اعتبارات التخطيط لتدخل دولي في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي
المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية
اعتباراتا لتخطيط لتدخل دولي

 

اعتبارات التخطيط لتدخل دولي

في الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية

 

التقرير الرابع

(6-7 أيار/ مايو 2004)

 

إعداد

أمجد  عطالله، جاريت شوبرا، ياسر م. الدجاني

أورت جال، جويل بيترز، مارك وولش

 

في أعقاب رفض الليكود لخطة شارون للانفصال عن قطاع غزة واجزاء من شمال الضفة الغربية بتاريخ 6 و7 مايو/أيار 2004، اجتمعت مجموعة من الإسرائيليين والفلسطينيين والمسؤولين والخبراء الدوليين لنقاش الجوانب العملياتيه لتدخل طرف ثالث في عملية الانسحاب. ترأس الاجتماع جاريت شوبرا ومارك وولش، واستضافته وزارة الشؤون الخارجية الهولندية في مدينة نوردويك آن زي، وتمت رعايته من قبل "برنامج أمن المجتمع الدولي" التابع لمركز الدراسات الدولية في جامعة كامبردج، وجرى تنظيمه بالاشتراك مع "مبادرة التقييمات الاستراتيجية". هدف النقاش إلى دراسة المّجدي وغير المّجدي عملياً، في سياق الواقع الاجتماعي والسياسي.

 تناول الاجتماع سلسلة من القضايا المؤثرة في تصميم الدور الذي سيقوم به أي طرف ثالث أثناء فترة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية، وقد جمع المشاركون ما بين الخبرات المحلية والإقليمية، والمعرفة المباشرة بوضع الأطراف بالإضافة إلى خبرتهم في عمليات السلام المعقدة، وفي مجالاتها الإنسانية، والعسكرية، والسياسة الانتقالية، وقد أتاح هذا المزيج من الخبرات المجال أمام بلورة فهم متخصص للمنطقة واستخلاص الدروس المستفادة من المهام الدولية متعددة الأبعاد، منتجاً مجموعة شاملة من اعتبارات التخطيط، ويعكس التقرير التالي القضايا التي تم نقاشها، ويدرج كثيراً من الأفكار التي أسهم بها المشاركون، ويعتبر مضمون هذا التقرير مسؤولية المؤلفين وحدهم.

إن نتائج هذا الاجتماع هي استكمال للتقارير السابقة المتعلقة باعتبارات التخطيط، وقد أوضحت التقارير السابقة بعض مبادىء التدخل الفعال والقابل للاستمرار في السياق الإسرائيلي – الفلسطيني، وقد نشرت على نطاق واسع في دوائر التخطيط الدولي وبين الأطراف المعنية ومجتمعاتها، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من الخبراء والمراقبين المهتمين. يحدد التقرير التالي الجوانب الاستراتيجية للانسحاب الإسرائيلي في الوقت الحالي؛ واصفاً بيئة العمل للطرف الثالث؛ وموضحاً لطبيعة التدخل الدولي المحتمل في نظام الحدود، وفي الحكم الفلسطيني، وفي نقل الممتلكات في قطاع غزة؛ وينتهي باستخلاص عوامل واعتبارات التخطيط العامة.

إن خلاصة ما توصل إليه المؤلفون هي ان مشاركة طرف ثالث هو مطلب حاسم وحتمي إذا كان الهدف من الانسحاب هو خدمة مصلحة كافة الأطراف المعنية.

 

1. الجوانب الاستراتيجية للانسحاب

السياق الحالي: أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي في 18 كانون أول (ديسمبر) 2003 نية حكومته الانفصال من "طرف واحد" عن قطاع غزة وأجزاء من الضفة الغربية مع نهاية عام 2005. وصادق الرئيس الأمريكي على خطة شارون في 14 نيسان (إبريل) 2004، بعد أشهر من النقاش، كما صادق الرئيس الأمريكي بوش أيضا على الصياغة الإسرائيلية لقضيتين من قضايا الوضع الدائم وهي: قضية اللاجئين الفلسطينيين وحدود الدولة الفلسطينية المستقبلية، كما قام بتغيير السياسة الأمريكية فيما يخص "الجدار الفاصل" الذي تبنيه إسرائيل، مؤيداً استمرارية بنائه حول الضفة الغربية عوضا عن بنائه فوق الخط الأخضر.

خطة الانفصال أحادية الجانب: تبين النسخة الأصلية والمعلنة لخطة شارون أن "إسرائيل ستخلي قطاع غزة، بما في ذلك كافة المستوطنات الإسرائيلية الموجودة هناك حاليا، وأنها ستعيد انتشارها خارج أرض القطاع". كما وتشير الخطة أيضا إلى نية إسرائيل إخلاء أربع مستوطنات ومنشآت عسكرية دائمة في الأجزاء الشمالية من الضفة الغربية، ومن المتوقع أن يخطط لـ "تواصل إقليمي" في شمال الضفة الغربية ولتواصل شبكة المواصلات عبرها، وتؤكد الخطة أن الانفصال لن يبطل "الاتفاقيات الحالية"، وتشير إلى استمرار العمل "بالترتيبات الحالية"، وتنص هذه الخطة أنه بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة "لن يكون هناك أساس للادعاء بأن قطاع غزة أرض محتلة".

 

"الانفصال أحادي الجانب": تدعي إسرائيل بأنه سيتم تنفيذ هذه الخطة من طرف واحد لأنه "لا يوجد شريك فلسطيني من الممكن إحراز تقدم معه عبراتفاقية ثنائية"، وتدعو مبادئ الانفصال إلى الحفاظ على الترتيبات الحالية، ومن هنا تقر باستمرار المستوى الوثيق من الاعتمادية المتبادلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهناك العديد من العلاقات بين أطراف العمل الفلسطينية وبين كل من الجيش الإسرائيلي، والشركات وموردي الخدمات، والحكومة الإسرائيلية، وتستوجب هذه الاتصالات قدرا معيناً من التنسيق والتفاهم، مما يعني الحاجة إلى وسائط بديلة عن المفاوضات الثنائية.

 

أ) الردود على الفصل أحادي الجانب

الرد الدولي: صادق أعضاء الرباعية (الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الفيدرالي الروسي، والولايات المتحدة) في 4 مايو-أيار 2004، على خطة شارون للانسحاب من غزة واصفينها كخطوة إيجابية باتجاه تحقيق جزء من متطلبات خارطة الطريق التي سبقتها بعام، والتي قبلتها كل من الحكومة الإسرائيلية (مع 14 تحفظ) والسلطة الفلسطينية، وقد أعلنت الرباعية أنها "ستعمل، على أساس طارىء بالاشتراك مع البنك الدولي ومكتب منسق الأمم المتحدة الخاص بعملية السلام في الشرق الأوسط، ولجنة التنسيق الخاصة بالدول المانحة، بالاستناد إلى الدراسة التقييمية العاجلة التي أعدها البنك الدولي ومكتب منسق الأمم المتحدة، على ضمان تلبية الاحتياجات الإنسانية الفلسطينية، وإحياء وتطوير البنية التحتية الفلسطينية، وإنعاش النشاط الاقتصادي".

الرد الفلسطيني: أبدت السلطة الفلسطينية امتعاضاً تجاه كل من إعلان إسرائيل للخطة والتأييد الأمريكي لها، وتستمر السلطة الفلسطينية في الجدال بأن أي انسحاب يجب أن يحدث في سياق مفاوضات ثنائية كما أنها شددت على قدرتها على ضمان الأمن الداخلي في الأراضي التي ستخليها إسرائيل في حال كان الانسحاب من قطاع غزة كاملاً، وجاء عبر عملية تفاوضية، وإذا ما سُمِح للرئيس عرفات بحرية الحركة الكاملة.

أما حركة المعارضة الإسلامية حماس، فقد أعلنت أنها ستوقف جميع العمليات العسكرية ضد الإسرائيليين بناءً على انسحاب كامل من غزة، لكنها حذرت من استمرارها في شن الهجمات ضد الإسرائيليين في الضفة الغربية، وبالمثل فقد أعربت العديد من خلايا فتح والمنظمات غير الموحدة عن استعدادها لوقف كامل للعمليات في قطاع غزة في ظروف مماثلة.

 

الرد الإسرائيلي: أخضع شارون خطة الفصل أحادية الجانب لتصويت أعضاء حزب الليكود في 2 مايو-أيار 2004، إلا أنه تم رفض الخطة بعد الحشد والحملة الشعبية المكثفتين التي قامت بهما حركات المستوطنين، وكنتيجة لذلك، أكد شارون عزمه مواصلة الإعداد للانفصال أحادي الجانب، ولتقديم خطة منقحة لمجلس الوزراء الإسرائيلي لإقرارها، وقد أشارت استطلاعات الرأي العام إلى أنه وجود تأييد غالبية الشعب الإسرائيلي للخطة، وكذلك غالبية ناخبي الليكود، كما أعلن حزب شينوي شريك ائتلاف الليكود البارز، استمراره في تأييد الخطة وترقب عرضها على الحكومة، والمصادقة عليها وتنفيذها، كما أكد حزب العمل تصويته لصالح خطة الانسحاب إذا عرضت على الكنيست.

 

ب) احتياجات ومخاوف الانفصال

الاحتياجات والمخاوف الإسرائيلية: إن الأهداف الإسرائيلية الرئيسية من الانفصال هي الحد من نقاط الاحتكاك بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وتسهيل إدارتها عن طريق إعادة الانتشار على طول الخطوط الأمنية، وتأمل إسرائيل، على المدى المتوسط والبعيد، أن تساهم هذه الخطوة في الحد من تأييد الشعب الفلسطيني للمقاتلين المتطرفين، وستعزز وجود ما تعتبره شريكاً مسؤولاً في مفاوضات السلام الثنائية. أما بعد الانفصال، فيبقى البعد الأمني مصدرا لقلق إسرائيل الأساسي (أي منع الأنشطة الإرهابية، ووقف إعادة بناء البنية التحتية للإرهاب أو إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل)، فقد تزيد الفوضى من قوة الحركات المتطرفة، فالاستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي قد يشكل مصلحة لإسرائيل، وكذلك يحقق المزيد من التنمية في قطاع غزة، أما فيما يتعلق بالتدخل الدولي لإعادة البناء والتأهيل، فتفضل إسرائيل الجهود التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية.

 كما ترغب إسرائيل بتوظيف انفصالها وإجلائها للمستوطنات لتحسين منزلتها الدولية، إلا أن إعادة توطين المستوطنين تنطوي على مخاطر سياسية داخلية، نتيجة للاعتقاد الشعبي أن الانسحاب هزيمة، وقد يتفاقم هذا الأمر إذا ما استولى المقاتلون الفلسطينيون أو دمروا المستوطنات التي يتم إجلاءها، ومن المتوقع أن تؤثر هذه الأحداث بصورة سلبية على تأييد الشعب الإسرائيلي للانسحاب التالي من الضفة الغربية، وعليه، فإن إسرائيل معنية بضمان النقل المنظم لجميع الممتلكات المتبقية للأطراف التي تستطيع دعم عملية السلام بشكل أفضل.

الاحتياجات والمخاوف الفلسطينية: إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة الدولة المستقلة هو الاهتمام الأول للفلسطينيين، ويخشى الفلسطينيون من قيام إسرائيل بإخلاء قطاع غزة فقط، وتعزيز سيطرتها على الضفة الغربية، وقد ازداد قلقهم بهذا الشأن بعد تصريح بوش تأييده لقرار إسرائيل الخاص بالحدود و "الجدار العازل"، ويحتاج الفلسطينيون إلى توظيف الانسحاب كخطوة نحو الأمام تجاه مفاوضات الوضع النهائي وحل الصراع.

تختلف المخاوف الفلسطينية الأخرى من طرف لآخر، فقد أصبحت السلطة الفلسطينية الشريك المفاوض الفعلي مع إسرائيل ومع الولايات المتحدة على الرغم من افتقارها للتفويض الشعبي، إلا أنها تخشى فقدان مصداقيتها لدى الفلسطينيين إذا كانت غير قادرة على تحقيق وعدها بالتفاوض لإنهاء الاحتلال، أما حماس، فترغب بترجمة انسحاب القوات الإسرائيلية على أنه نصر سياسي تجيره لنفسها للعب دور مستقبلي في حكم قطاع غزة دون المساومة على وجهات نظرها الخاصة بالوضع النهائي، ويسعى عدد من الفلسطينيين لخلق سلطة قادرة على الاستجابة لنداء الديمقراطية والحكم الصالح في قطاع غزة.

كما تتضمن المخاوف الفلسطينية عدم الثقة في أهداف وممارسات الولايات المتحدة الأمريكية مما قد يؤثر على القبول الفلسطيني لمشاركة معينة في قوات الطرف الثالث.

