FooterLeft


أصبح مطلب "الإصلاح" الشامل للسلطة الفلسطينية موضوعاً مركزياً ومتكرراً في كل بيان دبلوماسي رئيسي صدر عن الأطراف الفاعلة الدولية والإقليمية منذ هجوم 7 أكتوبر 2023. إن مسألة إصلاح السلطة الفلسطينية، التي لم تكن أولوية دولية منذ الانتفاضة الثانية، قد أُقحمت فجأة في صميم جميع النقاشات حول "اليوم التالي" لحرب غزة. وبرز بشكل مفاجئ إجماع واسع بين الأطراف الفاعلة الرئيسية - الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والدول العربية الكبرى - على أن السلطة الفلسطينية في شكلها ما قبل الحرب فاسدة وغير فعالة أو مؤهلة، بل وتفتقر إلى الشرعية اللازمة لحكم غزة.

إن الدافع الأساسي لهذه المطالب هو بحث المجتمع الدولي اليائس عن كيان قابل للحياة وغير تابع لحماس لتولي السيطرة على قطاع غزة. فبعد استثمار مليارات الدولارات في السلطة الفلسطينية، لا ترغب القوى الغربية في الاعتراف بفشل مشروعها لبناء الدولة. ومع ذلك، فهي غير مستعدة بنفس القدر لتحدي الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة المصممة على منع عودة السلطة. وهكذا، أصبحت "السلطة الفلسطينية ذات البنية المتجددة" هي الرواية الخيالية الملائمة، وهي لا تعدو كونها وسيلة إلهاء دبلوماسية مصممة لتجنب مواجهة الحقائق السياسية القاسية على الأرض.

لكن هذه السردية تحجب حقيقة أعمق. فقبل وقت طويل من إعادة اكتشاف المجتمع الدولي للغة الإصلاح، كان الجمهور الفلسطيني ومجتمعه المدني يطالبان بتغييرات جوهرية في نظام سياسي يعتبرونه غير شرعي وغير خاضع للمساءلة. وبينما تجاهلت قيادة السلطة الفلسطينية هذه المطالب المحلية باستمرار، فقد أبدت وبشكل مفاجئ استعداداً ملحوظاً للتنازل أمام تلك التي قدمتها الولايات المتحدة وحلفاؤها.

لماذا يرفع المجتمع الدولي راية الإصلاح الآن، ولماذا سارع رئيس السلطة الفلسطينية إلى الامتثال؟ والأهم من ذلك، هل تتوافق الإصلاحات المطلوبة مع تلك التي يسعى إليها الشعب الفلسطيني؟ تتناول ورقة التحليل السياساتي هذه القضايا، وتجادل بأن الأجندة الإصلاحية الدولية الحالية تسيء فهم أزمة الحكم الفلسطيني بشكل أساسي، وأن إعطاء الأولوية للتجديد الديمقراطي الحقيقي بقيادة فلسطينية هو المسار الوحيد القابل للتطبيق.

 

 

(1) الطريق إلى الإصلاح: من التطلع الداخلي إلى الشرط الدولي المسبق

إن المطلب الدولي بإصلاح السلطة الفلسطينية ليس بظاهرة جديدة، لكن طابعه قد تغير تماماً. يمكن تتبع جذوره إلى الانتفاضة الثانية، عندما أدت جهود إصلاحية مماثلة في عام 2002، مدعومة بمطالبة فلسطينية شعبية بالمساءلة، إلى إنشاء منصب رئيس الوزراء لإضعاف رئاسة ياسر عرفات التي لم تكن آنذاك خاضعة للمساءلة البرلمانية. ومع ذلك، يكمن الاختلاف الرئيسي في الدافع: فبينما كانت تلك الجهود المبكرة مدفوعة برغبة شعبية فلسطينية في تحسين الحكم، فإن الدفع بعد عام 2023 قد تم تحديده بشكل ساحق من قبل جهات فاعلة خارجية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

في أعقاب حرب غزة، صاغت الولايات المتحدة مطلب إنشاء "سلطة فلسطينية متجددة ومُصلَحة" باعتباره المسار الوحيد لعودتها إلى غزة ولأي تسوية سياسية مستقبلية. وسرعان ما حظي هذا الموقف بتأييد الحلفاء الغربيين، حيث ردد اجتماع مجموعة السبع في أبريل 2024 هذه الدعوات، وربط "الإصلاحات التي لا غنى عنها" في الحوكمة والأمن بقدرة السلطة الفلسطينية على تولي المسؤولية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة كجزء من حل الدولتين القابل للحياة.

في مواجهة ضغوط هائلة وعزلة سياسية، أبدى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس موافقته. وفي رسالة محورية إلى الرئيس الفرنسي ماكرون وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في يونيو 2025، أدان عباس حماس وأيد نزع سلاحها وتعهد بإجراء انتخابات في غضون عام. وقد مهد هذا الخضوع الطريق لسلسلة من الإعلانات الدولية التي قنّنت أجندة الإصلاح الخارجية. ورحب كل من إعلان نيويورك في يوليو 2025 وبيان الرؤساء المشاركين للمؤتمر الدولي في سبتمبر 2025 بالتزامات عباس، وأشادا على وجه التحديد بالإصلاحات الجارية بالفعل، بما في ذلك إلغاء نظام مخصصات الأسرى ومراجعة المناهج الدراسية تحت إشراف الاتحاد الأوروبي.

بحلول نوفمبر 2025، تحولت هذه الديناميكية إلى استعراض أوسع للرضوخ. فخلال زيارة إلى باريس، أكد عباس التزامه بإقصاء أي فصائل غير متوافقة مع البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية من الانتخابات المستقبلية، مما يمنع حماس فعلياً من المشاركة. وفي خطوة تذكر بالعصر الاستعماري، أعلن هو وماكرون عن لجنة مشتركة لصياغة دستور فلسطيني مستقبلي. وقد أظهرت هذه الإيماءات المسرحية مدى استعداد سلطة فلسطينية ضعيفة للذهاب بعيداً لضمان بقائها.

وقد تم ترسيخ هذا الإجماع الدولي في قرار مجلس الأمن رقم 2803 (نوفمبر 2025). حيث نص القرار صراحة على أن "مساراً ذا مصداقية لتقرير المصير الفلسطيني" مشروط بإنجاز السلطة الفلسطينية "بأمانة" لبرنامجها الإصلاحي، كما هو محدد في أطر خارجية مثل خطة ترامب للسلام. وهكذا، بحلول نهاية عام 2025، تحول مفهوم الإصلاح تماماً: فما بدأ كمطلب فلسطيني بالمساءلة الديمقراطية أصبح اختباراً مُداراً خارجياً للتطلعات الوطنية الفلسطينية. لم تعد الحرية حقاً غير قابل للتصرف، بل امتيازاً يجب اكتسابه من خلال تلبية الشروط الأمريكية والأوروبية.

 

 

(2)  ثلاث أجندات للإصلاح: رؤى متنافسة للسلطة الفلسطينية

لقد تعاظمت مؤخرا طلبات متكررة تدفع لإصلاح السلطة الفلسطينية، لكن مصطلح "الإصلاح" نفسه أصبح لفظا متنازعاً عليه، يمثل ثلاث أجندات متميزة وغالباً ما تكون متعارضة: أولها هو الإطار الذي يضع الأمن أولاً وتطالب به الولايات المتحدة وإسرائيل، ويركز الثاني على الحوكمة وتفضله الدول الأوروبية والعربية، وأخيرا تأتي التطلعات التي تحركها المطالبة بالشرعية لدى الجمهور الفلسطيني.

