسبيا في كافة المجالات المدنية والأمنية، بعدد من العاملين يزيد عن 1,000 عامل، ومع ذلك لا يتمتع هذا الوجود بالقدرة الحقيقية على تنفيذ أي من مهماته الرسمية أو غير الرسمية، ولا يوجد هناك آلية مهيمنة للتحقق من وجود تنسيق وانسجام أو علاقات محددة بشكل واضح.

إن على أي تدخل دولي القيام وبشكل مسبق، بتحديد علاقته مع البنى العديدة القائمة، سواء كانت محلية أم دولية، والحصول على أقصى درجات القبول الممكنة حتى يتاح له أفضل أشكال الإدارة للتواجد الدولي، وفي ظل الجو العام السائد، قد يكون من الضروري لأي تواجد دولي أن يأخذ بالاعتبار تحديد المهام التي سيحتاج إلى القيام بها بشكل كامل وأي منها يمكن تفويضها للبنى القائمة.

التدرجية والتماسك: إن أحد أكبر المخاوف التي تواجه العاملين الدوليين هي التدرجية، وهي عادة ما تكون وسيلة سياسية فعالة تتيح المجال أمام دولة ما لتحقيق هدفها بعدد محدود من العاملين في بعثات دولية محدودة جدا في البداية، ولكن عند تدهور الوضع وبدء المهمة في الفشل، يتم نشر المزيد والمزيد من الموارد بطريقة تدريجية في محاولة للوصول إلى الحد الأدنى من التدخل اللازم لإدارة أو حتى تهدئة النزاع. يشكل هذا الأسلوب خطراً كبيراً على العاملين الدوليين الموجودين، وقد يعمل على خلق المزيد من التداخل مما يؤدي في النهاية إلى التناقض في العمل نتيجة لارتفاع درجة التدخل.

تعتبر نماذج التدخل الدولي الموجودة حالياً نتاجاً للعمل التدريجي المنفصل في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وتعمل بعض أشكال التدخل الدولي على المستوى الإستراتيجي، والبعض الآخر على المستوى التشغيلي والتكتيكي. وتنفصل جميعها عن بعضها بنيويا، على الرغم من وجود العديد من التداخلات بين العاملين، وفي الاستشارات المكثفة حول موضوع ما، فاللجنة الأمنية، على سبيل المثال، منفصلة عن جهود الإصلاح لتعزيز سيادة القانون أو القضاء المستقل كما أنها منفصلة عن أي تدخل آخر، كما أن تدخل الاتحاد الأوروبي في إدارة الشؤون التفصيلية للمشاكل الأمنية في بعض المناطق منفصل عن محاولات الولايات المتحدة لإصلاح قطاع الأمن، ولا يوجد مؤسسة أو فرد مسؤول بالكامل عن الإشراف على الموضوع بأكمله، كما لا يوجد تفويض موحد أو هدف سياسي متصل بفض النزاع أو حتى بتهدئة الوضع بشكل أساسي.

إن هذه التدرجية ليست من القاعدة للقمة أو من القمة للقاعدة، إنها موسمية وغير متصلة، وهناك نقاش داخل الرباعية لربط الأبنية القائمة حاليا في بنية واحدة متماسكة على ضوء المتطلبات المتداخلة والموسعة "لخارطة الطريق"، ومع ذلك، وضعت خارطة الطريق أهدافا شبه مستحيلة لإعادة إنعاش المجتمع المدني، وخلق حكومة ديمقراطية وإعادة تجديد وتقوية قطاع الأمن الذي يمكن أن يوفر لإسرائيل الحماية ألا أنها تجنبت في نفس الوقت المطالبة بإجراء تحسينات على الظروف التي أدت إلى انهيار هذه القطاعات، وعلاوة على ذلك، تستند البنى المختلفة الموجودة فعليا على جهود تعزيز الإصلاح وليس على تنفيذ التغييرات. إن تحديد الخطوط العمودية والأفقية بين الآليات المتعددة لن يغير هذه الحقيقة بالضرورة.

هناك فجوة كبيرة جدا بين التدرجية الحالية وخيارات التدخل المتعددة التي قد تؤدي إلى "الوصاية" (إدارة حكم انتقالية تتولى المسؤوليات المدنية، والاقتصادية، والأمنية)، وقد تبلغ التطورات الميدانية حدا يدفع باتجاه تدخل حاسم وقوى من الطرف الثالث، مثلا في أعقاب وقوع حادث مأساوي. إن التدخل عند هذه النقطة لا بد أن ينظم من جديد، وألا يكون نتيجة لتدرجية سابقة، و إلا أصبح غير فعال.

 

ب) معالم المهمة الدولية

عناصر رئيسية: بغض النظر عن نوع التدخل – سواء كان على شكل الرقابة والتحقق، أو المراقبة التقليدية وحفظ السلام، أو حتى الفرض العسكري و"الوصاية" المدنية- هناك بعض العناصر الرئيسية المتشابهة في جميع أنواع التدخل، وستؤدي المراجعة الدقيقة لكل شكل من أشكال عمليات التدخل كما يمكن رؤيتها في الظروف الراهنة إلى تحديد العناصر الأساسية، ويستطيع المخططون البدء في التحضير للتدخل وفقا لهذه الثوابت، فعلى سبيل المثال، ما زال الجميع متفقون حتى اليوم، على أن العناصر المدنية والعسكرية تشكلان عنصران حيويان في بنية متكاملة.

تفرد المهنة: في الوقت الذي يمكن فيه موائمة الدروس المستفادة من المهمات الدولية السابقة للاستفادة منها في بيئة عمل جديدة، إلا أنه يجب مقاومة الميل لاستخدام الخطط التي تم استخدامها في تلك المهمات كما هي بل يجب القيام بموائمة مفهوم كل مهمة مع تطورات الواقع.