الاحتياجات والمخاوف الدولية: تبرز المصالح الدولية في عملية السلام الإسرائيلي– الفلسطيني على مستوى كل من الحكومات الوطنية والبيروقراطية الدولية، فمن منظور القيادة الوطنية، قد ينطوي التدخل الناجح في حل النزاع على تحقيق مكاسب سياسية كبيرة محليا ودوليا، إلا أن هذا التدخل يستلزم مخاطرة سياسية شخصية هائلة يمكن التخفيف من وطأتها بتقديم الفلسطينيين والإسرائيليين لبعض الضمانات، كما أن موارد العديد من هذه الدول موزعة بشكل واسع في مناطق صراع أخرى وقد لا يتم تصنيف الوضع الإسرائيلي الفلسطيني على أنه الأولوية الأكثر أهمية.

أما على المستوى البيروقراطي، فقد أنشأ المجتمع الدولي عددا من المؤسسات، والمنظمات، والعلاقات مع السلطة الفلسطينية ومع إسرائيل، وتشمل هذه المنظمات مثلاً لجنة التنسيق التابعة للدول المانحة (AHLC) والتي تتألف من صناع القرار على مستوى عال؛ ولجنة تنسيق الدعم المحلي (LACC)، حيث تشارك جميع الدول المانحة؛ و"مجموعة العمل لتنفيذ المشاريع"، والتي تقوم بتسهيل وصول الدعم، بالإضافة لأمور أخرى؛  و"مجموعة سياسات القضايا الإنسانية والطارئة" والتي سنقوم بمراقبة الأزمة الإنسانية وتقديم مقترحات بالأساليب السياساتيه، و"مجموعة العمل الخاصة بالإصلاح الفلسطيني" التي تشارك في تعزيز جهود الإصلاح المؤسساتي؛ وبرامج البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ووكالة غوث اللاجئين، ومكتب تنسيق الأمم المتحدة، وبرنامج الأمم المتحدة للتطوير، وبرنامج الغذاء العالمي ومسؤوليات اللجنة الدولية للصليب الأحمر؛ بالإضافة إلى المنظمات الدولية غير الحكومية والمشاريع التي تقوم دول مختلفة بتمويلها مباشرة، وسيكون من الصعب إجراء تغييرات على عمل هذه الأجهزة عند تبلور ظروف جديدة وذلك لعدم قدرة هذه المؤسسات على التأقلم.

إن بعض جوانب البنية التحتية التنظيمية اللازمة لتدخل طرف ثالث قائمة بالفعل وتشمل أكثر من ألف موظف دولي ناشط على مسرح الأحداث، إلا أن هذا التدخل يهدف إلى تقديم الدعم للسلطة الفلسطينية لتتمكن من إدارة مناطق محدودة ومن غير الواضح وربما من المستبعد أن يستطيع وحده توفير مظلة واقية لإحداث نقلة نوعية في العمل الدولي وفي إدارة النزاع والقرارات اللازمة للانسحاب.

 

ج) الانفصال كفرصة

توقعات ومخاوف: يقر كل من الفلسطينيين والإسرائيليين أن خطة الانفصال أحادية الجانب تعكس فشل المؤسسات السياسية عند الطرفين في التفاوض بنجاح للتوصل لاتفاق لإنهاء النزاع، مع ذلك، فإن انسحابا كاملاً من قطاع غزة ومناطق أخرى في شمال الضفة الغربية يوفر فرصة لتغيير الواقع ورفدها بديناميكيات جديدة وبناءة.

يعتبر الإخلاء الكبير الأول للمستوطنات ذا أهمية رمزية كبيرة من المنظور الإسرائيلي، حيث تكمن إن الأبعاد السياسية الكبيرة لهذا العمل في أن من تقدم باقتراح الإخلاء هي حكومة يرأسها الجناح اليميني رغم تداعياتها السياسية.

أما بالنسبة للفلسطينيين، فهناك أمل وخوف من الانسحاب، حيث أن الغالبية الكبرى من الفلسطينيين، وخاصة في المناطق المتوقع إخلاؤها، يتطلعون إلى إزالة المستوطنات والجنود، إلا أن هناك تخوفاً كبيراً من التبعات السياسية وخطر تحطيم الطموح الوطني الفلسطيني بدولة مستقلة.

 بالرغم من أن الخطة ذاتها أحادية الجانب، إلا أنه يترتب على كافة الأطراف ذات العلاقة (على كلا الصعيدين المحلي والدولي) تحمل عبء مضاعفة استعداداتها إلى أقصى حد وتوظيفها لبناء الثقة بحيث تكون قادرة على دفع كل من الإسرائيليين والفلسطينيين مجددا نحو عملية السلام، ويمكن أن يلعب المجتمع الدولي دورا ايجابيا وذلك من خلال التأثير على توقعات الطرفين وضمان تحقيق المصالح الممكنة.

تدخل طرف ثالث: إن الإصرار الإسرائيلي على أحادية الانسحاب يترك الكثير من القضايا الثنائية المشتركة بحاجة للحل، إذا كان للانفصال أن يعمل على تعزيز السلام والأمن والحرية لكافة المعنيين، إن غياب الاتفاقيات الثنائية المباشرة تبرز الحاجة إلى طرف ثالث لتسهيل التفاهم المشترك والقيام ببعض المهام المحددة والتي يمكن أن تخدم المصالح المشتركة لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين، كذلك تؤكد خطة الفصل وبشكل علني للمرة الأولى منذ بدء التواجد الدولي المؤقت في الخليل عام 1994، على رغبة إسرائيل في النظر في دور طرف ثالث في العديد من المجالات، وتصرح الخطة بأن "إسرائيل توافق على قيام خبراء أمريكيون وبريطانيون ومصريون وأردنيون وغيرهم ممن ستوافق عليهم إسرائيل العون، والمشورة والتوجيه لقوات الأمن الفلسطينية لمحاربة الإرهاب والحفاظ على النظام العام شرط أن يتم التنسيق معها لذلك، كما تشير الخطة أيضا إلى احتمالية وجود خبراء أمن أجانب يتم التنسيق معهم والموافقة عليهم من قبل إسرائيل، وتدعو أيضا "إلى وجود هيئة دولية تقبل باستلام الممتلكات الموجودة في المستوطنات".

 

2. ظروف العمل في قطاع غزة

الأرض والسكان: يبلغ عرض قطاع غزة حوالي 11 كيلومترا ويبلغ طوله 30 كيلومتر، ويحاذي البحر الأبيض المتوسط والحدود المصرية في الزاوية الجنوبية الغربية لإسرائيل، ويؤلف القطاع ما نسبته 5.8% من مجموع أراضي الضفة الغربية والقطاع مجتمعين، ويعتبر قطاع غزة موطنا لما يقارب 1.2 مليون فلسطيني (منهم 80% تقريبا من اللاجئين) يعيشون على مساحة تتراوح بين 60-70% من الأراضي المتاحة، وهناك ما يقارب 7500 مستوطنا إسرائيليا يقيمون في 23 مستوطنة حيث تؤلف المستوطنات مع بعضها البعض إلى جانب المنشآت والمواقع العسكرية ما نسبته 30-40% من مساحة قطاع غزة.

السيطرة والعبور: تنتشر القوات الإسرائيلية لتقديم الدعم المباشر للمستوطنات وللسيطرة على طرق المستوطنين القادمة من إسرائيل مباشرة والتي تقسم قطاع غزة إلى ثلاثة أجزاء، بالإضافة إلى ذلك، تحتفظ إسرائيل بسلسلة متطورة من آليات المراقبة الالكترونية على طول السياج الذي يفصل إسرائيل عن قطاع غزة تضم طائرات بدون طيار، وكاميرات الفيديو، وآلات التصوير الحراري وأدوات التنصت.

ولا يزال المجالان الجوي والبحري المحيطان بقطاع غزة تحت السيطرة الإسرائيلية الحصرية منذ بداية الانتفاضة في عام 2000، عندما توقف التعاون في هذه المجالات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، ولا يوجد لقطاع غزة أي ميناء بحري، على الرغم من وجود مخططات لبنائه، أما مطار "غزة" القريب من الحدود المصرية فلا يعمل ويحتاج إلى نحو 6 أشهر حتى يعود للعمل من جديد.

التقسيمات الجغرافية: يعتبر قطاع غزة بيئة أسهل للعمل بسبب كونه منطقة مترابطة مما يجعل إدارته أكثر سهولة، مقارنة مع الضفة الغربية، لكن، وبسبب طبيعة العنف الدائر على مدار الأعوام الثلاث الأخيرة فقد قامت القوات الإسرائيلية بإغلاقات داخلية وخارجية مشددة أدت إلى تشكيل عدد من الجيوب الجغرافية المنفصلة مفاقمة الانقسامات السياسية بين المجموعات الفلسطينية، ومقلصة شرعية السلطة الفلسطينية، وتبرز هذه الظاهرة وبشكل واضح في منطقة خان يونس وسط قطاع غزة وفي رفح جنوبه، ومن المتوقع استمرار هذه المناطق وتحت أي سيناريو في تشكيل تحد للوحدة الفلسطينية، كما تستلزم معاملة خاصة، وتعاني المنطقتان بشدة من الفقر المدقع وانتشار واسع للبطالة وضعف القانون والنظام.

 

خطوط الإمداد: بالرغم من النزاع فقد قامت إسرائيل من خلال إدارتها المدنية، بتسهيل استمرار الدعم الإنساني للشعب الفلسطيني، وهدف ذلك إلى إيجاد السبل لتجاوز معضلة تلبية الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية في الوقت الذي يجب فيه العمل للحد من تأثيرها على الوضع الاقتصادي والإنساني الفلسطيني، وكذلك، استمرت إسرائيل في تزويد الخدمات (المياه، الطاقة، الغاز، وغيرها) للفلسطينيين ولم تستخدم هذه الخدمات كسلاح ضدهم، وهناك نقاط احتكاك أخرى مع الفلسطينيين في نقاط العبور في قطاع غزة بكل ما فيها من مهمات مثل الجمارك والهجرة والأمن.

 

3. الترتيبات الحدودية في قطاع غزة

أ) الاعتبارات المتعارضة حول حرية الحركة

الحركة الأرضية: يؤثر اعتباران جوهريان لكنهما متعارضين على كيفية إتاحة عبور الناس، والسلع، والخدمات من وإلى قطاع غزة،  بالنسبة للفلسطينيين، فإن العبور إلى إسرائيل والضفة الغربية ومصر وباقي أرجاء العالم، خاصة مقدرتهم على التجارة، يعتبر عنصراً هاماً للاستقرار والتنمية الاقتصادية في قطاع غزة، وفي أي محاولة للموازنة بين حرية الحركة وتدفق الموارد وبين فرض قيود على الحدود لتجنب الهجمات الممكنة، فإن إسرائيل ستقرر لصالح الأمر الثاني، أما بالنسبة للفلسطينيين، فإن سيطرة إسرائيل الحصرية في ظل الترتيبات الأمنية الحالية لن تتيح المجال لفرصة حقيقية لفتح منطقة قطاع غزة، وقد يكون هناك إمكانية لجسر الهوة بين الطرفين والمساعدة في وضع آليات تخفف من مخاوفهما في وجود طرف ثالث في البداية، وكذلك، تتوقف طبيعة أي نظام حدودي في قطاع غزة على المدى البعيد على تعزيز المؤسسات والمهام الحكومية الفلسطينية وعلى التطبيق الفعال للإصلاحات الأمنية على نطاق واسع النطاق.

المنظور الإسرائيلي: لدى إسرائيل حاجة لضمان عدم تعريض مطالبها الأمنية للمساومة بسبب الانسحاب، وهي ترغب في ضمان مراقبة تدفق السلع والناس من وإلى قطاع غزة بعناية، وأن يتم حجز السلع واعتقال الأشخاص عند اللزوم، كما يوجد لدى إسرائيل مجموعتان متشابكتتن من المخاوف، فالأولوية الأولى لإسرائيل هي السيطرة التامة على حدودها ونقاط العبور مع قطاع غزة حتى تتمكن من وقف الفلسطينيين العازمين على مهاجمة مواطنيها، وتأمل إسرائيل أيضا بتوفير الوسائل اللازمة لمنع تهريب الأسلحة والمتفجرات عبر الحدود باتجاه إسرائيل والضفة الغربية، وتقع هذه المهمة ضمن حقوق السيادة الإسرائيلية ولا تؤثر بشكل مباشر على الحقوق الفلسطينية.