الأجندة الأولى، التي تقودها في المقام الأول الولايات المتحدة وإسرائيل، هي في الأساس مشروع ذو توجه أمني يهدف إلى تحويل السلطة الفلسطينية إلى شريك أكثر فعالية في مكافحة الإرهاب. يعطي هذا الإطار الأولوية لإنشاء سلطة "متجددة" يمكنها منع استخدام غزة مرة أخرى كمنصة للهجمات. وتشمل مطالبها الأساسية وقف جميع المدفوعات لعائلات الأسرى والشهداء، وهو ما تصطلح على تسميته بإنهاء لـ"التحريض"؛ ويشمل أيضا في نفس الإطار مراجعة المناهج المدرسية لإزالة المحتوى المناهض لإسرائيل؛ ويشمل كذلك مطالبة السلطة بتبني موقف إقصائي تجاه حماس. وفي جوهرها، تتصور هذه الأجندة تبلور سلطة فلسطينية تتواءم سياستها الأمنية والخارجية مع المصالح الإسرائيلية والأمريكية.

الأجندة الثانية، التي يدعو لها الاتحاد الأوروبي وتدعمها الدول العربية الرئيسية مثل السعودية والإمارات، لا تتعارض أبدا مع النموذج الأمريكي ولكنها تركز بشكل أقوى على الحكم الرشيد والقدرة المؤسسية والقيادية. وبصفتهم الممولين الرئيسيين للسلطة الفلسطينية ولإعادة الإعمار في المستقبل، يطالب هؤلاء الفاعلون بحكومة تكنوقراط من الخبراء المستقلين، وإجراءات قوية لمكافحة الفساد، وشفافية مالية. وبينما يدعمون الإصلاح الأمني، فإن دافعهم هو بناء دولة فلسطينية ذات مصداقية وفعالة و"قابلة للحياة" يمكن أن تكون شريكاً مستقراً في حل الدولتين في المستقبل. وتتلاقى مطالبهم برئيس وزراء قوي ومساءلة مالية مع بعض الرغبات الفلسطينية، لكن أجندتهم في النهاية هي مشروع بناء دولة من أعلى إلى أسفل مصمم لإنشاء كيان حاكم مسؤول ويمكن التنبؤ بسلوكه

الأجندة الثالثة والأكثر جوهرية هي أجندة الجمهور الفلسطيني والمجتمع المدني. هذه الرؤية لا تحركها الاعتبارات الأمنية أو التكنوقراطية، بل الحاجة الملحة إلى الشرعية السياسية والوحدة الوطنية. وكما تظهر استطلاعات الرأي المكثفة التي أجراها المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية خلال السنتين الماضيتين، فإن الأولوية الساحقة للجمهور هي الوحدة الوطنية أو المصالحة بين فتح وحماس وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية حرة وشاملة. يطالب الفلسطينيون باستعادة سيادة القانون، واستقلال القضاء، وإنشاء مؤسسات خاضعة للمساءلة، بدءاً من برلمان يتمتع بالصلاحيات ويمكنه محاسبة السلطة التنفيذية. بالنسبة للجمهور الفلسطيني، لا يتعلق الإصلاح مطلقا بقيام مقاول أمني للاحتلال أكثر كفاءة أو متلقٍ أكثر شفافية للمساعدات الخارجية؛ بل يتعلق بإعادة بناء حركة وطنية ممزقة واستعادة نظام سياسي يمثل إرادة الشعب. وغالباً ما تتعارض هذه الرؤية بشكل مباشر مع المطالب الإقصائية وذات التوجه الأمني للمجتمع الدولي.

 

 

(3)  وجهات نظر فلسطينية: إجماع على الأولويات الداخلية

تكشف سلسلة من المقابلات مع خمس شخصيات فلسطينية بارزة من المجتمع المدني عن إجماع قوي حول طبيعة الإصلاح، مما يسلط الضوء على الهوة العميقة بين الإملاءات المفروضة من الخارج والاحتياجات الداخلية الحقيقية. يتفق المتحدثون - جورج جقمان، أستاذ العلوم السياسية والمفكر الفلسطيني البارز في مؤسسة مواطن وجامعة بير زيت؛ وخليل شاهين، المحلل السياسي المخضرم ومدير الأبحاث في مؤسسة مسارات؛ وشعوان جبارين، المدافع البارز عن حقوق الإنسان ومدير مؤسسة الحق؛ وعمار دويك، مدير الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان؛ وقدورة فارس، الوزير السابق والرئيس السابق لنادي الأسير الفلسطيني - بالإجماع على أن الإصلاح ذا المغزى يجب أن يكون مدفوعاً بأولويات فلسطينية، وليس بأجندات أجنبية يعتقدون أنها مصممة على إدارة الصراع بدلاً من حله.

هناك رفض موحد للمطالب الخارجية الرئيسية، التي يُنظر إليها على أنها مبادرات تقودها إسرائيل تبناها المجتمع الدولي لتقويض المشروع الوطني الفلسطيني. يدين هؤلاء كافة مطلب وقف مخصصات الأسرى والشهداء بشكل موحد باعتباره محاولة لتجريم النضال الوطني. وبالمثل، يُنظر إلى مطلب مراجعة المناهج التعليمية على أنه اعتداء مباشر على الهوية الفلسطينية والسردية التاريخية. ويُرفض الضغط الخارجي لتعيين نائب للرئيس باعتباره تدخلاً سافراً يهدف إلى هندسة خلافة خاضعة للسيطرة بدلاً من تعزيز الشرعية الديمقراطية. ويؤكد جميع من تمت مقابلتهم أن الإذعان لهذه الإملاءات الخارجية دون أفق سياسي واضح لا رجعة فيه نحو إقامة الدولة لن يؤدي إلا إلى إضعاف السلطة وتعميق الانقسامات الداخلية.

وفي المقابل، يحدد المتحدثون أجندة إصلاح داخلية واضحة وعاجلة، مع مطلب واحد يقف كحجر زاوية للجميع: إجراء انتخابات عامة حرة ونزيهة. فالانتخابات، التي وصفها قدورة فارس بأنها "90% من عملية الإصلاح"، تُعتبر الآلية الوحيدة لاستعادة الشرعية الشعبية، وإعادة تفعيل مؤسسات الرقابة مثل البرلمان، وخلق الإرادة السياسية اللازمة لمعالجة القضايا الحاسمة الأخرى. وتُعتبر مكافحة الفساد، الذي وصفه شعوان جبارين بأنه "نظام مستشرٍ يبدأ من رأس الهرم"، وضمان استقلال القضاء، أهدافاً حيوية، لكن معظم المتحدثين يعتقدون أنه من المستحيل تحقيقها دون المساءلة التي لا يمكن أن يوفرها إلا مجلس تشريعي منتخب.

علاوة على ذلك، فإن فكرة فرض شروط سياسية على الأحزاب المشاركة في الانتخابات المستقبلية - مثل مطالبتها بقبول اتفاقيات سابقة كأوسلو - مرفوضة بشكل قاطع. ويجادل المتحدثون بأن مثل هذه الشروط المسبقة غير ديمقراطية وغير قانونية بموجب القانون الأساسي الفلسطيني، ومصممة لإقصاء المعارضة، وبالتالي ترسيخ الاستبداد. وكما يؤكد قدورة فارس، أي قرار فلسطيني يجب أن يُطبخ في المطبخ الفلسطيني". وفي جوهر الأمر، تكشف المقابلات عن إجماع قوي: الإصلاح الحقيقي يبدأ بالانتخابات. ولا يمكن مواجهة الضغوط الخارجية إلا من خلال تعزيز النظام الديمقراطي الداخلي واستعادة المشاركة الشعبية.