الغرض من التدخل: يجب أن يكون لأي تدخل دولي في سياق النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني غرض واضح، حيث أن الافتقار إلى الدقة سيؤدي إلى إعاقة المهام التشغيلية، وفي المقابل، سيؤدي تحديد الغرض إلى إضفاء الشرعية على المهمة الدولية وإلى تسهيل التعامل مع الأطراف، كما سيعمل على تسهيل تنفيذ المهمة بشكل فعال مما يؤدي إلى زيادة شرعيتها

التزامن: تدرك جميع الأطراف بدرجات متفاوتة، وجوب التعامل مع كل من الجبهات الأمنية، والاقتصادية، والسياسية بشكل متزامن، ويجب أن تكون هذه المنهجية الشاملة جزءا من التفويض للمهمة الدولية، كما يمكن تنظيم التدخل على أساس المراحل التشغيلية وعلى ضوء التوقعات الدولية لمستويات التقدم المختلفة في مسيرة الاستقلال الفلسطيني خلال السنوات القادمة واتفاق الوضع الدائم.

نطاق العمل: في سياق هذا النزاع، سيحتاج التدخل الدولي لتحديد ما إذا كان هدفه تسهيل الانسحاب الإسرائيلي من الأرض الفلسطينية في ظل اتفاقية أو بدونها؟ وهل سيعمل على تعزيز الاستقلال الفلسطيني أيضا في ظل اتفاقية أو بدونها؟ هل هو موجود فقط لتهدئة الوضع و استقراره أم لتوفير وسائل وآلية للدفع نحو اتفاقية للوضع الدائم بين الطرفين؟  وفي مرحلة التهدئة، هل سيتولى التدخل الدولي مهاما لتطبيع الحياة اليومية الفلسطينية، والمساعدة في إعادة بناء البنى السياسية الفلسطينية، وتعزيز العملية السياسية بهدف تنفيذ رؤيا سياسية؟ وما هو الدور الذي سيلعبه التدخل الدولي في تجميد نشاطات الاستيطان الإسرائيلية بل حتى في الانسحاب من المستوطنات؟ ما هو الدور الذي سيلعبه التدخل في الإعداد لمرحلة اتفاقية ما بعد الوضع الدائم والذي قد يتطلب وجود قوات دولية؟ هل يستطيع التدخل الدولي البدء في الإعداد والتموضع المسبق لمهام قد يطلب منه القيام بها حتى بشكل مسبق لاتفاقية الوضع الدائم الكاملة؟

يمكن إنجاز الكثير بأشكال محدودة من التدخل الدولي، ويشمل ذلك: مراقبة مناطق الانسحاب؛ والإصلاح الفلسطيني؛ والدعم الإنساني، وتدريب أجهزة الأمن الفلسطينية، ومع ذلك، قد تكون هذه مجرد عناصر جزئية في سياق الحد الأدنى من التدخل اللازم لمعالجة كافة أنواع الظروف القائمة.

التفويض طويل الأمد: يحتاج تفويض التدخل الدولي على المدى القريب لأن يتبلور في ظل فهم للتدخل الدولي طويل الأمد بعد التوصل لاتفاقية الوضع الدائم، وعلى الأغلب أن ترغب أطراف النزاع في بقاء عناصر من المهمة الدولية حنى بعد التوصل لاتفاقية الوضع الدائم لمواصلة القيام بمهام معينة أو ربما للقيام بمهام أخرى جديدة، مثل العمل كقوة ردع، وسيقل الاهتمام الدولي حتما حال استقرار الوضع، ومع ذلك، سيؤدي الركود في المهمة إلى تزايد التحديات أمامها في ظل غياب إنجازات ملموسة تبقي الجهد مركزا وتعزز الاستمرارية في التقدم باتجاه الأهداف السياسية التي حددت بشكل مسبق عند التفويض، مثل قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة تعيش جنبا إلى جنب مع دولة إسرائيل.

الحملة الإعلامية: هناك حاجة ماسة لتوضيح الهدف والتفويض ونطاق المسؤوليات الخاص بالتدخل الدولي لشعوب الطرفين وذلك لتجنب خلق توقعات غير واقعية ولتشجيع التعاون مع البعثة الدولية.

قيادة البعثة: يوجد لدى عدد قليل من الدول القدرة على قيادة تدخل مدني و/أو عسكري رئيسي، وستحظى الولايات المتحدة الأمريكية (كرئيس للتحالف، وكقائد لحلف الناتو) بالقبول لدى إسرائيل، ومع ذلك، قد يكون الاتحاد الأوروبي قادرا على لعب دور الصدارة في مجال الإدارة المدنية إذا كان قادرا على تطوير القدرات المؤسساتية لإعداد الكادر اللازم من الأفراد.

القائد السياسي: من الضروري جدا اختيار القائد الدولي السليم للمهمة بأكملها منذ البداية، ولتحقيق الانسجام، يجب أن يكون القائد المدني مسؤولا عن كافة المدنيين في المنظمات والوكالات الدولية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب القوات العسكرية، ويجب أن يكون القائد مستعدا للالتزام بهذه المهمة المكلفة لعدة سنوات، فعلى سبيل المثال، تدعو "رؤية الرئيس الأمريكي بوش" الحالية و"خارطة الطريق" إلى التوصل لاتفاقية الوضع الدائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين في غضون يونيو – حزيران 2005. لذا، يجب أن تكون هذه القيادة مثابرة، وملتزمة، ومعنية، وصلبة، والأهم، يجب أن يتمتع القائد بأعلى درجة من الاستقلالية السياسية ودعم أطراف الرباعية، وأطراف النزاع، والأعضاء المشاركين، وهذا يتطلب شخصا قويا ومريحا في المجال السياسي.

الفريق المناسب: يجب أن يختار العاملون الدوليون فريق القيادة المناسب منذ البداية، ويجب أن يتم الاختيار بناءا على الكفاءة وليس الولاء الفردي، وعلى الأغلب أن المجموعة الأولى التي ستحضر إلى البلاد ستكون مؤشرا  لنمط العمل الدولي اللاحق.

التركيبة: لن تستطيع سوى مجموعة صغيرة من الدول فقط توفير الموارد الضرورية، مدنية كانت أو عسكرية، لاتمام المهمة المطلوبة، وعلى الرغم من أن هناك طلب كبير على وجود قوات شرطية– أو وحدات سيطرة ذات خلفية عسكرية- إلى جانب الجيوش ذات القدرات سواء المكثفة أو المحدودة، إلا أن استجابة الطرف الثالث لذلك ضئيلة.