 

أما مجموعة المخاوف الأخرى فتتعلق بتدفق الناس والسلع والموارد إلى قطاع غزة، وتأمل إسرائيل بمنع الفلسطينيين في قطاع غزة من تطوير القدرة والخبرة لتأسيس البنية التحتية للإرهاب وشراء أنظمة أسلحة تفوق الحد الضروري لحفظ القانون والنظام المحلي، أو الحصول على موارد لتمويل هذه الأنشطة، بالإضافة للحد من دخول الأفراد الخبراء في هذه الأمور، وترى إسرائيل ضرورة لحفاظ على بعض أشكال السيطرة على نقاط العبور بين قطاع غزة ومصر، وعلى طول مناطق الحدود المصرية، وعلى مداخل قطاع غزة البحرية والجوية، وتؤثر هذه المهمة مباشرة على الحقوق الفلسطينية.

المنظور الفلسطيني: من المهم قدر المستطاع بالنسبة للفلسطينيين، إدارة العديد من الجوانب المعقدة للترتيبات الحدودية للحد من تأثيرها على الظروف الاجتماعية– الاقتصادية والإنسانية، ويمكن القيام بهذا الأمر بشكل أفضل بمساعدة المجتمع الدولي وحكومة إسرائيل، ويخشى الفلسطينيون بأنه لن ينجم عن الانسحاب من قطاع غزة سوى توسيع "للسجن"، وفي الوقت الذي ستزيد فيه الحركة داخل القطاع، ستكون حركة الأفراد والنقل التجاري عبر نقاط العبور الأرضية محدودة جداً وخاضعة لسياسة إغلاق متشددة، ولذا يجب الحفاظ على الروابط الإقليمية بين قطاع غزة والضفة الغربية، وإسرائيل، وباقي العالم، من أجل إعادة إنعاش الوضع الاقتصادي؛ ولتسهيل تدفق التجارة والعمال والأشخاص والخدمات من وإلى الضفة الغربية وقطاع غزة؛ ولتسهيل أنشطة الصيد على شواطئ القطاع. ستؤدي السيطرة الفلسطينية على نقاط العبور الدولية مع مصر وإعادة بناء الميناء البحري والمطار الجوي إلى تعزيز الآمال بالنجاح الاقتصادي.

تعتمد قدرة الفلسطينيين على الاستفادة من الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة كثيرا على البيئة التي سيعملون من خلالها، وخصوصا على مدى فتح القطاع على العالم الخارجي. وتحتاج بيئة العمل المنشودة إلى الحد الأقصى من القدرة على المرور وسط ظروف الأمن والاستقرار، وسيعيق أي صراع عسكري بين الإسرائيليين والفلسطينيين بعد الانسحاب تهيئة هذه الظروف وسيمنع تدخل المجتمع الدولي لتحقيق الأهداف بعيدة المدى.

إن قيام السلطة الفلسطينية بمنع الهجمات وإطلاق الصواريخ الموجهة ضد إسرائيل مسألة هامة جدا، ولا بد أن تكون السلطة الفلسطينية قادرة على تأمين الحدود مع إسرائيل ومصر، بما فيها الشريط الساحلي لقطاع غزة، لاعتراض عمليات التسلل والتهريب والأنشطة غير القانونية الأخرى، ويتطلب هذا نشراً للقوات الفلسطينية على طول الحدود بين قطاع غزة – إسرائيل وقطاع غزة – مصر، واستئناف الدوريات البحرية، ويعتبر التدريب والتسليح أمرين أساسيين في إعادة بناء قدرات الأمن البحري الفلسطيني.

 

دور الطرف الثالث: يمكن للمجتمع الدولي لعب عدد من الأدوار البناءة، وستكون للمهمة ذات جانبان؛ الأول: يمكن أن يقوم العاملون الدوليون مباشرة بتسهيل وتنسيق إدارة القضايا المتعلقة بالحدود، مثل المشاكل البيئية والصحية. وثانياً: ستلزم المساعدة الدولية عند إنشاء المؤسسات الفلسطينية الجديدة لإدارة نظام الحدود ونقاط العبور، وفيما يتعلق بتبادل المعلومات، قد ترغب إسرائيل والفلسطينيون الموجودون على نقاط العبور في قطاع غزة بالتعاون لوقف الأنشطة الإجرامية مثلاً، ويمكن لآليات ثلاثية الأطراف تسهيل هذه العملية، خاصة في حالة تدخل الطرف الثالث في العديد من الهيئات الحكومية الفلسطينية، كما يلزم أيضا وجود بعض آليات فض النزاع الرسمي و/أو غير الرسمي، ومن المحتمل بروز الخلافات الإسرائيلية-الفلسطينية حول قضايا الحدود (نقل البضائع، والأشخاص، والموارد) إلى السطح، كما من الممكن دعوة التواجد الدولي للانتشار في بعض أو كل نقاط العبور في قطاع غزة.

 

ب) عمليات نقاط العبور

نقاط العبور: يتشكل نظام الحدود الحالي في قطاع غزة من أربع نقاط عبور موزعة كالتالي: أولا، معبر إيرز (أو بيت حانون) ويعتبر نقطة العبور الرئيسية للعاملين في المنظمات الدولية والمجتمع الدبلوماسي إلى قطاع غزة قادمين من إسرائيل، ويخرج العمال الفلسطينيون الباحثون عن العمل في إسرائيل من قطاع غزة من هذه النقطة، كما توجد منطقة إيرز الصناعية في نفس موقع هذه النقطة، والتي توظف ما يقارب 4,000 فلسطيني، والذين تدعم أجورهم 40,000 فلسطيني آخر. ثانياً، تعتبر نقطة التفتيش في كارني محطة رئيسية للمواد الاستهلاكية المحفوظة وغير المحفوظة الواردة والصادرة كما يوجد فيه هذه النقطة ممرات متعددة، ونظام التحميل المعروف باسم ظهر-إلى-ظهر (Back-to-Back)، كما يستخدم رجال الأعمال الفلسطينيون هذه النقطة للسفر من وإلى إسرائيل والضفة الغربية. ثالثاً: يخدم معبر صوفا كنقطة عبور رئيسية للمواد الصناعية ومواد البناء إلى جانب بعض العمالة الفلسطينية.

نقطة عبور رفح: وهي نقطة العبور الرابعة الموجودة في رفح وتشكل مدخلاً دولياً لجمهورية مصر العربية من خلال المحطة الفلسطينية، وتخضع لسيطرة إسرائيلية، وهي أيضاً مركز عبور مصري، وتعتبر الجمارك، والهجرة، والتواجد العسكري الفلسطيني حاليا في أدنى حدوده بعد تدمير معظم المرافق، كما أنها لا تكفي لاستيعاب تدفق المارة، ولذا، تحتاج المحطة الفلسطينية لإعادة البناء والتطوير.

تشير خطة شارون (للفصل أحادي الجانب) للرغبة الإسرائيلية بنقل هذه النقطة نحو 2 كيلو متراً إلى جنوب موقعها الحالي، باتجاه مثلث الحدود بين مصر و قطاع غزة وإسرائيل. من المنظور الفلسطيني، يصبح نقل معبر رفح شأن فلسطيني داخلي، في حال انسحبت القوات الإسرائيلية من المنطقة، وتمثل نقطة عبور رفح تحدياً فريداً ومعقداً نسبياً لمخططي نظام الحدود في قطاع غزة، فقد يتطلب موقعها وأهميتها الجغرافية كمركز اقتصادي اعتبارات خاصة، لهذا، فإن السياسات والخطط وعمليات التشغيل المتعلقة بهذه النقطة قد تحتاج لمعالجة منفصلة عن الترتيبات الحدودية بشكلها الواسع.

التحقق من فاعلية العمليات التشغيلية على الحدود: تتمتع الفاعلية التشغيلية للمعابر على الحدود بتأثير مباشر وعميق على الأهداف الفلسطينية والإسرائيلية بعد الانسحاب، وتشمل وسائل مساعدة الطرف الثالث للتحقق من هذه الفاعلية تطوير بنية نظام الحدود مما سيساعد في التوصل لمفهوم عملي وفي ابتكار نظام سيطرة على الحدود مما سيمكن فيما بعد من تصميم المعايير التقنية التكميلية، يليها آلية لفض النزاع وبرنامج قوي للاتصال والتنسيق وربط النظام بين الجانبين.

ويمكن توجيه دعم الطرف الثالث في جميع النقاط الحدودية نحو تنسيق الجدول الزمني،  والنقل المنظم للمتلكات؛ وتطوير البنية التحتية؛ وتبادل المعلومات؛ وتأسيس سلطة الميناء؛ وتطوير الفاعلية التشغيلية؛ والإدارة الفعالة والتدريب، والتنسيق؛ والارتباط مع النقاط الحدودية الأخرى مثل رفح، ونقل الشحنات من وإلى الموانيء الإسرائيلية البحرية والجوية.

 

ج) ترتيبات حدودية مؤقتة

نظام السيطرة على الحدود: يحتم الفصل الإسرائيلي أحادي الجانب وجود نظام حدود جديد لقطاع غزة قد تحتاج عملية بنائه وتعديله لفترة طويلة، وفي تلك الأثناء، يجب القيام بترتيبات انتقالية في البنية التحتية والإجراءات، بالمقابل، تتيح الفترة الانتقالية فرصة للطرف الثالث لقيام لدعم طرف ثالث لتقديم المساعدة المؤقتة للحد من تعطيل الخدمات، فقد يقوم الطرف الثالث بفحص الممرات الحدودية ووضع معايير لتحديد أكثر نقاط العبور فعالية لحمايتها ومراقبتها حتى تتحقق أقصى المنافع الاقتصادية لسكان قطاع غزة.

يوفر نظام السيطرة على الحدود فرصا عديدة للطرف الثالث لتقديم الاستشارة والمساعدة والدعم، وتشمل هذه المساهمة تدخلا معقولا في تخطيط وتصميم وتنفيذ بنية النظام؛ والمساندة في اكتساب المفاهيم ووضع المعايير الفنية للأمن؛ وتحديد وتطبيق إجراءات المتابعة والضبط؛  وإنشاء آلية مناسبة لفض النزاع والتي يمكن من خلالها حل مجموعة من مشاكل الحدود، والتي تتراوح بين أشكال العبور المختلفة إلى إغلاق الممرات، وهناك برنامج تنسيق فعال ملحق بهذه الآلية يكمل ويعزز العلاقة بين سلطات السيطرة على الحدود الإسرائيلية والفلسطينية.

تصنيف المخاوف المتعلقة بالحدود: هناك درجة معينة من المخاوف المختلفة التي يشترك فيها الطرفان فيما يتعلق بنظام الحدود في قطاع غزة وبتشغيل بعض نقاط العبور، ففي حالة انتقال الفلسطينيين من قطاع غزة إلى إسرائيل، فإن كل نطاق الحركة للأشخاص، والبضائع، والخدمات، يشكل قلقاً كبيراً لإسرائيل، وكذلك، فإن حركة الأشخاص والبضائع والخدمات في الاتجاه المعاكس، أي من إسرائيل إلى قطاع غزة، تشكل للإسرائيليين قلقا أقل، ولذا، فإن لدى إسرائيل مخاوف أقل فيما يخص نقل البضائع وحركة الأشخاص من قطاع غزة إلى مصر، والتي تعتبر أساسا مسألة من شأن السلطات الفلسطينية والمصرية التي تدير وتسيطر على تدفق الحركة.

يعتبر دخول الأشخاص والبضائع والخدمات من مصر إلى رفح من أكثر القضايا تعقيداً عندما يتعلق الأمر بنقاط العبور على الحدود، وتعتبر نقطة العبور هذه مثالاً للربط بين الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية والعلاقة الثنائية المستقبلية بين مصر والفلسطينيين في قطاع غزة. كما تتطلب السيطرة على الحدود الجديدة في هذا الموقع إجراءات فعالة لمنع تهريب الأسلحة وكافة أنواع السلع والحيلولة دون تسلل الأفراد ذوي النوايا العدوانية.

إن إتاحة المجال لإسرائيل للإشراف والمراقبة على حركة مرور البضائع والموارد والأفراد إلى داخل قطاع غزة مصلحة أمنية عليا، ولن ترغب في نقل مسؤولية العبور إلى قطاع غزة بأكملها للفلسطينيين، ولذلك، فقد اقترحت إسرائيل أن تكون حركة معابر الحدود من رفح إلى "مثلث الحدود" وإنشاء محطة ونظام حدوديين جديدين، يشملان إجراءات الجمارك والأمن والهجرة ويمكن إشراك طرف ثالث للمساعدة في تصميمها ونقل وظائفها في حال قبول الفلسطينيين لذلك.