 

(4) خاتمة: هل "إصلاح" سلطة خاوية مُفرغة من محتواها أمر له معنى؟

يطلب المجتمع الدولي الإصلاح من كيان سياسي فلسطيني تم تجريده أصلاً من مؤسساته بشكل منهجي. فبعد استيلاء حماس على غزة عام 2007 وتوحيد الرئيس عباس لاحقاً للسلطات تحت إمرته، تم تجريد السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية من أي قاعدة مؤسسية ذات معنى. فالمجلس التشريعي الفلسطيني معطل منذ ما يقرب من عقدين، والقضاء أُخضع للسلطة التنفيذية، والسلطة تتركز بالكامل تقريباً في يد الرئيس. إن الجهات الفاعلة الخارجية التي تطرح هذه المطالب تدرك تماماً هذا الفراغ المؤسسي؛ وفي الواقع، يبدو أن هذا هو السبب ذاته الذي يجعلها تتوقع الامتثال التلقائي من قيادة لا يمكنها الاعتماد على دعم شعبي أو مؤسسي. ومن أجل بقائها، تجد القيادة الفلسطينية الحالية أنه من المستحيل مقاومة تعدي القوى الدولية.

لقد عجلت أحداث 7 أكتوبر وما تلاها من فقدان للفاعلية السياسية الفلسطينية. لقد دمرت مقامرة حماس قدرتها على الحكم، بينما أدى شلل السلطة الفلسطينية إلى حرمان جميع الفلسطينيين من القدرة على اتخاذ قراراتهم بأنفسهم. وقد سمح الفراغ الذي أعقب ذلك للقوى الإقليمية بالدخول مجدداً كأوصياء، مما يمثل "إعادة تعريب" للصراع لم نشهده منذ عقود.

في هذا السياق، تبدو الدعوات إلى "سلطة متجددة وشفافة ويقودها تكنوقراط" لتولي مسؤولية غزة منفصلة عن الواقع. إن هناك حاجة بالفعل إلى عقد اجتماعي جديد، ولكن لا يمكن فرضه على هيكل فارغ. فالسلطة الفلسطينية الخالية من الهياكل المؤسسية والثقة الشعبية ليست قابلة للإصلاح؛ إنها أسيرة لزعيم قضى عقداً في تركيز السلطة بيديه. وبدون الشرعية التي لا يمكن أن يمنحها إلا الشعب، لا يمكن لأي من هذه الإصلاحات المفروضة من الخارج أن تترسخ بشكل حقيقي. والاستنتاج الذي لا مفر منه هو أنه يجب على السلطة الفلسطينية استعادة هيكلها المؤسسي وشرعيتها قبل أن يمكن إصلاحها بشكل مجدٍ. وهذا يجعل إجراء الانتخابات ليس مجرد أولوية من بين أولويات كثيرة، بل هو الشرط المسبق المطلق لأي مسار قابل للحياة.

في نهاية المطاف، يمثل التركيز الدولي على إصلاح السلطة الفلسطينية ستارا وتحويلا فعالا للانتباه، مما يسمح للدبلوماسيين والسياسيين بتجنب مواجهة المشكلة الأكبر وهي السياسات الإسرائيلية التي تهدف إلى ضم الأراضي الفلسطينية ومنع إقامة دولة فلسطينية. إن ربط مستقبل غزة أو إحياء العملية السياسية بـ "إصلاح" سلطة خاوية مُفرغة من محتواها هو خيال سياسي محض. لن تستأنف السلطة الفلسطينية السيطرة على غزة إلا عندما تُجبر إسرائيل من قبل المجتمع الدولي على قبول ذلك أو تقرر هي بنفسها أن ذلك يصب في مصلحتها الاستراتيجية، ولن يحدث أي من ذلك إلا عندما يستعيد الطرف الفلسطيني القدرة على المبادرة. وحتى ذلك الحين، ستبقى الأجندة الدولية ملتزمة بقضية وهمية إسمها إصلاح السلطة الفلسطينية، مما يضمن استمرار دوامة الصراع بلا هوادة.

Arabic

The demand for a comprehensive "reform" of the Palestinian Authority (PA) has been a central and recurring theme in every major diplomatic statement issued since the October 7, 2023, attack. The question of reforming the PA, a low international priority since the Second Intifada, has been thrust to the very heart of all discussions about the "day after" the Gaza war. A sudden, broad consensus has emerged among key actors—the United States, the European Union, and major Arab states—that the PA in its pre-war form is corrupt, ineffective, and lacks the legitimacy to govern Gaza.

The primary motivation for these demands is the international community's desperate search for a viable, non-Hamas entity to assume control of the Gaza Strip. Having invested billions in the PA, Western powers are unwilling to admit the failure of their state-building project. Yet, they are equally unwilling to challenge the hardline Israeli government that is determined to prevent the PA's return. A "reformed" PA has thus become the convenient fiction, a diplomatic construct designed to avoid confronting the harsh political realities on the ground.

This narrative, however, obscures a deeper truth. Long before the international community rediscovered the language of reform, the Palestinian public and its civil society had been demanding fundamental changes to a political system they viewed as illegitimate and unaccountable. While the PA leadership has consistently ignored these domestic demands, it has shown a remarkable willingness to concede to those made by the US and its allies.

Why is the international community raising the reform banner now, and why has the PA president been so quick to comply? More importantly, are the reforms being demanded consistent with those sought by the Palestinian people? This policy Brief addresses these questions, arguing that the current international reform agenda fundamentally misunderstands the crisis of Palestinian governance and that prioritizing genuine, Palestinian-led democratic renewal is the only viable path forward.

 

1. The Road to Reform: From Internal Aspiration to International Prerequisite

The international demand for PA reform is not a new phenomenon, but its character has been completely transformed. Its roots can be traced to the Second Intifada, when a 2002 reform effort, backed by popular Palestinian demand for accountability, led to the creation of the prime minister's office to weaken Yasser Arafat's presidency which until then refused parliamentary oversight. The key difference, however, lies in the driver: while those early efforts were animated by a Palestinian desire for better governance, the post-2023 push has been overwhelmingly defined by external actors.

Following the Gaza war, the U.S. consistently framed the creation of a "revitalized and reformed Palestinian Authority" as the sole pathway for its return to Gaza and for any future political settlement. This position was quickly endorsed by Western allies, with the G7 meeting in April 2024 linking "indispensable reforms" to the PA’s ability to govern a unified West Bank and Gaza as part of a viable two-state solution.

Facing immense pressure and political isolation, PA President Mahmoud Abbas signaled his acquiescence. In a pivotal letter to French President Macron and Saudi Crown Prince Mohammed Bin Salman in June 2025, Abbas condemned Hamas, endorsed its disarmament, and pledged to hold elections within a year. This capitulation set the stage for a series of international declarations that codified the external reform agenda. The New York Declaration of July 2025 and the Co-Chairs' Statement from the International Conference in September 2025 both welcomed Abbas's commitments, specifically praising reforms already underway, including the abrogation of the prisoners' payment system and curriculum revisions under EU supervision.