وفي الجانب المدني، لم تظهر أي دولة أو منظمة دولية القدرة على إعادة إعمار البنية التحتية الإدارية المدنية، إذا تم اختيار هذا المستوى من التدخل، وعلى الرغم من محاولة الأمم المتحدة القيام بذلك في عدد من الأماكن، ولم يكن لدى أي من حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي التسهيلات السياسية والإدارية لمباشرة مهمة مدنية رئيسية من المحتمل أن يطلب إليها القيام بها في سياق هذا النزاع إلى وقتنا هذا، ويوجد لدى الأمم المتحدة البنى اللازمة لمباشرة مثل هذه المهمة، لكنه من غير الواضح فيما إذا كان لديها الأهلية للتدخل في مهمة تتطلب بالضرورة إعادة بناء السلطات الوطنية والمحلية و بناء الدولة. وكما حدث مع الوكالة الخاصة التي تم انشاؤها لإدارة نظام التفتيش في المعاهدة السوفييتية– الأمريكية حول الأسلحة النووية، أو القوة متعددة الجنسيات التي تم تعيينها لمراقبة والتحقق من البنود العسكرية لاتفاقية السلام المصرية – الإسرائيلية،  هناك حاجة لجهد مماثل إذا قامت دولة أو منظمة إقليمية واحدة بقيادة هذا المجهود.

الجدول الزمني: كانت جهود السلام فيما مضى غير مجدية لأن التفويض الذي منح لها كان لإنجاز المهمة وفق حدود زمنية غير واقعية، ورغم وجوب قيام الجداول الزمنية على أساس الأداء من كلا الطرفين ومن البعثة الدولية، فإنه لا بد من تحديد التواريخ المنشودة بشكل يشجع على الأداء الجيد واستمرار التأييد الشعبي أيضا، ويجب أن يتم تحديد الجدول الزمني بوضع خطط للوصول لإنجازات رئيسية محددة تكون جزءا من خطة شاملة.

مصدر السلطة والسيادة: إن أول القضايا الهامة والمثيرة للجدل في التدخل الدولي هي مصدر صلاحيات التدخل لممارسة سلطاته ومسؤولياته، ويرى البعض أن المصدر يأتي من الشعب الفلسطيني والذي سيمنح بشكل مؤقت للتدخل الدولي، بينما يرى البعض الآخر أن مصدر السلطة يأتي من مجلس الأمن في الأمم المتحدة، وترى وجهة نظر ثالثة أن مصدر هذه السلطة يجب أن يأتي من خلال اتفاقية بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. إلا أن الآمال بوجود مثل هذا النوع من الاتفاقية قد تناقصت مع استمرار تفتت الجانب الفلسطيني بحيث لم يعد هناك طرف واضح يتم التخاطب معه والحصول على الموافقة منه، أما القضية الثانية فتدور حول التساؤل التالي: أين ستكون "السيادة" الفلسطينية أثناء أي مرحلة انتقالية قبل التوصل إلى اتفاقية الوضع الدائم؟

 

 

 

ج) النطاق الجغرافي

التداخل الجغرافي: في الوضع الراهن، أي قبل التوصل لاتفاقية الوضع الدائم، هناك غالبية عظمى من الإسرائيليين المؤيدين للانسحاب من مناطق "أ" و "ب" وحتى أبعد من ذلك، في سياق جهود الحد من وتيرة التصعيد، أما الحد الأدنى من توقعات الفلسطينيين على المدى القريب فهو الانسحاب الإسرائيلي، من مناطق "أ" بالإضافة إلى "ب"، ويتوقع الفلسطينيون انتشارا دوليا عبر كامل الضفة الغربية وقطاع غزة، ويجب أن يأخذ التخطيط بعين الاعتبار التغيرات الأساسية المتنوعة في نطاق الانسحاب والانتشار، فعلى سبيل المثال، إذا انتشر التواجد الدولي عبر الضفة الغربية وقطاع غزة، قد يكون لديه مسؤوليات مختلفة في مناطق انسحبت منها إسرائيل وفي مناطق أخرى لم تنسحب منها، وقد يكون لديه مسؤوليات أمنية كاملة في مناطق انسحبت منها إسرائيل وتتولى مهام الرقابة والتحقق في مناطق بقيت فيها القوات الإسرائيلية.

المركزية/اللامركزية: إن الضفة الغربية وقطاع غزة منفصلتين جغرافياً عن بعضهما البعض منذ قيام دولة إسرائيل في عام 1948، مما تسبب في خلق اتجاهات ثقافية واقتصادية وسياسية مختلفة في كل منهما، وقد تفاقم هذا الاختلاف بسبب احتلال الضفة الغربية من قبل الأردن واحتلال غزة من قبل مصر، حيث طبقت كلاهما قوانينها وأنظمتها الخاصة في حكم هذه الأراضي، وقد عمل احتلال إسرائيل لكلا المنطقتين في عام 1967 القليل لإحلال التوازن بين المناطق الفلسطينية، وخاصة أن السفر بين هاتين المنطقتين وعلى مر الأعوام القليلة الماضية بقي مقيدا جدا أمام الفلسطينيين، بل كان في أغلب الأوقات أمرا مستحيلا. وقد انتهت عملية إعادة البناء الوطني التي بدأت مع اتفاق أوسلو بين هاتين المنطقتين، بالتحول نحو أعمال العنف الحالية، كما تم فصل أكبر ثماني تجمعات سكانية في الضفة الغربية عن بعضها وقام الجيش الإسرائيلي بتقسيم قطاع غزة إلى ثلاثة أقاليم منفصلة، وسيحتاج أي تدخل دولي إلى الأخذ بعين الاعتبار المصادر والقدرات اللازمة لخلق إدارة وطنية فاعلة ذات قوانين وعلاقات طبيعية بين هذه المناطق المحررة من الاحتلال الإسرائيلي.