تدقيق المهام التشغيلية الدولية: يمكن لوجود طرف ثالث المساعدة في وضع نظام ثلاثي الأطراف يمكن من خلاله تسهيل دخول الأشخاص والسلع إلى قطاع غزة في نفس الوقت الذي يستجيب فيه للاحتياجات والمخاوف الإسرائيلية والفلسطينية، لكن القيام بذلك يستلزم وضع "تدقيق عملي" مناسب للترتيبات القائمة في كل نقطة من نقاط العبور الحدودية، وسيأخذ هذا التدقيق المصالح والمخاوف الإسرائيلية والفلسطينية بعين الاعتبار ويستكشف حجم الخيارات والحلول المتاحة لرفع مستوى الفاعلية والأمن إلى حده الأقصى، وسيتمكن الشكل الجديد من تقليص الاحتكاك بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى حدوده الدنيا، كما يمكن إدارة التدقيق في ظل دعم المجتمع الدولي والإسهام الإسرائيلي والفلسطيني، كما يمكن توضيح نطاق العمل لتدخل الطرف الثالث الفعلي.

 

د) الجو، والبحر، والأرض، وغيرها من الترتيبات

إدارة المطار والميناء: تتيح إعادة فتح المطار وبناء الميناء في قطاع غزة للفلسطينيين امتلاك مرفقين رئيسيين، يمكن أن يكونا محركان للتنمية الاقتصادية ومصدران أساسيان لفرص العمل. ويمكن من خلالهما تقليل الاعتماد الفلسطيني على النقل عبر إسرائيل، وبالرغم من ضيق الممرات الجوية في المنطقة، إلا أنه من الضروري تحديد الإجراءات الإدارية الفعالة للمجال الجوي في قطاع غزة. ويمكن أن يكون للطرف الثالث دور مهم في التوفيق بين السياسات، والأعمال، والإمدادات، والتمويل، والروابط الجوية لكلا الطرفين، ولذا، يمثل الميناء والمطار أقصى حدٍ لتواصل الشعب الفلسطيني مع العالم.

تدعو الاتفاقيات الحالية المتعلقة بالترتيبات الأمنية في المطار بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى: السيطرة الإسرائيلية على المجال الجوي، والسيطرة العليا على إجراءات الجمارك والهجرة، ومنح السلطة الفلسطينية سيطرة محدودة في إدارة وتشغيل المطار نفسه، مما يتطلب تمركزا لموظفي الأمن الإسرائيليين في حالة إحياء هذه الترتيبات عند إعادة فتح المطار في قطاع غزة. ولن تكون إسرائيل على استعداد لنقل هذه المسؤولية بمفردها للفلسطينيين، ويمكن لوجود طرف ثالث، إتاحة المجال لتطوير الترتيبات الأمنية والجمركية التي يمكن من خلالها تقليص، وربما الحد، من ضرورة التواجد الإسرائيلي في المطار على أن تتم بالتنسيق مع السلطات الإسرائيلية. إن تشييد الميناء في قطاع غزة سيخلق مجموعة من المخاوف الأمنية المرتبطة به مما يتطلب ترتيبات جديدة، ولذا يجب دراسة إمكانية تنزيل السلع المتجهة إلى قطاع غزة في ميناء أشدود أو ميناء حيفا أولا، ثم  ونقلها لاحقاً إلى قطاع غزة إما عن طريق القوارب أو القطار.

الدوريات في المياه الإقليمية: تمثل المياه الإقليمية في قطاع غزة مورداً طبيعياً هاماً للفلسطينيين وتوفر فرص عمل لحوالي 5000 فرد في صناعة صيد السمك خارج الشريط الساحلي، وتمر هذه الصناعة بتغيرات مستمرة بين فترات "الخطر الأمني الأدنى"، والتي تعمل قوارب الصيد الفلسطينية خلالها بعيداً في عمق البحر، وفترات "الخطر الأمني الأعلى"، عندما تجبر قوارب الصيد على البقاء قريبة من الشاطيء أو حتى البقاء في الميناء.

في الوقت الذي يعتبر فيه الصيد مصدراً مهماً للدخل المحلي، تشكل القوارب وسيلة لتهريب السلع، والأشخاص، والمتفجرات أيضا إلى قطاع غزة، وترى إسرائيل حاجة ماسة لتسيير دوريات فعالة في هذه المياه بينما يرى الفلسطينيون في وجود السفن الإسرائيلية المتواصل في قطاع غزة خرقا للسيادة الفلسطينية. إن ضمان الأمن البحري في قطاع غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي منه هو أمر أساسي لنجاح الفلسطينيين في حكم القطاع، ويمكن لطرف ثالث المساعدة في جسر هذه المخاوف المتعارضة، يملك المجتمع الدولي خبرة قيمة في مكافحة المخدرات والسيطرة على عمليات الصيد مما قد يساعد على استكمال أو تخفيف الحاجة الإسرائيلية للسيطرة على الشريط الساحلي، ويرتكز تطوير هذه العمليات البحرية على وضع الخطط المفصلة، ومفاهيم العمل، وبنى التنظيم الفعالة، والإجراءات اللوجستية المناسبة، وشمولية التدريب والموارد المتاحة.

السيطرة على طريق فيلادلفي: يمثل طريق فيلادلفي نقطة خلاف قوية بين المخاوف الأمنية الإسرائيلية والمصالح الفلسطينية الاقتصادية-السياسية ويكمن السؤال هنا عمن سيكون مسؤولا عن إدارة وحماية الحدود بين قطاع غزة ومصر، لذا، ستبقي إسرائيل على وجودها العسكري على طول الحدود للحد من المخاطر، وقد بينت إسرائيل عزمها الحفاظ على سيطرتها على طول طريق فيلادلفي لفترة غير محددة من الوقت، أما بالنسبة للفلسطينيين، فإن استمرار أي وجود إسرائيلي عسكري أو مدني على طول الحدود يمثل استمرارية للاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة،  وعلى الرغم من ذلك، تلتقي مصالح كلا الطرفين في إزالة القوات الإسرائيلية من المنطقة.

يهدف الدور الرئيسي لتواجد الطرف الثالث على طول طريق فيلادلفي إلى التوفيق بين المصالح المتعارضة وتسهيل تطوير النظام الحدودي الجديد والذي يأخذ الاحتياجات السياسية والأمنية لكافة الأطراف ذات العلاقة بالحسبان. إن مشاركة مصر في تخطيط وتنفيذ أي من الترتيبات هو أمر ضروري وحيوي، ويمكن من خلال التقييم الأولي تقدير المخاوف الأمنية الإسرائيلية، والمتطلبات التقنية والالكترونية وبنية القوات اللازمة لتجاوزها على طول هذه الحدود. أما لاحقاً، فيمكن تصميم نماذج يتيح التواجد الدولي من خلالها تقليص تواجد القوات الإسرائيلية على طول طريق فيلادلفي إلى حده الأدنى، وقد تتضمن هذه الترتيبات من المنظور الإسرائيلي دوريات وتواجد إسرائيلي ودولي مشترك على طول خط الحدود مع مصر. أما من المنظور الفلسطيني، فإن أي شيء أقل من السيطرة الفلسطينية التامة على تلك المنطقة لا يشكل استمرارية للاحتلال فقط، بل يمثل نقطة خلاف رئيسية أيضا. يمكن أن يقبل الفلسطينيون بتواجد فلسطيني دولي مشترك في الفترة الانتقالية على طول الحدود.

يمكن أن يقوم الطرف الثالث أيضا بتسهيل واستكمال عمل الفلسطينيين على نقاط العبور الحدودية وفي ادارة الخدمات والبنية التحتية للحدود، وفي حال إرساء قواعد العمل وتحديد قيادة البعثة الدولية، فقد تكون إسرائيل على استعداد لقبول انتشار دولي على طول الحدود بين مصر و قطاع غزة، إلا أن نشر هذه القوة قد يستلزم تكاليف مرتفعة ومخاطرة سياسية لأية دولة قد ترغب في الاسهام بمثل هذه المهمة، كما تتطلب دعما كاملا من جميع الأطراف لتأمين الشرعية المحلية، ولذا، سنحتاج لتطوير آليات الاتصال والتنسيق وفض النزاع المناسبة بين كل من إسرائيل، ومصر، والطرف الثالث، وأجهزة الأمن الفلسطينية، ويجب أن يقوم أي ترتيب على طول الحدود بتقسيم واضح للأدوار، والمسؤوليات وقنوات الاتصال الفعالة، وقد يستلزم الأمر النظر في إمكانية توسيع تفويض القوة الدولية والمراقبين المتمركزين في سيناء.

مراقبة أنفاق مصر – وقطاع غزة:  يسبب تهريب الأسلحة والبضائع عبر الأنفاق على طول الحدود بين مصر وقطاع غزة قلقا آخر لإسرائيل. لذا، تستوجب الحيلولة دون التهريب القيام بمجموعة من الإجراءات التكتيكية لإغلاق الأنفاق. ولا يمكن للتواجد الإسرائيلي و/أو التواجد الدولي على طول طريق فيلادلفي علاج هذا الموضوع في أي نظام حدودي جديد، طالما أن نقاط الدخول والخروج لهذه الأنفاق تقع خارج منطقة الحدود المتاخمة تماما، لذا، فإن لمصر دور محوري تلعبه في تصميم وتنفيذ أي عنصر مرتبط بالطرف الثالث، ويمكن أن يسهل الطرف الثالث عملية رصد الأنفاق وتطوير آلية التنسيق والاتصال لتبادل المعلومات الاستخبارية للحد من قدرات الأنشطة التهريبية. يمكن أن يساعد الطرف الثالث كلا الجانبين في وضع الإجراءات المناسبة التي تخضع لإجراءات التحقيق الدولي حيث أن مكافحة التهريب والتسلل تشكل هدفا مصرياً- فلسطينياً مشتركاً.

معالجة القضايا الثنائية الأخرى: تؤثر السيطرة الشاملة على حدود قطاع غزة تأثيرا مشتركا، بالإضافة للجوانب المتعلقة بالبحر والجو، وتشمل الاعتبارات الأقل أهمية عند تصميم نظام حدود فعال كل من الاتصالات، والبيئة، والصحة، والزراعة، وهناك حاجة لصياغة وتطبيق بروتوكولات متعددة مع جيران قطاع غزة ومع المجتمع الدولي بهدف إدارة هذه القضايا الحيوية لنظام الحدود بالتساوي، ويمكن أن تتضمن مساعدة الطرف الثالث تحليلا للاعتبارات القانونية وتحديدا للبروتوكولات الدولية ذات العلاقة، وتنسيقاً للخطط والسياسات مع الأطراف المعنية، وتعريفاً بواجبات ومسؤوليات المؤسسات والسلطة الفلسطينية في قطاع غزة.

تسهيل تنمية المجتمع المحلي: تعتبر التنمية الاقتصادية ركيزة للأهداف الاستراتيجية الفلسطينية بعد الانفصال الإسرائيلي عن قطاع غزة، ويشكل أحد المكونات الأساسية لمستقبل قطاع غزة الاقتصادي في مجال تنمية المجتمع المحلي، ويمكن من خلال إجراءات الطرف الثالث – مثل تقييم الاقتصاديات المحلية، وتمويل المشروعات سريعة التأثير، والبرامج التدريبية والمهنية لتزويد المهارات على الصعيد المحلي – تعزيز وتحسين فرص تطوير المجتمع، لذا ينبغي على الجهود الدولية ضمان وجود مصادر خارجية مستمرة لهذه المشروعات.

 

4. الحكم الفلسطيني في قطاع غزة

أ) تقارب المصالح

المصالح الفلسطينية: يعتبر الفلسطينيون أن طبيعة نظام الحكم مسألة داخلية، إلا أنه ونظراً للضرورة فهم على استعداد لنقاش وتنسيق عدد من القضايا مع إسرائيل والمجتمع الدولي، فقد تم تحديد بنية السلطة الفلسطينية عبر المفاوضات مع إسرائيل، ومنذ ذلك الحين، جرت عدة محاولات للتعامل مع مخاوف الفلسطينيين والأطراف الأخرى حول نوعية، إن لم يكن حول طبيعة، ترتيبات الحكم، ويوفر الانسحاب من قطاع غزة فرصة للفلسطينيين، بمساعدة المجتمع الدولي، لتطوير أسلوب ومقياس جديدين للحكم يتماشيان مع المصالح الفلسطينية كوحدة وطنية واحدة.

 

يتيح الانسحاب الإسرائيلي من قطاع للفلسطينيين وللمرة الأولى، خاصة إذا كان انسحابا كاملا وتضمن نقلاً لسلطات السيادة، ممارسة المهام الحكومية بقيود محدودة كأي مجتمع عادي، كما أنه سيخلق فرصاً فريدة للفلسطينيين لوضع قانون ونظام على أساس من التعاون بين كافة الفصائل الموجودة حالياً، والتي أعربت جميعها عن استعدادها للتقيد بوقف إطلاق شامل للنار في قطاع غزة بمجرد إتمام الانسحاب الإسرائيلي منه.