By November 2025, this dynamic had devolved into a spectacle of compliance. During a visit to Paris, Abbas affirmed his commitment to excluding from future elections any factions not aligned with the PLO's political platform, effectively barring Hamas. In a move reminiscent of the colonial era, he and Macron even announced a joint committee to draft a future Palestinian constitution. These theatrical gestures demonstrated the extent to which a weakened PA was willing to go to ensure its own survival.

This international consensus was cemented in UN Security Council Resolution 2803 (November 2025). The resolution explicitly stated that a "credible pathway to Palestinian self-determination" was conditional upon the PA "faithfully" completing its reform program, as defined by external frameworks like the Trump Peace Plan. Thus, by the end of 2025, the concept of reform had been completely transformed: what began as a Palestinian demand for democratic accountability had become an externally managed litmus test for Palestinian national aspirations. Freedom was no longer an inalienable right but a privilege to be earned by meeting American and European conditions.

 

2. Three Agendas for Reform: Competing Visions for the PA

The push to reform the PA has intensified, but the term "reform" itself has become a contested space, representing three distinct and often conflicting agendas: the security-first framework demanded by the United States and Israel, the governance-focused model preferred by European and Arab states, and the legitimacy-driven aspirations of the Palestinian public.

The first agenda, driven primarily by the United States and Israel, is fundamentally a security-oriented project aimed at transforming the PA into a more effective counter-terrorism partner. This framework prioritizes the creation of a "revitalized" PA that can prevent Gaza from ever again becoming a platform for attacks. Its core demands are highly controversial among Palestinians and include halting all payments to the families of prisoners and martyrs, which it frames as ending "incitement"; revising the school curriculum to remove anti-Israel content; and demanding the PA adopt an exclusionary stance toward Hamas. In essence, it envisions a PA that aligns its security and foreign policy with Israeli and U.S. interests.

The second agenda, championed by the European Union and key Arab states like Saudi Arabia and the UAE, overlaps with the American model but places a stronger emphasis on good governance and institutional capacity. As the primary funders of the PA and future reconstruction, these actors demand a technocratic government of independent experts, robust anti-corruption measures, and fiscal transparency. While they support security reform, their motivation is to build a credible, functioning, and "viable" Palestinian state that can be a stable partner in a future two-state solution. Their demands for a strong prime minister and financial accountability coincide with some Palestinian desires, but their agenda is ultimately a top-down, state-building project designed to create a predictable and responsible governing entity.

The third and most fundamental agenda is that of the Palestinian public and civil society. This vision is driven not by security or technocracy but by the urgent need for political legitimacy and national unity. As extensive polling shows, the overwhelming public priority is the reunification of the Palestinian territories and reconciliation between Fatah and Hamas and the holding of free and inclusive presidential and legislative elections. Palestinians demand the restoration of the rule of law, the independence of the judiciary, and the creation of accountable institutions, beginning with an empowered parliament that can hold the executive branch in check. For the Palestinian public, reform is not about creating a more efficient security subcontractor for the occupation or a more transparent recipient of foreign aid; it is about rebuilding a fractured national movement and restoring a political system that represents the will of the people. This vision often stands in direct opposition to the exclusionary and security-focused demands of the international community.

 

3. Palestinian Perspectives: A Consensus on Internal Priorities

A series of interviews with five prominent Palestinian figures reveals a powerful consensus on the nature of reform, highlighting the deep chasm between externally imposed dictates and genuine internal needs. The speakers—George Giacaman, a political science professor and public intellectual at Muwatin and Birzeit University; Khalil Shaheen, a veteran political analyst and director of research at Masarat; Shawan Jabarin, a leading human rights defender and director of Al-Haq; Ammar Dweik, director of the Independent Commission for Human Rights; and Qaddura Fares, a former minister and the former head of the Palestinian Prisoners' Society—unanimously agree that meaningful reform must be driven by Palestinian priorities, not foreign agendas they view as designed to manage the conflict rather than resolve it.

There is a unified rejection of key external demands, which are seen as Israeli-led initiatives adopted by the international community to undermine the Palestinian national project. The call to halt payments to prisoners and martyrs is uniformly condemned as an attempt to criminalize the national struggle. The demand to revise the educational curriculum is viewed as a direct assault on Palestinian identity and historical narrative. The external pressure to appoint a vice president is dismissed as blatant interference aimed at engineering a controlled succession rather than fostering democratic legitimacy. All interviewees stress that acquiescing to these foreign dictates without a clear and irreversible political horizon toward statehood would only weaken the PA and deepen internal divisions.

In stark contrast, the interviewees identify a clear and urgent internal reform agenda, with one demand standing as the cornerstone for all others: the holding of free and fair general elections. Described as "90% of the reform process" by Qaddura Fares, elections are seen as the only mechanism to restore popular legitimacy, reactivate oversight institutions like the parliament, and create the political will necessary to tackle other critical issues. Fighting corruption, described by Shawan Jabarin as a "pervasive system starting from the top," and ensuring the independence of the judiciary are considered vital goals, but most interviewees believe they are impossible to achieve without the accountability that only an elected legislature can provide.

Furthermore, the idea of imposing political conditions on parties participating in future elections—such as demanding they accept prior agreements like Oslo—is categorically rejected. The speakers argue that such preconditions are undemocratic, illegal under Palestinian Basic Law, and designed to exclude opposition, thereby entrenching authoritarianism. As Qaddura Fares asserts, "Any Palestinian decision must be cooked in the Palestinian, not the Israeli, kitchen." In essence, the interviews reveal a powerful consensus: genuine reform begins with elections. The current international "reform" agenda is seen not as a pathway to an independent state, but as a tool to reshape the Palestinian polity into a more compliant entity, perpetuating the status quo of occupation under a guise of technocratic improvement.

 

4. Conclusion: Is "Reforming" a Hollow PA Meaningless?

The international community is demanding reform from a Palestinian polity that has been systematically de-institutionalized. Following Hamas's takeover of Gaza in 2007 and President Abbas's subsequent consolidation of power, the PA and the PLO have been gutted of any meaningful institutional base. The Palestinian Legislative Council has been defunct for nearly two decades, the judiciary has been subordinated to the executive, and power is concentrated almost entirely in the hands of the president. The external actors making these demands are fully aware of this institutional void; in fact, it appears to be the very reason they expect automatic compliance from a leadership that cannot fall back on public or institutional support. For its own survival, the current Palestinian leadership finds it impossible to resist the encroachment of international powers.

The events of October 7 and its aftermath have only accelerated this loss of Palestinian political agency. Hamas’s gamble destroyed its own capacity to govern, while the PA’s paralysis has robbed all Palestinians of the ability to make their own decisions. The ensuing vacuum has invited regional powers to re-enter as custodians, marking a "re-Arabization" of the conflict unseen for decades. Just as the PLO did in 1993, the current leadership is willing to make deep concessions to ensure its own survival.

In this context, the calls for a "restructured, transparent, technocratically-led authority" to take charge of Gaza appear disconnected from reality. A new social contract is indeed needed, but it cannot be imposed on an empty shell. A PA devoid of institutional structures and public trust is not reformable; it is a captive of a leader who has spent a decade centralizing power. Without the legitimacy that can only be conferred by the people, none of these externally mandated reforms can be truly institutionalized. The unavoidable conclusion is that the PA must regain its institutional structure and legitimacy before it can be meaningfully reformed. This makes the holding of elections not just one priority among many, but the absolute prerequisite for any viable path forward.