القدس الشرقية: يعتبر وضع القدس الرسمي قضية من قضايا الوضع الدائم، وتدعي الحكومة الإسرائيلية الحالية بأن القدس بكاملها عاصمتها، بينما يدعي الفلسطينيون أن النصف الشرقي المحتل منذ عام 1967 هو عاصمتهم، كما أن عملية إعادة دمج القدس الشرقية في مركز النسق الاقتصادي، والثقافي، والقومي الفلسطيني أثناء عملية أوسلو قد وصل إلى نهايته مع قيام النزاع الحالي، فقد قامت إسرائيل منذ ذلك الحين بإغلاق المؤسسات الفلسطينية في الجزء الشرقي من المدينة والتي كانت تقوم بالعديد من المهام الإدارية المدنية، ويجب على أي تدخل دولي أن يبحث عن طرق خلاقة لعدم الإجحاف بمفاوضات الوضع الدائم أثناء الفترة الانتقالية وذلك على ضوء نطاق مسؤولياته المحتمله.

الوضع الإقليمي: إن الدولتين المجاورتين، مصر والأردن، قلقتان من حالة عدم الاستقرار المستمرة والتجزئة التي كان الوضع الراهن سبب حدوثها، فالأردن، بالتحديد، معني بالحفاظ على معاهدة السلام التي وقعها مع إسرائيل ويتفهم في الوقت ذاته الدعم الذي يقدمه سكانه (الذين يشكل اللاجئون الفلسطينيون غالبيتهم) للفلسطينيين، ومن المتوقع أن تقوم كلا الدولتين بتقديم دعم مهم وربما المشاركة في بعض أجزاء البعثة الدولية، الأمر الذي سيتيح المجال أمام البعثة لتقديم دعم إضافي عبر كل من الأردن ومصر، وستتطلب السياسة العامة التعاون مع هذه البلاد علاوة على التعاون مع كل من الإسرائيليين والفلسطينيين.

 

د) السلطة والإدارة المدنية

السلطة الفلسطينية: من المفترض أن التدخل الدولي سيحتاج إلى إعادة بناء مؤسسات السلطة الفلسطينية، ولكن هناك اختلافاً جوهرياً في الرأي حول ما إذا كان التدخل الدولي سيهدف إلى إعادة بناء السلطة الفلسطينية كما كانت سابقاً أو سيعمل على استبدالها بقيادة جديدة كليا، وقد تعترض إسرائيل على تدخل لن يقوم بإنجاز الغاية الثانية، بينما يقف الفلسطينيون ضد عمل التدخل الدولي على تشكيل قيادة جديدة قد تقوم فيما بعد بالتفاوض على قضايا الوضع الدائم، وكبديل عن هذا كله قد يتم الاحتفاظ بالبنى الموجودة حاليا، في الوقت الذي سيتم فيه اختيار أفراد جدد عبر انتخابات شعبية.

الإدارة الانتقالية: السؤال الذي يجب التطرق له هنا يتعلق بالكيفية التي سيتم فيها حكم المناطق الفلسطينية في الفترة ما بين الانسحاب الإسرائيلي إلى أن يتم التوصل لاتفاقية الوضع الدائم، وهناك ترتيبات ودرجات متنوعة من التدخل بحيث تشترك الإدراتين الدولية والفلسطينية في مسؤوليات مختلفة المعايير، وسيكون هناك ميل بين المتدخلين الدوليين للتركيز على الهيئات التنفيذية والتشريعية والقضائية الوطنية، لكن التركيز يجب أن ينصب أيضاً على المستوى المحلي، حيث ستحتاج المؤسسات الحاكمة لبناء شرعيتها إذا كانت ستحظى بأي فرصة للنجاح.

التجزئة والتدخل: في الوقت الذي يتزايد فيه تفتت السلطة الفلسطينية، ستزداد درجة إقحام التدخل الدولي كي يكون فعالاً، وهناك أربع درجات متسلسلة تصاعديا من التدخل الدولي في  ممارسة السلطة السياسية، وتتضمن: تقديم الدعم للسلطات المحلية (كما هو الحال الآن في أفغانستان)؛ والشراكة مع حركة التحرر الوطنية المتماسكة أو مع المحتل المنسحب (كما في ناميبيا)؛ والسيطرة على الجماعات المنقسمة (كما حدث في كمبوديا)؛ و أخيرا الحكم الكلي ولكن المؤقت للأراضي و سكانها (كما هو الحال في كوسوفو وتيمور الشرقية)، ويتوقف المعيار الذي سيتم استخدامه لقياس توقيت نقل السلطات التي تمارس دوليا إلى سلطة فلسطينية على مستوى من الإدارة الفاعلة ونحو قدر كاف من بناء القدرات.

قواعد القوة المحلية: هناك معضلة كبيرة تتعلق بعملية إعادة بناء السلطة المحلية، بهدف التحقق من وجود مشاركة شعبية حقيقية، وهو أمر لا تتم معالجته بشكل كاف من خلال الانتخابات البلدية أو الوطنية الواحدة، فهل سيواجه التدخل الدولي مراكز السلطة التي برزت، وذلك حتى يتمكن من القيام بدرجة واسعة من الهندسة الاجتماعية عند إنشاء المؤسسات الحاكمة؟ أم سيعتمد التدخل على مراكز القوة هذه، والتي قد تكون سلطوية أو غير ممثلة، إلا أنها تتمتع بدرجة من الشرعية المحلية، كأساس لإعادة البناء؟ قد يكمن الجواب في مرحلة انتقالية طويلة الأمد بحيث تتم إتاحة المجال للمشاركة الشعبية دون وضع نظام جديد بالكامل، قد يفتقر إلى الشرعية ويصبح منفصلا بأكمله عن الناس.

فمثلا، يبدو أنه بالإمكان الحصول على الشرعية السياسية المحلية من خلال الدور الذي تقوم به جهات فلسطينية مختلفة من تقديم خدمات الدعم للمجتمع ومن خلال قدرة هذه الجهات على مقاومة الاحتلال، ولفترة زمنية طويلة، كان التعبير عن ذلك يتم من خلال الانتماء إلى منظمة التحرير الفلسطينية، والتي اعتبرت "الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني"، وبعد عقد الانتخابات التشريعية والرئاسية الفلسطينية في عام 1996، حصل كادر فلسطيني جديد لأول مرة على بعض الشرعية من خلال عملية ديمقراطية، إلا أن الوضع اليوم أكثر تعقيداً بكثير، وبوجود منظمتين رئيسيتين من خارج منظمة التحرير الفلسطينية هما حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي، التي تلعب دورا بارزا في توفير الخدمات إلى جانب تعزيز ودعم الهجمات على المدنيين والأهداف العسكرية الإسرائيلية. ومن هنا يجب على أي تدخل ناجح أن يدمج في منهجية عمله المؤسسات، أو أجزاءا من المؤسسات التي تعتبر " شرعية" من قبل الشعب الفلسطيني والمجتمع الدولي.