ويتيح الانسحاب للفلسطينيين كذلك مرونة أكبر لوضع سياساتهم الاقتصادية الخاصة، وقد يتمكن الفلسطينيون من ابتكار نظام حدودي يمكن من خلاله الحد من عائدات التهريب واقتصاديات السوق السوداء، وسيؤثر نجاح ذلك بدوره على قضايا الأمن والقانون والنظام، فمثلا، تستخدم الأنفاق لغايات تهريب الذخيرة من مصر إلى قطاع غزة، لكنها في نفس الوقت نفسه تجني أرباحاً نتيجة لتهريب السجائر والتى يبلغ سعرها نصف سعر السجائر المستوردة من إسرائيل (5-7 شيكل مقابل 13-17 شيكلفمع وجود نظام حدودي فعال بين إسرائيل ومصر وقطاع غزة، يمكن للفلسطينيين استيراد منتجاتهم بحرية أكبر، مما يؤدي إلى تقليص أي ميزة للتهريب.

المصالح الإسرائيلية: يشكل الحكم الفلسطيني الفعال في قطاع غزة مصلحة لإسرائيل وذلك لأن الحكم الفلسطيني الفعال قد يكون أقدر على تلبية الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية، فمثلا تطالب إسرائيل السلطة الفلسطينية باستمرار ببذل جهود كبيرة لإصلاح قطاع الأمن وأدائه، وستطلب منها القيام بهذا الأمر في قطاع غزة أيضا لتجنب أي مبرر لتوغل إسرائيلي جديد في القطاع.

كما ستستفيد إسرائيل من تطبيع الاقتصاد الفلسطيني وتأمين الخدمات الحكومية الكاملة والأساسية لأجزاء المجتمع الفلسطيني كافة، طالما يقلص ذلك من فرص الانجذاب نحو منظمات مسلحة مثل حركة حماس.

تدخل طرف ثالث: تتراوح إمكانيات المشاركة الدولية في الحكم الفلسطيني بين المساهمة في البناء المؤسسي ومنح الشرعية، والتطوير الاقتصادي، وبناء القدرات وخاصة في المجال الوارد في خطة شارون بشكل خاص مثل: النصح، والدعم وإرشاد الأجهزة الأمنية الفلسطينية، ويظهر أن كلا الطرفين راغبان أكثر من أي وقت مضى، في قيام المجتمع الدولي بدور المراقبة والتحقق.

 إن التدخل الدولي ضروري لأجل تطوير الوظائف المؤسساتية الأساسية في الحكم، بما في ذلك إعادة بناء القدرات الشرطية وتزويد الخدمات العامة، ويحتاج الخبراء الدوليون والفلسطينيون إلى تقييم إطار العمل التنظيمي والحكومي الموجود في قطاع غزة، وحدود القدرات الإدارية وما يلزم من موارد مالية، ومعدات، وبرامج تدريبية لإتاحة هذا التطوير، بالإضافة إلى مراجعة القضايا الاقتصادية والقانونية المختلفة.

سيكون على الفلسطينيين تحديد طبيعة ودرجة التدخل الذي سيقبلون به عند النظر في حاجتهم لتدخل طرف ثالث، وسيكون على الإسرائيليين كذلك النظر في طبيعة ودرجة التدخل التي سيدعمونها، كما سيكون على المجتمع الدولي النظر في طبيعة ودرجة ما سيتولونه، وقد تكون وجهات النظر الإسرائيلية متأثرة أساسا بطبيعة القيود الأمنية التي قد تطرأ وفقا للسيناريوهات المختلفة، هذا بالإضافة إلى أن على المجتمع الدولي تعزيز درجة الانسجام في عمله، فكلما زادت درجة التدخل الدولي كلما ازدادت الحاجة إلى وضوح ووحدة القرار اللازم اتخاذه بشأنه.

ينحصر الدور الدولي حاليا في الحكم الفلسطيني في تقديم الدعم للسلطات الضعيفة، والذي يعتبر من أدنى مستويات التدخل الدولي الممكن عند العمل على إعادة بناء أي سلطة سياسية في مرحلة الخروج من النزاع ويمكن في حالة التدخل الواسع أن يتدخل الطرف الثالث كشريك للسلطة الفلسطينية الهشة، وسيحتاج المجتمع الدولي إلى ممارسة تدخل أكبر في ظل بيئه سياسية منقسمة ومفتتة كما هو الحال في قطاع غزة الآن.  وأخيرا، فإن أعلى درجة في التدخل الدولي تتمثل في إدارة دولية انتقالية قد تحكم أجزاءا من أو حتى جميع الأراضي الفلسطينية بالكامل.

 

ب) درجات التدخل في الحكم الفلسطيني

المساعدة: في ظل أي سيناريو للانسحاب، سيكون من المتوقع استمرار الدعم الدولي للدوائر الحكومية الموجودة حاليا، ويستلزم هذا النوع من التدخل من تدخل الممثلين الدوليين، إما كجزء من مهمة واحدة أو كجهود منفصلة، وتؤيد إسرائيل هذا النوع من التدخل، والذي يتضمن تقديم الدعم للاحتياجات الإنسانية وجهود إعادة الإعمار التي تقدمها وكالات الغوث الدولية بالتعاون مع الوزارات الفلسطينية والمنظمات غير الحكومية المحلية، وتعمل لجنة التنسيق التابعة للدول المانحة واللجنة المحلية للدول المانحة على تقديم الاستشارة والتوجيه لتعزيز البنى الحكومية الضعيفة.

بوجه عام، فإن هذا الحد الأدنى من التدخل متأصل في طبيعة عمل الممثلين الدوليين (وتشمل المنظمات الحكومية وغير الحكومية، والمانحون لهذه الدولة)، والتي تفتقر إلى بنية-فوقية متماسكة، وأهداف استراتيجية مشتركة، وصرف منظم للموارد، كما أنه فإن من المتوقع تقليص التواجد الدولي الحالي في قطاع غزة، ما لم يتم إزالته تماما، إذا نجم عن الانسحاب الإسرائيلي حالة من الفوضى.

وقد لا تكون آلية عمل لجنة التنسيق وغيرها من الآليات المتاحة حاليا من بين أفضل الوسائل للتعامل مع الانفصال الإسرائيلي الكامل خاصة في حالة احتمال حدوث تطورات مختلفة، وحتى لو تم اعتبار الانسحاب مجرد إعادة انتشار، فإن على المجتمع الدولي إعادة تقييم نطاق مساعدته وتصميم قواعده وشروط تفويضه.

الشراكة: قد تحتم طبيعة تشرذم الحكم في قطاع غزة درجة كبيرة من تدخل طرف ثالث، وفي هذا السيناريو، سترسم المهمة الدولية السياسية في ظل علاقة تكاملية مع الفلسطينيين لتزويد الحكومة ببعض الترابط ولتصبح شريكا أكبر من مستشار (كما حدث، مثلا، في ناميبيا)، فقد يتخذ المسؤولون الدوليون بعض القرارات المتعلقة مباشرة بتطوير المؤسسات الحاكمة، أما بالنسبة للمؤسسات الدولية الإنسانية كوكالة الغوث فمن المتوقع أن تعمل بالاشتراك مع البعثة الدولية لاستكمال إنجاز العديد من الخدمات الأساسية بالتعاون مع الفلسطينيين، وتقوم حركة حماس بتزويد بعض الخدمات الاجتماعية الهامة والتي تسهم في تحسين أوضاع الناس، ومن المتوقع أن تغدو هذه الخدمات جزءاً من أي نظام جديد للحكم، إلا أن ذلك، قد يخلق معضلة للمجتمع الدولي الذي أدرج هذه المنظمة على القائمة السوداء.

يوجد لدى الإسرائيليين مخاوف تتعلق بنموذج الشراكة حيث من الممكن أن ينطوي على مساوىء كل النماذج الممكنة لأنه قد يؤدي إلى الحد من حرية التصرف الإسرائيلية، وكذلك،  فقد لا يكفي هذا النموذج لإحداث التغيير في الظروف التي تتطلبها الحاجات الأمنية الإسرائيلية.

 وهكذا، فقد لا تتوفر الرغبة لدى المجتمع الدولي لزيادة مستوى مشاركته، لما في ذلك مخاطرة ما لم يتمتع بمزيد من النفوذ لممارسته على الأطراف المختلفة.

أما بالنسبة للسلطة الفلسطينية، فقد تفضل نموذج شراكة يعزز من قدرتها على توفير الخدمات الاجتماعية، بل حتى على تعزيز طاقاتها الأمنية، دون التخلي عن موقعها في السيطرة على الأرض.

 يستلزم التخطيط لمثل هذا الخيار رصداً أوليا لقياس مواطن القوة والضعف في المؤسسات الفلسطينية الحالية – للتوصل إلى خيارات تضعها أمام القيادة الفلسطينية لتقسيم العمل وتحديد المهام الحكومية التي يمكن ان يتولاها الطرف الثالث.

السيطرة: ناقش العديد من ممثلي الطرف الثالث هذا المستوى من التدخل من قبل العديد من ممثلي الطرف الثالث (وكانت كمبوديا هي المثال لذلك)، ففي هذا السيناريو، على الوحدات العسكرية الشرطية من الطرف الثالث توفير الكثير من الأمن، كما ستكون مسؤولة عن إعادة تأسيس قوات الشرطة الفلسطينية، وستقوم البعثة السياسية الدولية بممارسة السيطرة بشكل انتقائي، إلا أنها ستتفاوض مع جميع الأطراف، كالسلطة الفلسطينية، وكحماس، ومجموعات فتح المحلية فيما يتعلق بمعظم القضايا، وعلى الطرف الثالث تولي بعض المسؤوليات المتعلقة بالمرافق الأساسية، مما يعني إمكانية خوض في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل – والتي تمثل مصدر الغاز والكهرباء والمياه للفلسطينيين في قطاع غزة.

تتوقع إسرائيل أن ينجم عن هذا المستوى من التدخل مسؤولية دولية كبيرة في مجال الأمن في المناطق التي ستنسحب منها، وستحتاج أجهزة الأمن الإسرائيلية والقوات المسلحة والشرطة المتواجدة والتابعة للطرف الثالث إلى الاتفاق على آليات تنسيق واسعة، وشاملة للضمانات المتعلقة باستراتيجية الخروج.

سيؤيد الفلسطينيون والمجتمع الدولي هذا النموذج على الأغلب إذا كان في سياق حل سياسي نهائي فقط، وكما ورد في خطة خارطة الطريق، وليس من الواضح كيفية رد المعارضة الفلسطينية على هذا المستوى من التدخل الدولي طالما لم تعرف طبيعة الوضع النهائي الذي سيلي التدخل.

الحكم: عادة لا يؤخذ هذا النوع من التدخل في الحسبان إلا في حالات انهيار الدولة، وما قد ينجم عنها من فوضى وضياع دون وجود حكومة فاعلة، مما يخلق ملاذا للإرهاب أحيانا، أو عند انسحاب القوة المحتلة وبروز فراغ في السلطة، ويكمن الهدف الرئيسي للممارسة الدولية للسلطات التنفيذية، والتشريعية والقضائية في التهيئة لحكومة محلية ذاتية تقوم بكامل الوظائف مع أعلى مستوى من المشاركة الشعبية، وتشمل الأمثلة لهذا التدخل (كوسوفو وتيمور الشرقية)، وعلى نقيض ما هو شائع، يبدو أن هناك تأييداً ملحوظاً بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، لأخذ هذا المستوى من التدخل بعين الاعتبار على الأقل.

بالنسبة للفلسطينيين، فمن المحتمل أن تحميهم الإدارة الانتقالية من الهجمات الإسرائيلية، كما ستمنح الأطراف الفلسطينية والعلمانية والمعتدلة الفرصة لتثبيت سلطتها مجدداً في بيئة خالية من التهديد، أما بالنسبة للإسرائيليين، فإن هذه المهمة قد تكون وسيلة لاستبدال النظام الفلسطيني الحالي الذي لا تثق به بإدارة مؤقتة موثوقة حتى يتم خلق قيادة فلسطينية جديدة.

 

ج) الانتخابات والحكم الفلسطيني

نقص في الشرعية: إن فتح المجال لتطوير المجتمع المدني أمر متوقع الحدوث في أي درجة من درجات التدخل الدولي، بشكل خاص إجراء الانتخابات، ففي عام 1996، خولت الاتفاقيات التي عقدت بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، بإدارة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، ولكن، ولأسباب مختلفة لم يتم إجراء أي انتخابات لاحقة على أي من المستويين المحلي أو التشريعي، إن الفشل في تنظيم انتخابات منتظمة كان سبباً لتراجع الشرعية، ليس فقط بين المجتمع الدولي والسلطة الفلسطينية بل أيضا بين السلطة والشعب الفلسطيني.