Ultimately, the international focus on PA reform serves as a convenient diversion, allowing diplomats and politicians to avoid confronting the elephant in the room: Israeli policies aimed at annexing Palestinian territories and preventing the creation of a Palestinian state. Linking the future of Gaza or the revival of a political process to the "reform" of a hollowed-out PA is a political fiction. The PA will resume control over Gaza only when Israel is either compelled by the international community or decides it is in its own strategic interest. Until then, the international agenda will remain committed to a make-believe issue, ensuring that the cycle of conflict continues unabated.

English

مقدمة

في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض في 29 سبتمبر/أيلول 2025، كشف الرئيس دونالد ترامب عن خطة من 20 بندا تهدف إلى إنهاء الحرب في قطاع غزة وخلق مسار نحو تسوية إقليمية أوسع. ورغم الإشادة بها باعتبارها إنجازًا دبلوماسيًا، فقد تمت الموافقة بسرعة على مرحلتها الأولى — التي تضمن وقف إطلاق النار والإفراج عن الرهائن الإسرائيليين والأسرى الفلسطينيين — من قبل كل من إسرائيل وحماس، إلا أن هذا النجاح الأولي يخفي وراءه بنية غير مستدامة تشوبها العديد من النواقص. فخطة ترامب، رغم تحقيقها وقفًا قصير الأمد للأعمال العدائية، تفشل في معالجة الديناميكيات السياسية الجوهرية التي غذت الصراع لفترة طويلة: غياب قيادة فلسطينية شرعية وموحدة، وقضية السيادة الفلسطينية التي لم تُحل بعد، وحقائق الرأي العام المتجذرة التي صاغتها عقود من الاحتلال.

تقيّم هذه الورقة التحليلية ما تفعله الخطة، ولماذا حققت نجاحًا أوليًا، ولماذا من غير المرجح أن تكون مستدامة في شكلها الحالي، وما تتطلبه استراتيجية فلسطينية قابلة للتطبيق — خاصة للسلطة الفلسطينية. تدمج الورقة الرأي العام الفلسطيني في التحليل الحالي لتقييم قيود الجدوى والشرعية، بالاعتماد بشكل أساسي على أحدث استطلاع للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية. ترى الورقة أن خطة ترامب، على الرغم من تصميمها الطموح متعدد الأطراف، محكوم عليها بالفشل بعد مرحلتها الأولى لأنها تحاول فرض حل تكنوقراطي مُدار خارجيًا على مشكلة سياسية عميقة. فهيكلها يتجاهل الدور الفلسطيني، ويتجاوز المطلب الأساسي بتقرير المصير، ويتصادم مع مشهد رأي عام يمتاز بأزمة قيادة داخلية عميقة، ومع معارضة لا تتزعزع لنزع سلاح فصائل المقاومة دون وجود أفق سياسي قابل للتطبيق.

 

السياق: الحرب التي لا يمكن الانتصار فيها والفراغ السياسي

استمرت حرب غزة 2023-2025 لفترة أطول من أي مواجهة إسرائيلية-فلسطينية سابقة لسببين رئيسيين: عجز إسرائيل عن تحقيق هدفها المعلن المتمثل في استئصال حماس، والحافز السياسي لرئيس الوزراء نتنياهو لإطالة أمد الصراع. أولاً، فشلت الحملة العسكرية الإسرائيلية في هزيمة حماس كحركة سياسية وحركة مقاومة، رغم إلحاقها دمارًا هائلاً بالبنية التحتية والسكان في قطاع غزة. وكما أظهرت أدبيات حرب العصابات منذ فترة طويلة، لا يمكن للقوة العسكرية وحدها أن تقضي على كيان اجتماعي-سياسي متجذر بعمق. لقد دمرت إسرائيل القدرات العسكرية التقليدية لحماس، لكنها لم تستطع القضاء على قدرتها على الحكم أو على خوض حرب عصابات. وقد تجلى هذا الفشل بوضوح في ثلاثة عوامل: استمرار قدرة حماس على احتجاز الرهائن الإسرائيليين، الأمر الذي ظل أقوى أوراق ضغطها مجبرا إسرائيل على التفاوض؛ وغياب انتفاضة شعبية ضد حكم حماس، حيث استمر سكان قطاع غزة، رغم المعاناة الهائلة، في إلقاء اللوم بشكل أساسي على إسرائيل والولايات المتحدة في محنتهم؛ والفشل التام من جانب إسرائيل وحلفائها في صياغة وتنفيذ بديل حكم قابل للتطبيق لـ "اليوم التالي". فعلى مدى عامين، قاومت حكومة نتنياهو بشراسة أي خطة من شأنها تمكين السلطة الفلسطينية أو أي كيان آخر من حكم قطاع غزة، مما خلق فراغًا ضَمِن استمرار الهياكل الإدارية والاجتماعية لحماس.

ثانيًا، خدمت إطالة أمد الحرب المصالح السياسية لنتنياهو. ففي مواجهة انتقادات محلية شديدة بسبب الإخفاقات الأمنية في السابع من أكتوبر 2023 وتحديات قانونية محتملة، أصبح استمرار الحرب بلا نهاية واضحة درعًا واقيًا من المساءلة السياسية. وكان إنهاء الحرب دون إعلان "نصر كامل" — وهو هدف مستحيل — سيُنظر إليه على أنه هزيمة كارثية، مما كان سيفرض مواجهة حاسمة مع الجمهور الإسرائيلي. وحتى لحظة فرض ثمن سياسي خارجي، كان بإمكان نتنياهو إطالة أمد العمليات العسكرية دون الالتزام بتسوية سياسية أو صيغة حكم بديلة ذات مصداقية لغزة. وتُعد مبادرة ترامب أول خطة خارجية كبرى يتم فيها تبادل الرهائن والأسرى، وانسحابًا جزئيًا، مقابل وقف إطلاق نار هش. لكنها تركت "مخارج" متعددة لتجدد القتال إذا رفضت حماس نزع السلاح أو إذا اعتبرت إسرائيل أن غزة لم يتم "إزالة التطرف" منها بما فيه الكفاية.

في هذا السياق، تميز دور السلطة الفلسطينية بالسلبية والغياب. فبعد فشلها في تحقيق المصالحة الوطنية بين عامي 2008 و2021، وتهميشها بالكامل عن مشهد قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023، نُظر إلى السلطة الفلسطينية على أنها طرف غير ذي صلة، حيث لم تتخذ أي مبادرة لقيادة المفاوضات، أو تقترح نموذج حكم بديل لقطاع غزة، أو تسعى لتمثيل المصالح الفلسطينية بشأن قطاع غزة على الساحة الدولية. وقد عمق هذا التقاعس تصور الجمهور للسلطة الفلسطينية كهيئة غير فعالة وغير شرعية، مما زاد من اتساع الفراغ السياسي الذي حاولت خطة ترامب لاحقًا ملأه بجهات فاعلة خارجية.

 

تفكيك خطة ترامب: بنية من أربع مراحل

تُعد خطة ترامب إطارًا شاملاً منظمًا في ثلاث مراحل تنفيذية (مع مرحلة رابعة غير معلنة):

المرحلة الأولى (إنهاء الحرب): تشمل وقف فوري للأعمال العدائية بمجرد قبول الخطة؛ انسحاب إسرائيلي مرحلي إلى خط متفق عليه؛ تبادل شامل للرهائن والأسرى؛ توسيع وصول المساعدات الإنسانية، وإزالة الأنقاض، وفتح معبر رفح في كلا الاتجاهين؛ وتجميد خطوط القتال "حتى تتحقق الشروط اللازمة لمزيد من الانسحاب المرحلي". تحدد الخطة مستقبل قطاع غزة كـ "منطقة خالية من الإرهاب والتطرف" و"يُعاد تطويرها لصالح سكان قطاع غزة"، وتقدم لكوادر حماس خيارًا بين العفو المشروط بـ "تسليم أسلحتهم" أو الخروج الآمن.