تحديد دور الحكم المحلي:يجب إعداد تقييمين هامين قبل القيام بالتخطيط للتدخل الدولي، ويجب أن يقوم الأول بتحديد ماهية القوة "التقليدية" أو المحلية والبنى الاجتماعية التي كانت موجودة على مر التاريخ، وكيف تطورت إلى وقتنا الحاضر، وكيف تحولت نتيجة للنزاع، وما هي الديناميكيات لتوزيع القوة والتي برزت في الوقت الراهن، أما الثاني فيجب أن يعمل على تحديد التصورات المحلية السائدة والتي تتعلق بمن يفترض أن يتسلم السلطة ولماذا؟ إن مثل هذا الفهم للمفاهيم السياسية المحلية سيتيح المجال أمام المخططين لتحديد تصميم فعال وبنى حكومية تحظى بالقبول الشعبي إلى جانب مشاركة السكان الحقيقية في أجهزة الدولة، وسيكون من المهم جدا عند تصميم بنية الحكم المحلي، الإقرار بالمفاهيم والمؤسسات المحلية السائدة، في الوقت الذي سيتم فيه توفير المجال أمامها للتحول بشكل تدريجي بناءا على الإحساس بالمسؤولية المدنية في ظل مجتمع دولة، ومن خلال هذه العملية فقط يمكن لفكرة "المواطنة" أن تصبح ذات مغزى.

فض النزاع المحلي: يمكن من خلال فهم السبب الذي يدفع الناس نحو منح الشرعية للقادة الوطنيين أو الفصائليين أو غيرهم من القادة المحليين، أن يفهم المخططون الدافع وراء النزاعات الفلسطينية الداخلية بشكل أفضل، ومن هنا فإن تقييم وإدارة الديناميكيات المحلية سيتيح المجال أمام المتدخلين للإعداد للأمن الداخلي، والذي يتضمن منع وحل العديد من مصادر العنف، كما أنه سيساعد في بناء مؤسسات أمنية موحدة ويسهم في تعزيز سيادة القانون من خلال الالتزام الشعبي بالمؤسسات القضائية.

 

هـ) الأبعاد الأمنية

قطاع الأمن الفلسطيني: تتألف أجهزة الأمن الفلسطينية من العديد من أجهزة المخابرات والأمن، ولا يزال كل من غاياتها ومواقعها التنظيمية داخل السلطة الفلسطينية غير محددة بصورة عامة، مما أدى إلى الكثير من التكرار والتداخلات في وظائفها، فعلى سبيل المثال، لم تمارس بعض الأجهزة أي من الصلاحيات الوظيفية، بينما يوجد لدى أخرى مهام متعارضة، ويعمل العديد منها بشكل مستقل،  وجميعها تقريبا تتبع ياسر عرفات بشكل مباشر، بالإضافة إلى وجود ميليشيات مسلحة لا تخضع للسلطة الفلسطينية.

قبيل الانتفاضة الفلسطينية، أثبتت بعض الأجهزة الأمنية درجة من المصداقية والفعالية، فقد قام جهاز "الأمن الوقائي" في الضفة الغربية و قطاع غزة، وبمساعدة وكالة الاستخبارات الأمريكية المركزية، بتبادل المعلومات المخابراتية وحافظت على علاقات تعاونية قوية مع وكالات الاستخبارات الإسرائيلية، وعملت "قوات الشرطة" على الحفاظ على مستوى معين من النظام والأمن العام.

وتعمل خطة الإصلاح الفلسطينية الحالية – بتوافق مع الخطط الدولية – على دمج جميع الأجهزة الأمنية في ثلاث هيئات رئيسية، وسيخضع كل من الأمن الوقائي وقوات الشرطة والدفاع المدني لسلطة وزارة الداخلية، بينما ستستمر كل من المخابرات العامة والأمن العام برفع تقاريرها بشكل مباشر إلى ياسر عرفات. وفي الوقت الحاضر، يصب الهدف من الإصلاح على جعل السيطرة على الأجهزة الأمنية مركزية والقيام بتطبيق الإصلاح في القطاع الأمني على جميع الأصعدة. بالإضافة إلى ذلك، تدعو الخطة إلى تخفيض عدد القوات بشكل ملحوظ، وإلى فصل السلطات، والتدريب والمساعدة الفنية، وإنشاء مجلس الأمن القومي ووضع ميزانيات حقيقية ولجان مراقبة تتمتع بسلطات مالية وموازنة.

نتائج الإصلاح المحدودة : كان تنفيذ خطط الإصلاح لإعادة تنظيم بنية وتركيبة الأجهزة الأمنية وهيكليتها وعلاقتها المتبادلة مع القيادة السياسية بطيئا، وكان في بعض الأحيان عديم الجدوى. وتستمر الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية وقطاع غزة في التفكك بخطى سريعة جدا، الأمر الذي قد يعبد الطريق أمام انهيار كلي، وبروز منظمات عسكرية يمكن أن تعرض الأمن الفلسطيني للخطر، وفي الظروف الراهنة لا تتمتع قوات الشرطة الفلسطينية بالقدرة على ممارسة السيطرة في الضفة الغربية، بينما تعتبر السيطرة في قطاع غزة محدودة جدا ولم يتم اختبارها. ولا يوجد لدى الفلسطينيين بالضرورة الكثير من التقدير للمهنية والأنظمة السلوكية لدى كل من قوات الأمن الإسرائيلية والفلسطينية، ويجب أخذ هذا الأمر بالحسبان عند إعادة إحياء قطاع أمن متكامل وملتزم وقوي وفعال وذي ولاء للدولة الفلسطينية ويخدم مصالح الشعب الفلسطيني.