التخطيط للانتخابات: أعد المجتمع الدولي اقتراحات لإصلاحات انتخابية تتضمن تغييرات في القوانين الانتخابية وقد كانت هذه الجهود ضمن عمليات الإصلاح التي قامت بها لجنة التنسيق واللجنة المحلية للدول المانحة. وفي ظل الانسحاب، ستنشأ حاجة لإعداد تقييم لتحديد مدى إمكانية تطبيق الإصلاحات في الوضع الجديد، وإذا تم اعتبار قطاع غزة أو أي جزء من الأراضي الفلسطينية، جزءا محررا، فقد تختلف الانتخابات التي ستجرى هناك من حيث النوعية، وبالتالي ستنشأ حاجة لابتكار منهجية للتحقق من التوازن بين المناطق المحتلة والمحررة قدر الإمكان، فهل يجب عقد الانتخابات في كليهما؟، وهل يجب عقدها في آن واحد أم على التوالي؟ كيف ستختلف القواعد الانتخابية في كل منهما؟، ولأي غرض سيتم إجراء الانتخابات؟ هل سيعمل المجتمع الدولي مع العناصر المدنية في المنظمات التي حظرتها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي رسميا؟ وكيف سيكون رد الفعل الإسرائيلي إذا كسبت حركة حماس الانتخابات؟

المهام الانتخابية الدولية: سيدعم الطرف الثالث ويراقب ويرفع التقارير عن مدى "حرية ونزاهة" العملية التي تديرها لجنة الانتخابات الفلسطينية استناداً إلى درجة تدخله أو سيقوم بتنظيم وإدارة كافة جوانب الاقتراع من خلال لجنة انتخابات دولية، وفي كلتا الحالتين، يحتاج المخطط لأخذ كافة الأنشطة الانتخابية والمعروفة جيداً من قبل المجتمع الدولي بعين الاعتبار، متضمنة: شن حملة معلومات عامة حول الجداول الزمنية، والحقوق والمسؤوليات، وسرية التصويت، والإجراءات، وصياغة القوانين لتشكيل الأحزاب، ونظام إدارة الحملات الانتخابية، وتسجيل الأحزاب والأفراد، والتحقق من الأمن العام، وحماية المقترعين، وحرية الحركة والتعبير والتجمع، إلى جانب القيام بكافة المهام الضرورية الأخرى لضمان حرية ونزاهة الانتخابات، كذلك، يجب ضمان سلامة العاملين الدوليين وضمان وصول الناخبين إلى المراكز الانتخابية، والذي يعتمد على البيئة الأمنية، والتي تعتمد بدورها على الوضع الأمني، وحجم الدعم الجماهيري، والمضمون السياسي للانتخابات، ويستوجب الأمر اتخاذ إسرائيل القرار باستعدادها لتيسير تنظيم الاقتراع على المستوى التكتيكي، فمثلا، هل ستسمح إسرائيل بقدر محدود من التواجد الأمني مع التفويض لضمان حماية العاملين الدوليين أو حرية حركة الناخبين؟

مراقبة التحريض: لإسرائيل مصلحة عامة في الرقابة الدولية على التحريض الفلسطيني في وسائل الإعلام الجماهيري، والتعليم المدني، والنظم الدينية، وقد يفضل الفلسطينيون أي آلية لرقابة الأجواء العامة الإسرائيلية أيضا، وحتى يحرز ذلك التأثير المطلوب، يجب الإعلان عن النتائج، وأثناء الانسحاب، قد يشكل هذا التحريض مشكلة لكلا الطرفين، خاصة في اللحظات الحرجة،  مثل لحظة الخروج الإسرائيلي وربما أثناء الانتخابات أيضاً.

 

د) الأمن والحكم الفلسطيني

التوقعات الإسرائيلية من الطرف الثالث: تعتبر إسرائيل التدخل الدولي في دعم ومراقبة العمل الأمني الفلسطيني، خاصة ضد الخلايا والبنية التحتية للإرهاب، عملاً حيويا بصرف النظر عن مكانة المنطقة التي انسحبت منها، ونظراً لفقدانها الثقة في القدرات الأمنية والإدارة السياسية الفلسطينية، فستفضل إسرائيل قدرا أكبر من المراقبة والتحقق الدولي الممكن، إلا أنها ستزن هذه المنفعة المحتملة مقابل القيود التي ستُفرض على العمليات العسكرية الإسرائيلية.

القبول الفلسطيني للطرف الثالث: سيتوقع الفلسطينيون بالمقابل بقاء التدخل الإسرائيلي في شؤونهم الأمنية محدوداً كما كان عليه في فترة التعاون الإسرائيلي – الفلسطيني، خاصة في الفترة 1996-2000، وذلك في حالة استمرار احتلال قطاع غزة، وقد يقبلون تدخلاً مشابهاً أو أقل من ممثلي الطرف الثالث إذا تغيرت مكانة القطاع.

صياغة تفاهم ثلاثي الأطراف: يتوقع الإسرائيليون والفلسطينيون على حد سواء أن يتم وضع الآليات المتعلقة بالأمن من خلال تفاهم ثلاثي الأطراف (إسرائيلي، دولي، فلسطيني) ويمكن التوصل لهذا التفاهم بعد الانسحاب، حتى لو أصرت إسرائيل أن تتم إدارة الانسحاب نفسه بشكل أحادي، فمثلا، يمكن إعادة تفعيل اللجنة الأمنية الثلاثية، حتى لو كان عليها التأقلم مع الظروف الجديدة.

متطلبات الطرف الثالث: إن المشاركة الدولية الإيجابية في مجال الأمن وهي أقل من التدخل العملياتي الكامل ستعتمد على ما يملكه الطرف الثالث من قدرة مستقلة للحصول على المصادر الاستخبارية للموارد البشرية، والمهارات الكمية والنوعية الضرورية لتقديم الرقابة والتحقق الناجح ومن الشرعية واحترام كلا المؤسستين الأمنيتين الإسرائيلية والفلسطينية.

بناء سجن مركزي: ادعت إسرائيل خلال السنوات الثلاث الماضية بأن السجون الفلسطينية كانت إما عبارة عن " أبواب دوارة" سمحت بمرور المقاتلين خلالها بكل بساطة، أو مراكزا لتخطيط النشاطات الإرهابية. ورد الفلسطينيون بأن الهجمات الانتقامية الإسرائيلية على مراكز الاعتقال، وما ينجم عنها من ضرر على قوات الشرطة والسجناء، أدت إلى تقويض دعم أجهزة الأمن الفلسطينية بالكامل ومعارضة اعتقال الأفراد لأي سبب كان، و بناءا عليه، فقد اقترح الفلسطينيون على الاتحاد الأوروبي إنشاء سجن مركزي، واحد في الضفة الغربية وآخر في قطاع غزة، حيث يتم بناءهما وصيانتهما و حمايتهما على يد قوات الشرطة الأوروبية إلى جانب المشاركة الفلسطينية. ومن ميزات هذه الفكرة إسرائيليا، التأكد من عدم إساءة استخدام السجون والتحقق من حجز السجناء الفعلي. أما الميزة الفلسطينية فتكمن في تطبيق المواطنين من تطبيق المقاييس والإجراءات الأوروبية المرعية وأن السجناء سيكونون بمأمن من الهجمات الإسرائيلية. ولكن لم يتم العمل بهذه الفكرة أبدا ولأسباب مختلفة، وقد يعاد النظر في بناء سجن مركزي على ضوء الانسحاب. إلا أن مسألة السيطرة الدولية على السجن تعقدت بسبب الادعاءات بسوء معاملة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة للسجناء العراقيين. ويجب الاستفادة من تجربة الرقابة الأوروبية على سجن أريحا والتي تلت حصار مقر عر فات في شهر نيسان (أبريل) 2002 وأزمة كنيسة المهد.                                           

 

 

 

5. نقل الممتلكات في قطاع غزة

أ) مصالح الأطراف في نقل الممتلكات

المصالح الإسرائيلية في نقل الممتلكات: لدى إسرائيل مصلحة في النقل المنظم لممتلكاتها إلى أيدي الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية والتي تشمل: المنازل، والمرافق الإنتاجية، والبنية التحتية العامة، وتقوم هذه المصلحة على الأساس المبدئي وعلى رغبة إسرائيل في دمج هذه الخطوة في إطار الوضع الدائم، وعندما يبحث الإسرائيليون في قضايا الانسحاب من المستوطنات مع الفلسطينيين، من المتوقع أن يطالبوا بالتعويض عن الممتلكات التي سيخلونها وراءهم، علاوة على أن إسرائيل ناقشت استخدام الممتلكات الموجودة في المستوطنات لإعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين، في مفاوضات الوضع الدائم في الماضي، لكن إمكانية حدوث أعمال سلب ونهب وتدمير، أو السيطرة على الممتلكات من قبل جماعات فلسطينية متطرفة، سيكون لها آثارا سياسية كبيرة على الإسرائيليين، بل على الكثير من المصالح الفلسطينية أيضا.

 وسيحتاج الانسحاب لنقل المئات من العائلات الإسرائيلية من منازلها، وقد تستدعي المقاومة الشديدة استخدام بعض القوة، كما يمكن التوقع أن يكون لصور الإخلاء تأثير سلبي ودرامي على الشعب الإسرائيلي، وقد ترسخ هذه الأحداث– إذا ارتبطت بمشاهد لسيطرة الجماعات الفلسطينية التي خاضت صراعا مريرا مع إسرائيل- مسألة الربط بين الانسحاب والهزيمة، مما قد يعيق الدعم لمزيد من الانسحاب، وكذلك، تخشى إسرائيل من التطرف بين بعض فئات المستوطنين، الذين قد يحاولون العودة إلى منازلهم في المستقبل في المناطق المخلاة، ولذا، ستأخذ إسرائيل في اعتبارها خيار الهدم الكامل للمباني على يد قواتها العسكرية قبل الرحيل.                                                           

المصالح الفلسطينية في نقل الممتلكات: لدى منظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الفلسطينية، والعديد من الفلسطينيين الآخرين أيضا مصلحة في الحيازة المنظمة للمتلكات الإسرائيلية الموجودة في المستوطنات، بسبب مغزاها النفسي في رفع الروح المعنوية للشعب وبسبب احتمالية الحصول على منفعة اقتصادية منها، ويكمن الهدف الرئيسي للسلطة الفلسطينية في وضع سابقة للمزيد من نقل الممتلكات في الضفة الغربية مستقبلا، إن كل ما يعزز فكرة نقل الممتلكات لدى الشعب الإسرائيلي يعتبر تطورا إيجابيا يؤدي إلى تعزيز الأهداف الفلسطينية طويلة المدى عبر مزيد من التشجيع على الانسحاب، كما يسعى الفلسطينيون كذلك إلى دفع المكاسب الاقتصادية إلى أقصى درجة بالسيطرة على الممتلكات، حيث أنهم لا يعتبرون الاستخدام الحالي للأرض سواء لغاية الزراعة أو السكن هو الاستخدام الأكفأ عند النظر للحاجات التنموية الفلسطينية.                                             

إن الفلسطينيين قلقون من عدم قدرتهم على مواجهة المجموعات الفلسطينية التي قد تسعى للسيطرة على الممتلكات الإسرائيلية عند استلامها. ترغب حركة حماس وغيرها من حركات المعارضة بتصوير الانسحاب من هذه المناطق على أنه نصر لأجنحتها العسكرية على إسرائيل، وفي المحصلة ستفضل هذه المجموعات أي إجراءات للنقل من شأنها تعزيز هذه النظرة في عيون الشعب الفلسطيني. سيكون توزيع الممتلكات (في أي حالة كانت) والاستفادة منها بعد الانسحاب مثار جدل محتمل بين الفلسطينيين تعرضوا في السابق لاختلاس الأرض والملكية على يد بعض أطراف السلطة الفلسطينية، أو بعض قادة الجماعات المحلية، أو واضعي اليد. وكذلك، سيطالب المالكون الحقيقيون للأرض مجددا بإعادة ملكيتهم لها.                                                                                

 

ب) تنسيق تسليم الممتلكات

ضرورة التنسيق الدولي: بالنظر إلى المصالح الفلسطينية والإسرائيلية، ندرك بأنه لا يوجد أي طريقة لتسليم الممتلكات بفاعلية دون تخطيط وتنسيق مفصل، ولا يميل المجتمع الدولي، (رغم مساندته الكاملة لنقلها من الإسرائيليين للفلسطينيين)، لافتراض امتلاكه سلطة انتقالية على الممتلكات – بسبب الصعوبات العملية في ضمان إدارة هذه الممتلكات، وانطلاقا من خشيتها أن يعتبرها الفلسطينيون محتلا جديدا، خاصة إذا تم فرض قيود على دخول السكان المحليين إلى المستوطنات، لكن إسرائيل ربطت قرارها بتدمير أو نقل الأصول بقبول الطرف الثالث باستلامها منها. وعليه، يستوجب النقل المنظم لهذه الممتلكات إما ترتيبا مباشرا بين إسرائيل والفلسطينيين (الأمر الذي ترفضه إسرائيل حاليا)، أو التنسيق بين إسرائيل والطرف الثالث والفلسطينيين، ويجب أن يشتمل التدخل الدولي في نقل الممتلكات على المهام والأهداف التالية:

جرد الممتلكات: ستنشأ حاجة لوضع تعريف منهجي واضح وشفاف لما يعتبر "ممتلكات" منقولة وثابتة قبل عملية الانسحاب، كما سيكون هناك حاجة لمسح شامل لكافة الأبنية، والبنى التحتية، والاستخدام الحالي للأراضي وجمع هذه المعلومات في قاعدة بيانات متاحة للجميع، ويمكن استخدام هذا الجرد في إدارة عملية تسليم الممتلكات وتقييم أية أضرار قد تنتج عن عملية الانسحاب، كما يمكن استخدامه كقاعدة بيانات عند إجراء التحسينات على الممتلكات، أثناء المرحلة الانتقالية إذا تطلب الأمر.                                          

التخطيط للاستخدام خلال مرحلة انتقالية: ستنشأ حاجة لصياغة خطة اقتصادية وإدارية متكاملة للاستخدام القصير والمتوسط المدى للممتلكات استنادا إلى نتائج الجرد، وذلك قبل البدء في عملية النقل. وقد تتضمن هذه الخطة صيانة البنية التحتية لإبقائها في حالة جيدة، والحفاظ على أو زيادة معدل إنتاجية الأراضي الزراعية و/أو إعادة بناء الأملاك المتضررة، كما يجب أن توضح الخطة وسائل حماية الممتلكات في الوقت الذي تضمن فيه قدرة الفلسطينيين على الوصول إليها بناءا على شروط العمل المطبقة خلال المرحلة الانتقالية، ومن المهم، وضع الخطة الانتقالية ضمن الأهداف الاستراتيجية طويلة المدى في التخطيط الفلسطيني للتنمية الوطنية، ولذا، يستلزم الأمر وجود درجة من الوضوح في النوايا الفلسطينية فيما يتعلق بخطط استخدام الممتلكات قبل تطوير الخطة الانتقالية، وذلك بعد القيام بحوار شعبي داخلي وصياغة سياسة واضحة. سيؤدي التعامل مع المناطق التي سيتم إخلاؤها بطريقة تختلف عن مناطق قطاع غزة الأخرى إلى مزيد من تجزئة الأرض.                                               

ينبغي كذلك أن تنسجم هذه الخطة الانتقالية مع خطة التنمية الدولية العامة لقطاع غزة في إطار إعادة الإعمار واسع النطاق وبرنامج إعادة التأهيل، فمثلا، قد يكون من الضروري الاستفادة من عوائد المناطق الزراعية في الترتيبات التمويلية لدفع اقتصاد قطاع غزة إلى الأمام، وسيحتم المنهاج المتكامل وجود صلة واضحة بين خطة إدارة الممتلكات والخطة الشاملة متعددة الوظائف لقطاع غزة ككل.                                                            

الاستعداد لنقل الممتلكات: تتضمن عملية النقل المثالية في أحسن الأحوال تسليم قطعة تلو القطعة وبشكل منظم، وذلك للتحقق من التدرج والفاعلية في السيطرة، إلا أن أسلوب الخطوة –خطوة أو الأسلوب المرحلي قد لا يكون ممكناً من الناحية السياسية، فكلما كان الانسحاب مفاجئا ونتائج الانتقال أكثر فورية، كلما زادت الحاجة للاستعداد المسبق لاستلام هذه الممتلكات، وتهدف هذه الاستعدادات لتحقيق الاستمرارية في الإنتاج والحفاظ على البنية التحتية إلى أن يصبح إعادة تنظيم استخدام الأرض كما هو مرغوب فيه أمرا ممكنا، وسيتطلب إنجاز هذا الأمر جهودا متكاملة ومتعددة الوظائف تجمع عناصر الاقتصاد والأمن والإدارة وغيرها من العناصر بالإضافة لما يستلزمه الأمر كافة في ظل قيادة موحدة (ويتراوح ما بين التنسيق بين الممثلين الدوليين، إلى تفويض هيئة رئاسية أو وضع قاعدة قيادية رئيسية)، ولذا، يجب تنظيم هذه الجهود بشكل جيد وسابق للانتقال حتى تكون جاهزة لفرض السيطرة على الممتلكات في اليوم المشهود تبعاً للظروف السياسية، فإن الجلاء النهائي والتخلي الإسرائيلي عن السيطرة قد يفتح نافذة ضيقة لعدة ساعات لتسلم الممتلكات بطريقة مأمونة.                     

حملة التأييد الشعبي: سيكون من الضروري الإعداد بحذر لحملة شعبية للحصول على أكبر قدر من تأييد غالبية الشعب الفلسطيني في فترة التمهيد للانسحاب وخلال المرحلة الانتقالية، بما في ذلك عملية التوزيع النهائي للمتلكات، حيث سيخفف الدعم الجماهيري من الحاجة للاعتماد على قوات الأمن من أي نوع كانت، وهي قوات لن تكون قادرة حتما على مواجهة أي تحد واسع الانتشار، ولتطوير هذه الحملة، سيكون هناك حاجة لتقييم المشاعر الشعبية حول عملية الانسحاب ونقل الممتلكات بشكل واقعي، ولن تكون هذه المهمة وحدها قادرة على التعامل مع الادعاءات القانونية المختلفة التي ستظهر مطالبة بالأرض، مع أي محاولات مقصودة للسيطرة على الممتلكات، كما ستكون هناك حاجة ماسة لإرسال إشارات واضحة لتعبئة الجماهير لصالح عملية منتظمة قدر الإمكان.                                                          

حماية الممتلكات:  سيؤثر قرار إسرائيل بتدمير الممتلكات أو عدم تدميرها ودرجة الضرر الذي سيحدثه الانسحاب على حماية الممتلكات خلال المرحلة الانتقالية، ويمكن التفرقة بين تدمير إسرائيل للمنازل وما يقابلها من تدمير للبنية التحتية، كما أن هناك احتمال بأن يقوم المستوطنون بالإضرار بالممتلكات قبل الانسحاب، وعلى الرغم من احتياجات حملة التأييد الشعبي الفعالة، سيكون هناك حاجة ماسة لنشر قوات الأمن حول الممتلكات حال انسحاب القوات الإسرائيلية،  ومن المستبعد وجود قوة دولية رئيسية مستعدة لضمان حصول انتقال سلس للمتلكات أو للحفاظ على السيطرة طوال الفترة الانتقالية، وسيطلب من قوات الأمن الفلسطينية أن تلعب دورا رئيسيا، إلا أنها قد تفتقر أيضا إلى القدرة اللازمة للقيام بالمهام المطلوبة، أو الاستعداد لإطلاق النار على الفلسطينيين لحماية الممتلكات في إطار عمل الطرف الثالث، وقد لا يكون هناك وقت لبناء قوات أمنها للوصول إلى المستوى الضروري من المقدرة، بصرف النظر عن مستوى المساعدة الخارجية، لذا قد يكون هناك حاجة للنظر في ترتيبات أمنية موحدة بين العناصر الفلسطينية والدولية، كما سيكون هناك حاجة لتطوير أسلوب عمل يربط حملة التأييد الشعبي بالمهام الأمنية.                    

ترتيبات التنسيق: على الرغم من تفضيل إسرائيل “للأحادية"، إلا أن هناك إمكانية لتصميم ترتيبات تنسيق تلائم مصالح كلا الطرفين بالإضافة إلى المجتمع الدولي، وقد تستلزم هذه الترتيبات الحد الأدنى من العلاقة بين إسرائيل والطرف الثالث وبين الطرف الثالث والفلسطينيين، سيكون هذا الترتيب المؤقت مغايرا لأسلوب عمل الطرف الدولي الحالي إلا أنه قد يستلزم تنسيق على الأقل، مع أنه من المفضل وجود درجة من التكامل بين الأطراف الرئيسية الموجودة فعليا، وقد لا تنطلي هذه الترتيبات بالضرورة على تدخل واسع النطاق، إلا أنها ستتطلب درجة من المرونة لجسر التناقض البارز بين الأحادية والتنسيق، وبالإضافة إلى مظلة العمل، سيكون التنسيق مطلوبا في القاعدة وعلى المستوى التكتيكي للتمهيد لليوم المشهود وفي أعقابه، سيكون من غير الواقعي توقع عملية نقل مثلى أو منظمة بدون ترتيبات تنسيق محددة ومفصلة لهذا الغرض.

إن وجود طرف ثالث وصياً على الممتلكات لا يعني وجوب توليه لكامل السلطات التنفيذية عليها. أما بالنسبة للدور الدولي في الحكم الفلسطيني بشكل عام، فهناك مجموعة من الخيارات تتراوح في درجات التدخل حسب التصنيفات في طبيعة المهام: المساعدة، أو الشراكة، أو السيطرة، أو الحكم، ويمكن لعملية نقل الممتلكات أن تتم على ضوء هذه الخيارات في ظل استلام الفلسطينيين للمزيد من السلطة على الممتلكات، وقد يكون انتقال الممتلكات إلى "وصي انتقالي" أمرا عمليا طالما تم في إطار دعوة وموافقة فلسطينية على تدخل طرف ثالث – مما قد يعني ملكية فلسطينية مبكرة أو فورية إلى جانب إدارة دولية مؤقتة، تكون متوافقة مع الأحادية الإسرائيلية، وفي الوقت الذي يمكن فيه أن تكون مفوضة، فإن خطوة كهذه ستتطلب التوصل لاتفاق أو قرار لمجلس الأمن يوفر الغطاء السياسي الأعلى والدعم، بين إسرائيل والفلسطينيين، بحيث يشكل الأمران معاً مصدراً للسلطة، وقد تفصل خطة العمل درجة التداخل بين الإسرائيليين والطرف الثالث والفلسطينيين في كل مرحلة من مراحل الانسحاب والانتقال، كما أنها ستحدد جدولا زمنيا يلبي احتياجات ومخاوف الإسرائيليين والفلسطينيين المتناقضة.                                                                                                    

 

6. عوامل و اعتبارات التخطيط العامة

أ) الانسجام والتماسك:

البنى والأطراف الحالية: يستمر حاليا تفتت السلطة السياسية والأمنية في الضفة الغربية وقطاع غزة،  وقد قامت إسرائيل بإعادة نشر قواتها عبر المنطقة بالدخول المنتظم وشن العمليات وسط التجمعات السكانية الفلسطينية، ولا تزال السلطة الفلسطينية تتمتع بالمسؤولية الإدارية الرسمية في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة غير الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، لكنها غير قادرة فعليا على ممارسة المهام الحكومية بالكامل في ظل الظروف الحالية، خاصة في المناطق الواقعة إلى الجنوب من مدينة غزة وغيرها، ويتم تقديم الخدمات الاجتماعية غالبا من قبل كل من وكالة الغوث وحركة حماس لنسبة كبيرة من السكان، كما تتواجد مجموعات فتح المحلية، والمنظمة أساسا من قبل العائلات الكبيرة، في عدة أماكن وتمارس درجات مختلفة من السيطرة.

  إن على أي طرف ثالث أن يقوم بتحديد علاقته مع الكثير من الأطراف الموجودة، سواء محلية كانت أم دولية، للحصول على أعلى درجة من القبول لتدخله، وقد يكون ذلك أكثر سهولة في سياق الانفصال الإسرائيلي، حيث أعربت كافة الأطراف الرئيسية عن استعدادها لوقف النشاطات العسكرية المنطلقة من قطاع غزة بعد الانتهاء من الانسحاب الإسرائيلي الكامل.

التدرجية والتماسك: تعتبر سياسة التدرج المؤسساتي والتنظيمي أحد أكبر نقاط ضعف التدخل الدولي ولا تزال النموذج المهيمن الذي تتخذ من خلاله القرارات السياسية، كما أنه النموذج السائد في الضفة الغربية وقطاع غزة أيضا، بالرغم من الدور الذي تلعبه الرباعية، التي فوضت لتوجيه عملية السلام وفقا لخارطة الطريق؛ أو الدور الإسرائيلي الذي يمثل دور سلطة الاحتلال كما يراه المجتمع الدولي، ودور السلطة الفلسطينية التي تمارس مهاما مدنية وأمنية محددة وفي مناطق معينة، إلا أنه لا توجد مؤسسة أو فرد مسئول عن الإشراف على مجمل العمل المتعلق بإدارة الأراضي المحتلة.

لذا ستكون مشكلة بنية البعثة الدولية المتداخلة وتفويضها أكثر تعقيدا في حالة اختلاف مكانة قطاع غزة ومناطق شمال الضفة الغربية بعد الانسحاب عن مكانة المناطق المتبقية في الضفة الغربية.