المرحلة الثانية (الحكم الانتقالي والأمن): هذا هو القسم الأكثر طموحًا وإشكالية في الخطة. فهو يحدد هيكلية حكم مؤقت لقطاع غزة يعتمد على أربع مؤسسات رئيسية:

  • لجنة تكنوقراطية انتقالية: تتألف من "فلسطينيين مؤهلين وخبراء دوليين"، وسيكون هذا الجسم غير السياسي مسؤولاً عن الإدارة اليومية لقطاع غزة. ومن الأهمية بمكان أنه مصمم ليكون مستقلاً عن كل من حماس والسلطة الفلسطينية. ورغم بقائها خارج نطاق المساءلة والرقابة الفلسطينية، فإن اللجنة مصممة لتكون تحت إشراف "مجلس السلام".
  • قوة استقرار دولية: تتألف من قوات عربية ودولية، وتنتشر هذه القوة لتأمين المناطق الفلسطينية مع انسحاب الجيش الإسرائيلي، مع تفويض بالحفاظ على الأمن والإشراف على نزع سلاح حماس.
  • "مجلس السلام": هيئة إشراف دولية، يرأسها الرئيس ترامب وتضم شخصيات مثل توني بلير، ومكلفة بوضع إطار لإعادة الإعمار والإشراف على اللجنة التكنوقراطية الانتقالية وذلك لفترة زمنية غير محددة بانتظار قيام السلطة الفلسطينية بتنفيذ برنامج محدد للإصلاح.
  • إعادة الإعمار: رغم عدم تحديد هيئة أو آلية بشكل صريح، فإن الخطة تفترض الحاجة لجهد هائل لإعادة الإعمار يموله ويشرف عليه المجتمع الدولي عبر "مجلس السلام".

المرحلة الثالثة (أفق سياسي):
تمتاز هذه المرحلة بالغموض بشكل متعمد، حيث تدعو إلى بدء "حوار بين إسرائيل والفلسطينيين للاتفاق على أفق سياسي لتعايش سلمي ومزدهر". تتجنب هذه اللغة المخففة الإشارة المباشرة إلى حل الدولتين، أو القانون الدولي، أو المعايير الراسخة مثل حدود 1967، مما يترك جوهرها مفتوحًا بالكامل للتفاوض المستقبلي.

المرحلة الرابعة (التكامل والتطبيع الإقليمي):
رغم أنها ليست جزءًا رسميًا من وثيقة الـ 20 نقطة، فقد ربط الرئيس ترامب الخطة باستمرار برؤية أوسع لـما أسماه "سلام الشرق الأوسط"، تتمحور حول تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية الرئيسية، ولا سيما المملكة العربية السعودية. تمثل هذه المرحلة الجائزة الاستراتيجية للولايات المتحدة وإسرائيل، لكنها مصدر شكوك عميقة لدى الفلسطينيين، الذين يخشون أن تمضي قدمًا حتى دون إقامة دولتهم.

 

لماذا نجحت المرحلة الأولى؟ ولماذا تبدو الخطة قوية على الورق؟

هناك نقطتا قوة تفسران نجاح المرحلة الأولى. أولاً، تبني الرئيس الأمريكي للخطة. فقد كانت بصمة ترامب الشخصية بمثابة إشارة لإسرائيل بأن واشنطن ستستثمر رأس مال سياسي كبير لتحقيق صفقة وقف إطلاق النار والإفراج عن الرهائن؛ وللدوحة والقاهرة وأنقرة بأن الولايات المتحدة تقدر وتحترم نفوذ وساطتهما؛ ولحماس بأنه يمكن ضمان نتيجة المفاوضات. ثانيًا، تمتاز الخطة بتعددية الأطراف بشكل صريح. فهي تدعو قطر ومصر وتركيا وغيرها لضمان الامتثال من حماس، وإلزامها بالإفراج عن الرهائن، والمساعدة في احتضان وحماية ترتيبات ما بعد الحرب في قطاع غزة بما في ذلك نزع السلاح. فبعد عامين سعت فيهما الأطراف الإقليمية إلى استخدام نفوذها ولكن دون مخطط متكامل، قامت خطة ترامب بزيادة الحوافز وتقليل المخاطر.
من حيث المضمون، عالجت المرحلة الأولى أيضًا ثلاثة شروط ضرورية للتهدئة: (أ) تبادل ناجح للرهائن والأسرى؛ (ب) إجراءات واضحة لدخول المساعدات الإنسانية وامكانيات الوصول إليها؛ و(ج) خط انسحاب يقلل من الاحتكاك اليومي. وبهذه المقاييس، حققت أكثر من أي مبادرة أمريكية سابقة منذ أكتوبر 2023.

 

نقاط ضعف في التصميم تهدد الاستدامة

مع ذلك، فإن بنية الخطة ليست خريطة طريق قادرة على إحداث نتيجة دائمة. فهناك العديد من العيوب الحادة في التصميم:

  1. فراغ شرعية فلسطينية مقصود في التصميم: أولاً، إن نموذج الحكم في الخطة هو شكل من أشكال الاستعمار الجديد. فاللجنة التكنوقراطية الانتقالية "غير تابعة للسلطة الفلسطينية أو حماس" بشكل صريح، وتشرف عليها هيئة أجنبية الرئاسة. ومهما كان الدافع حكيمًا لعزل الإدارة اليومية لقطاع غزة عن الاستقطاب الفصائلي، فإن المظهر العام وهيكل السلطة يشبهان الانتداب — أي "سلطة استعمارية جديدة"، كما حذر النقاد بالفعل في قطاع غزة والضفة الغربية. هذه الهيكلية تحرم الفلسطينيين من لعب دور فاعل، وسيكون مصيرها الرفض من قبل الجمهور باعتباره نظامًا تابعا أو حتى عميلاً. ولن يتمكن أي تكنوقراطي فلسطيني، مهما كانت كفاءته، من اكتساب الشرعية وهو يقدم تقاريره إلى مجلس أجنبي غير منتخب. وبدون مسار للانتخابات أو توافق وطني تفاوضي على تشكيل اللجنة، من غير المرجح أن تحظى الهيئة بشرعية شعبية، وستتعرض للهجوم من قبل كل من السلطة الفلسطينية وحماس.
  2. الغموض بشأن الدولة: يجعل الغموض المتعمد للأفق السياسي الإطار بأكمله أجوفا. فبدون مسار واضح وموثوق نحو دولة فلسطينية ذات سيادة على أساس القانون الدولي، لا يوجد حافز للفصائل الفلسطينية لتسليم أسلحتها أو للجمهور لمنح الشرعية للعملية الانتقالية. إن الخوف من أن خطة ترامب هي ببساطة نسخة منقحة من "صفقة القرن" لعام 2020 — التي رفضها الفلسطينيون رفضًا قاطعًا — يسمم أي احتمال لقبول سياسي حقيقي. لقد "تفهم" ترامب علنًا تحفظات إسرائيل بشأن الدولة الفلسطينية. وإذا تم اختزال الدولة إلى طموح طويل الأجل دون معايير محددة (مثل حدود 1967، القدس الشرقية، المستوطنات، الترتيبات الأمنية)، فإن حماس ستكتسب دعمًا شعبيًا للاحتفاظ بأسلحتها، ولن يكون لدى إسرائيل حافز لإتمام الانسحاب، وسيفقد التطبيع العربي مرتكزه الفلسطيني. إن قتل أفق سياسي واضح للوضع النهائي هو ما أدى إلى توقف أوسلو؛ وسيفعل الشيء نفسه هنا.
  3. تسلسل غير واقعي للحكم والأمن: تبدأ المرحلة الأولى للخطة قبل نشر هيكل حكم بديل، مما يخلق ظروفًا مثالية لحماس لتعزيز سيطرتها على سكان قطاع غزة. علاوة على ذلك، فهي تنشر قوة الاستقرار الدولية قبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل، جنبًا إلى جنب مع بقايا قوات حماس والشرطة الفلسطينية المعاد تشكيلها التابعة للجنة المهنية. إن وجود أربعة أطراف مسلحة تعمل في وقت واحد في تضاريس حضرية كثيفة يخلق مخاطر لا تطاق. ولن توافق أي قوة عربية أو دولية ذات مصداقية على نزع سلاح حماس في أتون صراع مفتوح؛ وستصر الدول المشاركة على خطوط انسحاب إسرائيلي كامل، وتفويض واضح، ومهمة محددة زمنيًا، وقواعد اشتباك، وغطاء سياسي من سلطة فلسطينية شرعية.
  4. لا جداول زمنية بعد الرهائن: باستثناء التحديد الزمني للإفراج عن الرهائن البالغة 72 ساعة، تفتقر الخطة إلى تواريخ لإتمام الانسحاب المرحلي، أو مدة ولاية اللجنة المهنية، أو مدة نشر قوة الاستقرار الدولية، أو موعد انتهاء عمل مجلس السلام. إن تغييب التحديد الزمني يفتح الباب أمام تكتيكات الأطراف المعرقلة والمناورات السياسية الداخلية.
  5. فخ التنفيذ الجزئي. تسمح الخطة صراحةً بالمضي قدمًا في أجزاء منها "في المناطق الخالية من الإرهاب التي تم تسليمها من الجيش الإسرائيلي إلى قوة الاستقرار الدولية" وذلك في حالة "أخرت حماس أو رفضت" بعض الشروط (مثل نزع السلاح). وهذا يخلق مناطق حكم مجزأة، وتشتيتًا للمساءلة، وحوافز لكل من حماس وإسرائيل للقيام بانتهاكات أو استفزازات منخفضة المستوى.

ماذا يعتقد الفلسطينيون: قيود الرأي العام

يتصادم تصميم خطة ترامب ذي المراحل بشكل حاد مع حقائق الرأي العام الفلسطيني. ويكشف استطلاع للرأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في الأسبوع الأخير من أكتوبر/تشرين الأول 2025 عن جمهور منقسم بشكل عميق، ومتشكك، وجسور، وتتجاهل الخطة أولوياته وخطوطه الحمراء إلى حد كبير. علاوة على ذلك، يكشف الاستطلاع عن غموض شديد يكتنف قدرة الخطة على البقاء على المدى الطويل، إذ لا تعتقد أغلبية ساحقة (70%) أنها ستؤدي إلى دولة فلسطينية مستقلة في غضون خمس سنوات، ويشك 62% في أنها ستنهي الحرب بشكل دائم، ويخشى ما يقرب من نصف الفلسطينيين (49%) أنها ستمهد الطريق للتطبيع العربي-الإسرائيلي دون حل القضية الفلسطينية. إن انعدام الثقة العميق هذا هو نتيجة مباشرة للأفق السياسي الغامض للخطة وفشلها في توطيد بنودها في القانون الدولي أو الاتفاقات السابقة.


فيما يلي أبرز مواضيع الاستطلاع ذات الصلة:
الوعي، والتأطير، والدعم العام: سمع 71% بالخطة. وعندما تُعرض بنودها كما تراها الأطراف العربية والإسلامية — إنهاء الحرب، وتبادل الرهائن والأسرى، ووقف التهجير القسري، وتوسيع إيصال المساعدات، والانسحاب الإسرائيلي المرحلي، ونزع سلاح حماس، وإصلاح السلطة الفلسطينية، وبدء عملية سياسية نحو قيام دولة فلسطينية — ينقسم الفلسطينيون بالتساوي تقريبًا (47% تأييد، 49% معارضة). يخفي هذا الانقسام تباينًا بين المنطقتين: ما يقرب من 60% من سكان قطاع غزة يؤيدون الخطة في هذا التأطير، بينما يعارضها ما يقرب من 60% من سكان الضفة الغربية. يزداد الدعم للخطة بين من هم على علم بها (حوالي 50%) مقارنة بمن لا يعلمون بها (حوالي 40%).


استمرارية وقف إطلاق النار وآفاق الدولة: تشك أغلبية قوية (62%) في أن الخطة ستنهي حرب غزة "بشكل نهائي"، ولا تعتقد أغلبية أكبر (حوالي 70%) أنها ستؤدي إلى دولة فلسطينية في غضون خمس سنوات. يزداد التشاؤم وضوحًا في الضفة الغربية منه في قطاع غزة. وفي سياق تصريحات القيادة الإسرائيلية بأن الحرب ستستأنف إذا لم تتخل حماس عن سلاحها، يتوقع معظم سكان الضفة الغربية تجدد القتال قريبًا؛ بينما ينقسم سكان قطاع غزة بالتساوي تقريبا بين التفاؤل والتشاؤم.


نزع السلاح هو الخط الأحمر الأساسي: يعارض ما يقرب من 69% نزع سلاح حماس حتى "لو كان هذا شرطًا لعدم عودة الحرب إلى قطاع غزة"، حيث تبلغ المعارضة حوالي 78% في الضفة الغربية و55% في قطاع غزة. يدعم 18% فقط من سكان الضفة الغربية و44% من سكان قطاع غزة نزع السلاح في ظل هذا الشرط. إن أي تصميم يجعل نزع السلاح شرطًا فوريا لوقف إطلاق النار أو إعادة الإعمار سيواجه مقاومة شعبية شديدة — خاصة في الضفة الغربية.


حكم قطاع غزة في اليوم التالي: عند سؤالهم عن لجنة المهنيين الفلسطينيين غير التابعة للسلطة الفلسطينية أو حماس لإدارة قطاع غزة تحت مظلة دولية (كما هو منصوص عليه في الخطة)، يجد الاستطلاع معارضة من أغلبية طفيفة من كافة الجمهور تبلغ 53% مقابل نسبة تأييد تبلغ 45%، مع وجود أغلبية ضئيلة مؤيدة في قطاع غزة (51%) وأقلية مؤيدة في الضفة الغربية (41%). وعند إعادة صياغة السؤال كـ "لجنة خبراء فلسطينية تشرف على إعادة الإعمار تحت رعاية ودعم دولي"، مع حذف بندي عدم الانتماء لحماس والسلطة الفلسطينية وشرط نزع السلاح، يرتفع الدعم إلى 67% لكافة الجمهور (67% في الضفة الغربية؛ 66% في قطاع غزة). يدعم حوالي ثلث الفلسطينيين فقط السيطرة الكاملة أو المشتركة للسلطة الفلسطينية على قطاع غزة؛ وترفض النسبة الأكبر كلاً من اللجنة المهنية وعودة السلطة الفلسطينية.