عقبات: هناك العديد من العقبات التي تقيد عملية إصلاح قطاع الأمن، ففي ظل الظروف الحالية للنزاع، يجد كل من رجال الأمن الفلسطينيين والمسؤولين الدوليين صعوبة في تنفيذ أو المشاركة في أي نوع من الإصلاح الحقيقي في قطاع الأمن، وقد منعت إسرائيل القوات الفلسطينية تماما من الوصول إلى المناطق الفلسطينية المهمة للقيام بالمهام المتعلقة بإصلاح قطاع الأمن والحصول على التدريب، وكنتيجة لذلك، غدت قوات الشرطة الفلسطينية غير قادرة على تعزيز فرض القانون أو الحفاظ على النظام. هذا بالإضافة إلى تدمير البنية التحتية الأمنية الفلسطينية طيلة العامين الماضيين، وقد طال تدمير البنية التحتية كل من الثكنات، والقواعد والسجون والمراكز الحكومية وقواعد بيانات المعلومات والمعدات، وقد أدت هذه الأعمال إلى إضعاف مصداقية ومعنويات قوات الأمن الفلسطينية، وما زالت تسبب مزيدا من التدهور في التسلسل القيادي وفي الوضع العام للأجهزة الأمنية، وستعمل في النهاية على إعاقة الجهود الفلسطينية والدولية المستقبلية لإنشاء قطاع أمن فعال.

أما العقبة الثانية فهي الافتقار إلى الموارد المالية المتاحة، حيث تسبب محدودية التمويل وغياب لجان الرقابة لمراقبة النفقات تقليص القدرة الفلسطينية على إعادة بناء القوات والبنية التحتية اللازمين للإصلاح وللحفاظ على الأمن الداخلي والقانون والنظام، وتتردد الدول المانحة، لأسباب عملية وربما نتيجة للتبعات السياسية، في توفير الدعم المالي حتى و إن كان تمويلا متواضعا، للسلطة الفلسطينية في غياب ضمان إسرائيلي بعدم تدمير المرافق الجديدة أو سجن واغتيال موظفي الأمن والمخابرات الذين حصلوا على درجات متقدمة من التدريب، وببساطة فإن الدول المانحة غير معنية بالسير في طريق قد يؤدي إلى نتائج سلبية سياسيا أو هدر للمساعدات الممنوحة.

أما العقبة الثالثة فهي سلوك القيادة الفلسطينية ومدى رغبتها في مواجهة الفصائل المسلحة المتطرفة الفاعلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتي من المحتمل أن تؤدي في النهاية إلى تعريض المحاولات المستقبلية للإصلاح الفعال في قطاع الأمن للخطر، وبدون إحداث تغيير في هذا الموقف، لن يتمكن قطاع الأمن من تحقيق المطلوب لإحداث التغيير حسب المنظور الأسرائيلي.

علاوة على ذلك، هناك نقص في الانسجام فيما يتعلق بإصلاح قطاع الأمن على كل الجبهات، فقد عملت الرباعية على تشكيل سبع لجان عمل تعالج المجالات التي تحتاج إلى إصلاح، وعلى الرغم من أن إصلاح قطاع الأمن يشكل في الوقت الحالي جزءا من قاعدة عمل اللجنة الدولية الرباعية إلا أن ذلك يتم من خلال فريق عمل منفصل لديه بنية وآلية عمل خاصة به، وقد تأخرت الرباعية في تشكيله لعدة أشهر، ولم يتح هذا الفصل المجال للكثير من التنسيق بين مجموعات العمل السبعة في التخطيط والتنفيذ، مما سبب المزيد من الإعاقة لجهود الإصلاح.

عناصر متعددة: يجب أن يأخذ تدخل أي طرف ثالث في الحسبان عددا من العناصر، فمثلا، سيتوقع الفلسطينيون أن يسهم التواجد الدولي في تعزيز الأداء وتحسين البنى الموجودة حاليا حتي يصبح من الممكن إنشاء قطاع أمن قوي ومتين يلبي احتياجات كلا الجانبين، ولكن هذا لا يعني المزيد من التدريب على النشاطات المرتبطة بالأمن وجمع المعلومات الاستخباراتية فقط، بل يجب أن يقدم التواجد الدولي أداءا أفضل مما يقدم الآن، حيث أن الإسرائيليون سيرفضون أي شيء أقل من دمج الفصائل الفلسطينية المسلحة في المجتمع الفلسطيني وتحت إمرة وسيطرة القيادة الفلسطينية، وحل الفصائل المسلحة الأخرى.

الجوانب المدنية: يجب أن يأخذ التدخل الدولي بعين الاعتبار الجوانب المدنية الهادفة لتنشيط المجتمع المدني وتشجيع المدنيين على الانخراط في القطاع الأمني، كما أن هناك حاجة قوية لوضع ميزانيات حقيقية لقطاع الأمن وضبط عمل لجان المراقبة لأغراض الشفافية والمصداقية، وأياً كانت الآلية التي سيتم وضعها للتعاون والتنسيق بين القوات الدولية وقوات الأمن الفلسطينية فلا بد أن تكون قادرة على التكيف مع التغيرات التي تحدث على الأرض في المجالات السياسية والأمنية.

 

و) القوات العسكرية

الإمرة والثقة: ستكون القوات العسكرية على الأغلب واحدة من عناصر توفير الأمن، ومن المهم جدا النظر إلى مهمة هذه القوات ضمن سياق عملية أكبر تتيح الفرصة أمام المجالات الأخرى للتطور، كما يجب أن تهدف العمليات العسكرية إلى بناء الثقة مع السكان المحليين في ظل هذه العملية الواسعة طوال تواجد القوات الدولية حتى تتمكن من خلق أفق سياسي مريح، وستدعم القوات العسكرية النظام وسيتم تشكيل قواتها وحجمها بناءا على درجة القبول، ودرجة الخطر المتوقع أن يتعرض له العاملين الدوليين وإمداداتهم، وخطر التسلل إلى إسرائيل، وخطر الهجمات على الفلسطينيين، بالإضافة إلى درجة سيادة القانون، كما يجب أن ترفع القوات العسكرية تقاريرها إلى السلطة السياسية لتسهيل الانسجام في التدخل الدولي.