 

ب) معالم المهمة الدولية

تفرد المهمة الدولية: من الممكن الاستفادة من دروس البعثات السابقة والتأقلم مع بيئة العمل الجديدة، على الرغم من الحاجة الدائمة لوضع مخططات جديدة، وهناك تحديات معينة تواجه المخططين الدوليين عند التعامل مع الانسحاب الإسرائيلي من جزء من الأراضي الفلسطينية لإنهاء المقاومة الفلسطينية هناك، في الوقت الذي يستمر فيه الاحتلال لأجزاء أخرى. وعلى الرغم من الاختلافات في بعض الجوانب، إلا أنه يمكن الاستفادة من تجربة سلوفينيا الشرقية، حيث قامت البعثة الدولية بإدارة المنطقة التي تم نقلها من صربيا إلى كرواتيا في الوقت الذي بقيت فيه النشاطات الدولية مستمرة في كرواتيا والبوسنة، وتمثل "بوركو" نموذجا معقدا آخر للتدخل الواسع في منطقة صغيرة ومنفصلة في سياق مهمة أكبر. 

الهدف من التدخل: من الواضح أن التدخل الدولي في الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية له هدف معقد وبسيط في آن واحد، فقد أشارت خارطة الطريق وقرارات مجلس الأمن إلى أن حل النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني سيكون من خلال مفاوضات ثنائية مباشرة بين الأطراف، ينجم عنها قيام دولتين تعيشان جنبا إلى جنب في أمن وسلام، ومن هنا يمكن أن يكون هدف الطرف الثالث هو خلق الظروف اللازمة لضمان حدوثه، إلا أن تهئية مثل هذه الظروف أمر معقد، حيث يشمل اعتبارات جيوبوليتكية، تماما كما يشمل اعتبارات متعلقة بالأمن وبناء الدولة.

نطاق العمل: في السياق السياسي الحالي، لن يسهل التدخل الدولي الانسحاب بحد ذاته فقط، بل سيساعد في تأمين الظروف التي تضمن أن يكون الانسحاب دائماً ومقدمة لاتفاق سلام في المستقبل، علاوة على ذلك، فأنه لن يقوم بذلك كنتيجة لاتفاق بين الأطراف، بل استجابة للقرار الأحادي الجانب الذي اتخذه طرف واحد بالانسحاب بمساعدة من الطرف الآخر الذي قام بتخفيف حدة العمليات المعادية، بالتالي، فإن نطاق النشاط الدولي سيعتمد على الظروف التي تخلقها الإرادة السياسية للأطراف، ويعني ذلك الحد الأدنى للحفاظ على أمن كل من الفلسطينيين والإسرائيليين، والذي بدونه ستصبح عودة العنف في المستقبل مؤكدة، وكذلك وإعادة تأهيل الحياة السياسية الفلسطينية، والتي لا يمكن ضمان المفاوضات المستقبلية بدونها.

التفويض بعيد المدى: ينبغي ربط التفويض بالتدخل الدولي على المدى القريب باستمرار تدخل المجتمع الدولي على المدى البعيد، بما في ذلك المرحلة اللاحقة للتوصل للحل الدائم،  وفي مفاوضات الوضع الدائم السابقة، ناقشت الأطراف أفكارا تتعلق بالطلب من القوات الدولية القيام بمهام معينة، كالمساعدة في نظام الحدود أو العمل كرادع يضمن وحدة أراضي كلا الطرفين إذا تم الانسحاب من قطاع غزة بشكل كامل، وسيتولى الفلسطينيون السيطرة على الحدود مع دولة أخرى غير إسرائيل وللمرة الأولى، وتعتبر منطقة الحدود الفلسطينية – المصرية مثار قلق إسرائيلي كبير، حيث أنها ترى أن الظروف غير مهيأة لانسحابها من تلك المنطقة بعد، وقد يوفر دور طرف ثالث قصير المدى في السيطرة على الحدود، سواء بتقديم العون للفلسطينيين أو بالحلول محلهم، نموذجاً لترتيبات الوضع الدائم طويلة المدى، وقد يؤثر كذلك على درجة ونطاق التدخل الدولي في ذلك الحل.

التركيبة: هناك مجموعة صغيرة فقط من الدول القادرة على تقديم المساعدات المدنية والعسكرية اللازمة للاستجابة لمتطلبات للانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة ومن شمال الضفة الغربية، فقد دار نزاع آخر منذ عام 2003 تطلب التزاماً من عدد من الدول المقتدرة، وهو الحرب في العراق، ففي هذه الأثناء، استمرت الحرب في أفغانستان، والتي شكلت مزيدا من الاستنزاف للموارد والقدرات الدولية، لكن، وللمرة الأولى، يبدي الإسرائيليون والفلسطينيون اهتماماً باشتراك المصريين في العديد من المهام، فكلاهما مستعد لأخذ دور مصري في تأمين الحدود الفلسطينية-المصرية وفي إصلاح قطاع الأمن بعين الاعتبار، على الأقل في قطاع غزة. على أية حال، يجب على تدخل كهذا أن يأخذ المصالح الوطنية المصرية والتي تشمل استقرار المنطقة، وتجنب الصراع المحتمل مع جيرانها الفلسطينيين أو مع إسرائيل، والحفاظ على علاقتها مع الولايات المتحدة، وضمان موقع قيادي لها بالمنطقة بالحسبان.

قبول القوات: من المهم بالنسبة للطرف الثالث أن يحصل على أعلى مستوى من القبول الممكن لدى الأطراف الدولية على ضوء التعويض المتاح، وذلك للمساعدة في ضمان إنجازها لأهدافها. ولا تزال إسرائيل مصرة على القيادة الأمريكية لأي قوات دولية، في الوقت الذي تأخذ فيه الدور المصري المعزز بعين الاعتبار، ويؤيد الفلسطينيون تواجداً تقوده الولايات المتحدة ويرحبون بالتواجد المصري حيث ينظرون للأمر كمساعدة في تسهيل انسحاب القوات الإسرائيلية، إلا أن التطورات الأخيرة في المنطقة قلصت درجة القبول الفلسطيني للتدخل الأمريكي، وأي تدخل دولي ينظر إليه كضامن للمصالح الأمنية الإسرائيلية على حساب التطلعات الوطنية الفلسطينية سيشجع على حصول ردود فعل عنيفة على الأرجح، وبالمقابل، فلن تدعم إسرائيل أي قوة دولية تفشل في خدمة مصالحها الأمنية. إن درجة القبول المنخفضة بالتواجد الدولي بدون إجراء حملة شعبية شفافة توضح الكيفية التي تنوي البعثة الدولية من خلالها تلبية كلا المطمحين قد تقلص من فرص نجاحه.

الجدول الزمني: لا تكون الجداول الزمنية المرتبطة ببعثات دولية في العادة واقعية، وتنطلق من أهداف سياسية تبتعد عن الوقائع العملية، وغالباً ما تكون هذه الجداول حصيلة تخطيط متأخر لرد فعل على ظروف قاهرة. تخلق خطة شارون للانفصال في نهاية عام 2005، وخارطة الطريق بمراحلها المختلفة، فرصة للمخططين الدوليين والإقليميين لإعداد جدول زمني لتدخل طرف ثالث يتلاءم مع التوقعات المحلية ويستند إلى تقييم صادق للوضع وستكون كل المعايير، والمراحل والمعالم الهامة، وتتابعية العمل، مرتبطة بشكل منطقي بقضايا التنسيق.

 

 

 

ج) الجوانب القانونية

مصدر السلطة: إن السمة المقلقة لأي تدخل دولي هي مصدر تفويض السلطة وممارستها للصلاحيات والمسؤوليات، ويعتبر قبول الدولة ذات السيادة عادة سمة رئيسية لهذه السلطة الدولية، بما يتوافق مع قرار للأمم المتحدة، ويمكن الاستغناء عن الدعوات الرسمية في حالات الفرض بالقوة فقط كما ورد في الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. تعتبر موافقة الأطراف في النزاعات المحلية - سواء كانت حكومة، أو حركات مقاومة موحدة، أوجماعات متعددة – ضرورة عملية تؤثر على حجم وقوة التدخل الدولي، وينظر المجتمع الدولي إلى إسرائيل على أنها قوة محتلة تمارس سيطرتها على الأرض الفلسطينية في الوقت الذي تدير فيه السلطة الفلسطينية مناطق محددة، ويرى الفلسطينيون أن السيادة في النهاية تعود للشعب الفلسطيني الذي تمثله منظمة التحرير الفلسطينية، وللمرة الأولى منذ مفاوضات الوضع النهائي، أعربت إسرائيل عن رغبتها في إنهاء اعتبار قطاع غزة أرضا محتلة بعيد انسحابها، مما يثير التوقعات بأن منظمة التحرير الفلسطينية، إذا تم الاعتراف بها دوليا، قد تكون قادرة على ممارسة السيادة باسم الشعب الفلسطيني حتى تستطيع دعوة البعثة الدولية إلى أراضيها، على الرغم من أن هذا الأمر قد يتطلب موافقة إسرائيل ومصر من الناحية العملية.

القانون النافذ: إذا بقي قطاع غزة و/أو شمال الضفة الغربية أرضا محتلة ضمن التعريف الدولي، فإن اتفاقية جنيف الرابعة ستطبق على أي كيان يمارس السلطة، إسرائيلي أو فلسطيني،  أما إذا أصبح قطاع غزة أرضا غير محتلة، من خلال صدور قرار من الأمم المتحدة على سبيل المثال، وتم الاعتراف بسيادة الحكومة الفلسطينية عليه، عندها سيطبق القانون الفلسطيني على أي وجود لطرف ثالث، وأخيرا، إذا أصبح قطاع غزة محررا وغير محتل من قبل إسرائيل، ومنح المجتمع الدولي طرفا ثالثا السيطرة عليه لإدارة انتقالية، عندها، سيكون هذا الطرف الثالث ملزما باتفاقية جنيف الرابعة بنفس الدرجة.

مكانة الأرض: تعتبر إسرائيل قطاع غزة والضفة الغربية "أرضاً متنازعا عليها"، باستثناء القدس الشرقية والتي تم ضمها بعد حرب عام 1967، إلا أن الفلسطينيين والمجتمع الدولي يعتبرون الأرض التي احتلتها إسرائيل في عام 1967 "أرضا محتلة"، وترى الخطة الإسرائيلة أنه، وفي الحد الأدنى، ستتغير مكانة قطاع غزة بعد الانسحاب، إلا أنه من غير الواضح إذا كان الفلسطينيون سيقبلون باعتبار جزء منفصل من أرضهم محرراً حتى لو كان الفلسطينيون والمجتمع الدولي مستعدين للإقرار بانتهاء الاحتلال، فإن ذلك لا يعني بالضرورة قيام دولة فلسطينية.

وضع اللاجئين: ترى إسرائيل أنه إذا تم الاعتراف بسيادة الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة، فيجب عندها تغيير الوضع القانوني للاجئين الذين يعيشون فيه، أما الفلسطينيون فيرون بأن ما سيحدد وضع اللاجئين هو مكانهم الأصلي وليس الدولة التي ولدوا فيها.

موقع السيادة: من سيتولى السيادة على قطاع غزة نتيجة لتطبيق خطة الانفصال الإسرائيلية؟ في العقد الماضي، قامت منظمة التحرير الفلسطينية، كونها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، بالتفاوض في العديد من الاتفاقيات مع إسرائيل والمجتمع الدولي، كما اتفقت منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل على تعيين سلطة فلسطينية لإدارة أجزاء من الأراضي المحتلة حتى إتمام مفاوضات الوضع الدائم، وبالاتفاق مع منظمة التحرير الفلسطينية، فإن السلطة الفلسطينية لا تتمتع صراحة بحق ممارسة السيادة إذا بقي قطاع غزة أرضا محتلة، لذا، فإن من المتوقع أن تستأنف السلطة الفلسطينية توسيع إدارتها لقطاع غزة، في الوقت الذي تستمر فيه إسرائيل بفرض السيطرة عليه، أما إذا انتهى الاحتلال، فلا بد أن تمارس قوة ما السيادة، وتشمل الخيارات منظمة التحرير الفلسطينية أو جسم منبثق عن منظمة التحرير الفلسطينية (قد يشمل عناصر من السلطة الفلسطينية الموجودة حالياتقوم بتعيين حكومة نيابية، ديموقراطية وشفافة؛ أو قد يتم تعيين سلطة دولية انتقالية حاكمة؛ أو ربما مزيج من الاثنتين.

[قائمة المحتويات] [التقرير الأول] [التقرير الثاني] [التقرير الثالث] [التقرير الخامس]

[ الصفحة الرئيسية ] [إصدارات ونشاطات الوحدة ]