 

عوامل انتشار فريدة: هناك ما يقارب 1.8 مليون فلسطيني في الضفة الغربية موزعين على ثمانية تجمعات مدنية، ويحيط كل واحد منها عشرات القرى الريفية، وفي قطاع غزة، ما يقارب 1.2 مليون فلسطيني يسكنون في مساحة تبلغ 360 كيلو مترا مربعا، مما يجعل المنطقة من أكثر مناطق العالم كثافة وأكثرها بؤسا، بالإضافة إلى ذلك، هناك حوالي 7000 مستوطن إسرائيلي يستخدمون ما يقارب ثلث قطاع غزة بشكل حصري، وهنالك ما يفوق 200.000 إسرائيلي موزعين في 140 مستوطنة تقريبا في الضفة الغربية وقطاع غزة مجتمعين، علاوة على ذلك، هناك ما يزيد عن 200.000 إسرائيلي في مناطق من الضفة الغربية ألحقها الإسرائيليون بالقدس بعد عام 1967، ولا تشمل هذه الأرقام قوات الجيش الإسرائيلي المنتشرة في المناطق الفلسطينية المحتلة.

غالباً ما يكون موقع المستوطنات الإسرائيلية في وسط المراكز السكانية الفلسطينية أو مجاورا لها، ويجعل هذا الواقع الجغرافي من التواصل الإقليمي لانتشار القوات الدولية أمرا مستحيلا دون أن يكون هناك سلطة قضائية على المستوطنات أو دون أن يتم إخلاءها، وتعتبر المناطق التي يعيش فيها المستوطنون الإسرائيليون والفلسطينيون بجوار بعضهم المناطق الأكثر حساسية. إن التوزيع الحالي للمستوطنات يضع القوات الدولية في مأزق ما لم يكن هناك اتفاقية سياسية لتجميد بناء المستوطنات وإخلاء البعض منها.

أسئلة صعبة: هناك عدد من الأسئلة الصعبة المتعلقة بعمل قوات التدخل الدولي والتي ينبغي الأطراف ذات العلاقة الإجابة عليها بشكل واضح. كما ينبغي أن يستند التخطيط للسيناريوهات الأكثر سوءاً في كل الأحوال، وستحدد الأجابات على هذه الأسئلة طبيعة التفويض، ونوع، وأعداد، وأنظمة الاشتباك للقوات العسكرية والأمنية.

من المؤكد أن تكون الإجابات الفلسطينية والإسرائيلية المقدمة مختلفة أحياناً، كما أنها قد تكون مختلفة لدى الدول المشاركة في القوات الدولية، وفي بعض الحالات، قد يصر أحد الأطراف على تولي القوات الدولية مهمة ما بينما قد يرفض ذلك طرف آخر، وبالتالي فإن قبول أو رفض أي مهمة من قبل الأطراف أو المشاركين سيؤثر على تصميم بنية القوة الداخلية.

 

تتضمن هذه الأسئلة ، على سبيل المثال ما يلي:

·        هل ستقيم القوات الدولية نقاط تفتيش على مداخل إسرائيل و/أو بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية وتلك التي انسحبت منها إسرائيل؟

·         هل ستدافع القوات الدولية عن المدنيين الفلسطينيين من الهجمات التي قد يشنها المتطرفون اليهود عليهم؟

·        هل ستدافع القوات الدولية عن المستوطنات الإسرائيلية من الهجمات التي قد يشنها المتطرفون الفلسطينيون؟

·         هل ستعمل القوات الدولية على نزع سلاح الفلسطينيين؟ وكذلك سلاح المستوطنين اليهود؟

·        هل سيكون للقوات الدولية الصلاحية لاعتقال الإسرائيليين المسلحين؟ والفلسطينيين المسلحين؟

·        هل ستتولى القوات الدولية مسؤولية أمن العاملين التابعين للأمم المتحدة، وموظفي المنظمات غير الحكومية، وغيرهم من الطاقم العامل في منطقة عمل القوات الدولية؟

·        هل ستقوم القوات الدولية بالرقابة والتنسيق مع قوات الدفاع الإسرائيلية؟ ومع أجهزة الأمن الفلسطينية؟

·        هل ستقوم القوات الدولية بتجهيز وتدريب أجهزة الأمن الفلسطينية؟

·        هل ستعمل القوات الدولية على إخلاء المستوطنات والحيلولة دون بناء مستوطنات جديدة؟

·        هل ستقوم القوات الدولية باتخاذ إجراءات مباشرة ضد البنى التنظيمية لكل من حماس، وحركة الجهاد الإسلامي، ومجموعات المستوطنين اليهود المسلحة، و المجموعات الأخرى التي تعمل على تشجيع العنف؟

·         هل ستشارك القوات الدولية في القيام بمشاريع هندسية عسكرية أو أمنية لازمة لإنجاح مهمتها؟

·        هل ستقوم القوات الدولية باتخاذ إجراءات ضد الجيش الإسرائيلي أو ضد أجهزة الأمن الفلسطينية؟

التبادلية و التماثل: عند الإجابة عن هذه الأسئلة، سيتوقع الفلسطينيون أن تعمل القوات الدولية على أساس مبدأ التبادلية، ويشير الفلسطينيون إلى تعرض الكثير منهم للهجوم من قبل الإسرائيليين أكثر مما يتعرض له الإسرائيليون على يد الفلسطينيين وبالتالي يجب أن تكون المحاولات الدولية لحماية الإسرائيليين موازية لمحاولات حماية الفلسطينيين، وسيتوقع الفلسطينيون من البعثة الدولية أن تكون "موضوعية"، متيحة المجال أمام التغيرات السياسية في كلا المجتمعين نحو تعزيز الحل القائم على دولتين مستقلتين تعيشان جنباً إلى جنب،  أما الإسرائيليين فإنهم فسيطالبون قوات التدخل الدولي بالعمل على إنشاء مؤسسات حكم تمتاز بالشفافية والمساءلة والقدرة، وإنشاء قوات موحدة وخاضعة للسيطرة ولديها القدرة على مقاومة أي جماعات منشقة، وربما ترى إسرائيل في ذلك شرطاً مسبقاًَ لقبول أي تدخل دولي، كما ستتوقع إسرائيل أن يكون هناك حدود لنطاق السيطرة الدولية على المواطنين الإسرائيليين أو على الأقل داخل المناطق التي لا تزال القوات الإسرائيلية منتشرة فيها.

 

ز) سيادة القانون

إعادة فرض سيادة القانون: يجب أن يأخذ التدخل الدولي في الضفة الغربية وقطاع غزة بعين الاعتبار التوقعات والفهم الفلسطيني لسيادة القانون، فقد سن الفلسطينيون مؤخرا قانون استقلال السلطة القضائية، الأمر الذي يعكس تقدما كبيرا في تواجد أسس لسيادة القانون. وسيكون من الخطأ تجاهل إنجازات الفلسطينيين حتى الآن والبدء من جديد، ويوجد في الضفة الغربية وقطاع غزة عدد من المحامين الفلسطينيين الذين يتمتعون بدرجات متفاوتة من الكفاءة والتعليم، وينبغي دمج هؤلاء المهنيين القانونيين في النظام القانوني، كما تحتاج البنية القانونية الفلسطينية للدعم لتصبح أكثر انسجاماً في مختلف المجالات، ويجب ردع أي محاولات لممارسة أية نشاطات خارجة عن القانون بشدة وحزم والعمل على عقابها.

القانون الساري المفعول: لم تقبل إسرائيل في السابق بتطبيق معاهدة جنيف الرابعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولذا، فلا بد أن يكون أي تدخل دولي مستنداً في عمله على هذه المعاهدة وما تنص عليه، و يمكن لهذا الأمر أن يخلق تعقيدات في المناطق التي سيبقى فيها المستوطنون الإسرائيليون، نظراً لطبيعة تصنيفهم في هذه المعاهدة، كما ستحتاج البعثة الدولية لتشجيع الهيئات التشريعية الفلسطينية على سن القوانين التي تتوافق مع المعاهدة والتي  يمكن تطبيقها، وسيكون على البعثة وضع قوانين اللعبة بشكل واضح أمام الفلسطينيين والإسرائيليين المتواجدين في نطاق سلطتها.

 

ح) إعادة بناء الاقتصاد

تأثير سريع : شهدت الضفة الغربية وقطاع غزة حجما هائلا من الاستثمار والنمو أثناء عملية أوسلو، وقد اختفى هذا النموذج أو دمر بالكامل نتيجة للنزاع الراهن، وسيكون دعم كلا الطرفين لأي بعثة دولية مرهون بمدى سرعتها في تحسين حياتهما، كما سيكون النمو الاقتصادي السريع والمتواصل أحد المؤشرات الرئيسية لذلك، و يجب أن يؤخذ بالحسبان التضخم الاقتصادي الناجم حتما عن تدفق عدد كبير من العاملين الدوليين، كما ستنشأ حاجة ماسة لتقديم العون الاقتصادي الفوري (بدلاً من المساعدات الإنسانية) لأغلبية السكان الفلسطينيين الذين يعانون من الفقر والذين أصبحوا أقل تعليما بسبب إغلاق مراكز التعليم الفلسطينية لفترة طويلة.

 

ط) الجوانب الثقافية المشتركة

التوجهات الرئيسية: يجب على البعثة الدولية التعامل بحساسية مع الاتجاهات الثقافية والسياسية المتعددة في الضفة الغربية وقطاع غزة، ففي الجانب الفلسطيني مثلا، هناك مجتمعات مدنية وعلمانية واسعة، بالإضافة إلى المجتمعات التقليدية والمحافظة، خاصة في قطاع غزة. أما في الجانب الإسرائيلي، فهناك مجتمعات علمانية ومدنية تتألف بشكل رئيسي من المستوطنين الذين قدموا إلى الضفة الغربية بحثا عن حياة أفضل ونفقات معيشة أقل، وهو ما قدمته لهم الحكومة، كما أن هناك تجمعات أيديولوجية ودينية وحكومية، لذا ستجد البعثة الكثير من الأمور المشتركة بين العلمانيين الفلسطينيين والعلمانيين الإسرائيليين وبين التقليديين الفلسطينيين والتقليديين الإسرائيليين في كلا الحالتين، ويجب على البعثة أن تحترم المعتقدات الدينية والتقليدية لدى الجميع تحت نطاق سلطتها دون السماح لهم بإعاقة تنفيذها لتفويضها.

المستشارون الأنثروبولوجيون: سيحتاج مخططو البعثة الدولية للجوء للمستشارين الأنثروبولوجيين عند وضع الخطط لطلب مساعدتهم في تحديد الوقائع القائمة، والابتعاد عن اللجوء إلى الأنماط المقولبة التبسيطية، وسيكون توظيف الخبرات الأنثروبولوجية أمرا ملحا خاصة عند تطوير آلية منهجية شرعية وفعالة لتشييد بنى الحكم على المستوى المحلي.

أفعال تخلق رموزا: يجب تطوير حملة إعلامية قادرة على إيصال رسالة واضحة بالالتزام الدولي بالترتيبات النهائية، والانطباع الذي يجب نقله هو أن التواجد الدولي ملتزم تماما بإتمام تفويضه وأنه يخدم مصالح الطرفين لأجل إسرائيل آمنة وفلسطين مستقلة، وحيث أن كلا المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي تطغى عليهما الصبغة السياسية بشكل كبير، وكما في جميع الشعوب الأخرى، قد يقعوا فريسة للانفصال العاطفي في أوقات الأزمات، لذا يجب أن تعمل البعثة على خلق معايير جديدة لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين تشجع على احترام قدسية الحياة البشرية وضرورة عدم الاعتداء على المدنيين، لتحل محل رغبات الانتقام السائدة في كلا المجتمعين، وذلك من خلال أفعالها وأمثلتها ومن خلال حملاتها الإعلامية.

 

[قائمة المحتويات] [التقرير الأول] [التقرير الثاني] [التقرير الثالث] [التقرير الرابع] [التقرير الخامس]

[ الصفحة الرئيسية ] [إصدارات ونشاطات الوحدة ]

 




 



*  يشير كل تقرير في هذا المجلد إلى زمان ومكان انعقاد ورشات العمل.