القوات المسلحة: يعارض حوالي 68% دخول قوة عربية مسلحة "للحفاظ على الأمن ونزع سلاح حماس" (78% في الضفة الغربية؛ 52% في قطاع غزة). وعندما يتم إسقاط مهمة نزع السلاح وتكليف القوة بأمن الحدود والتنسيق الداخلي مع الشرطة المحلية واللجنة فقط، يرتفع دعم سكان قطاع غزة إلى 53%، بينما يصل دعم سكان الضفة الغربية إلى 43%.


توازن القوى الداخلي والقيادة والانتخابات: تتعقد محاولة الخطة لتجاوز اللاعبين السياسيين الحاليين بسبب وجود أزمة قيادة داخلية عميقة. فالسلطة الفلسطينية، الكيان الذي تهدف الخطة نظريًا إلى إصلاحه وتمكينه في نهاية المطاف، تعاني من نقص كارثي في الشرعية. كما أن تقييم الجمهور للسلطة الفلسطينية سلبي للغاية: يرى حوالي 80% فسادًا في مؤسسات السلطة؛ وتعتبر الأغلبية السلطة عبئًا على الشعب الفلسطيني (56%) وتريد الأغلبية الساحقة استقالة الرئيس عباس (80%). وقد دفع هذا الفراغ القيادي لبروز بديلين للسلطة الفلسطينية في الوجدان الشعبي:

الأول هو مروان البرغوثي. فالقيادي الفتحاوي الأسير يبرز باستمرار باعتباره الشخصية السياسية الأكثر شعبية. وفي انتخابات رئاسية افتراضية ثلاثية، سيفوز البرغوثي بشكل حاسم بنسبة 49% من الأصوات، مقارنة بـ 36% لخالد مشعل من حماس و13% فقط لعباس. وفي سباق ثنائي ضد مشعل، يرتفع دعم البرغوثي إلى 58%. ينظر الجمهور الفلسطيني له على أنه شخصية وحدوية قادرة على تقليص الفجوات بين فتح وحماس وتجسيد  قيم المقاومة والمسار السياسي معا.
الثاني هو حماس. تفوقت هذه الحركة باستمرار خلال العامين الماضيين على فتح في استطلاعات الرأي.  اليوم يتعاطف 35% من الجمهور مع حماس مقارنة بـ 24% مع فتح. وفي انتخابات تشريعية افتراضية، تفوز حماس بنسبة 44% من الأصوات مقابل 30% لفتح. وبينما تراجع الدعم الشعبي لهجوم السابع من أكتوبر عن ذروته ببطء، فإنه لا يزال رأي الأغلبية (53%). كما يفوق رضا الجمهور عن أداء حماس خلال الحرب، الذي يبلغ 60%، بكثير رضاه عن الرئيس عباس (21%). وهذا يوضح أنه بالنسبة لجزء كبير من الجمهور، تمثل حماس ممثلا أكثر فعالية وشرعية للمقاومة الوطنية من قيادة السلطة الفلسطينية الحالية. وعند سؤالهم من "يستحق" القيادة اليوم، يختار 41% حماس، و22% يختارون فتح بقيادة عباس، و31% يقولون لا هذا ولا ذاك.

من الضروري الإشارة الى أن ثلثي الفلسطينيين على الأقل يريدون إجراء انتخابات عامة في غضون عام من وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لكن 60% يشككون في نية السلطة الفلسطينية إجرائها ويتوقعون عدم حدوثها؛ وترفض الأغلبية الشرط المسبق الذي وضعه الرئيس عباس بأن يقبل المرشحون التزامات منظمة التحرير الفلسطينية، بما في ذلك الاتفاقات مع إسرائيل. وبشأن التصويت في القدس الشرقية إذا منعت إسرائيل الترتيبات المتفق عليها في اتفاق أوسلو، يفضل الجمهور التصويت عبر الإنترنت (41%)، أو التصويت في الأماكن المقدسة (31%)، أو نقل الناخبين بالحافلات إلى مناطق السلطة الفلسطينية للتصويت فيها (22%).


الموقف من الحرب على قطاع غزة: لا تزال أغلبية متناقصة (حوالي 53%) تقول إن قرار حماس بشن هجوم السابع من أكتوبر كان "صحيحًا"، مع دعم أقل في قطاع غزة (44%) منه في الضفة الغربية (59%)؛ وقد انخفضت توقعات فوز حماس في الحرب إلى 39% على الصعيد الوطني، حيث يتوقع 27% فقط من سكان قطاع غزة فوز حماس ويتوقع 29% فوز إسرائيل (6% فقط في الضفة الغربية يتوقعون فوزًا إسرائيليًا). اما المؤشرات الإنسانية في قطاع غزة فقاتمة ولكنها تظهر بعض التحسن في الحصول على الغذاء اليومي؛ حوالي 72% يفيدون بمقتل أو إصابة فرد من أفراد أسرهم. وتُنسب المسؤولية عن معاناة سكان قطاع غزة في المقام الأول إلى إسرائيل والولايات المتحدة؛ وأقلية تلوم حماس أو السلطة الفلسطينية. أما مستويات الرضا خلال الحرب فتميل بقوة لصالح حماس (60% بشكل عام) مقابل 30% لفتح، و29% للسلطة الفلسطينية، و21% لعباس. إقليميًا، يسجل الحوثيون وقطر وحزب الله أعلى درجات الرضا؛ ودوليًا، تتفوق الصين وبدرجة أقل روسيا وإسبانيا على الولايات المتحدة.
النتيجة واضحة: إذا تطلب تنفيذ خطة ترامب نزع سلاح حماس على المدى القصير، أو تولي السلطة الفلسطينية، أو قوة أجنبية مسلحة، فإن الخطة ستفتقر إلى الشرعية الفلسطينية وستواجه مقاومة، خاصة في الضفة الغربية. اما إذا تركز التنفيذ في إعادة الإعمار وإدارة الحكم من قبل مهنيين فلسطينيين مستقلين، ومسار مؤكد للانتخابات ولقيام الدولة، فإن لها قاعدة شعبية حاضنة، خاصة في قطاع غزة.

 

ما الذي يمكن أن يجعل الخطة قابلة للحياة؟

لكي تصبح خطة ترامب قابلة للحياة فإنها تحتاج لما هو أكثر من الدعم الشخصي من الرئيس الأمريكي، رغم أهميته الكبرى، ولما هو أكثر من التوافق بل والإجماع الإقليمي حولها. لتكون قابلة للاستدامة فإنها تحتاج لنهج قادر على تنظيم الحوافز، وتوضيح الغايات النهائية، وترسيخ الشرعية الفلسطينية في كل مرحلة:

  1. فصل وقف إطلاق النار الفوري وإعادة الإعمار عن التنازلات السياسية التي لا رجعة فيها: يجب أن يكون نزع السلاح على مراحل — بشكل يتم التحقق منه، تدريجيًا، ومرتبطًا بمكاسب ملموسة ومحددة زمنيًا: انسحاب إسرائيلي كامل إلى خطوط معلنة؛ حرية الحركة؛ ومراحل إعادة الإعمار.
  2. إرساء شرعية اللجنة المهنية الانتقالية في الشرعية الفلسطينية: يمكن للجنة أن تنجح إذا (أ) تم اختيار أعضائها من خلال عملية تشاورية فلسطينية شاملة (فصائل، مستقلون، نقابات، بلديات، لجان مخيمات، منظمات نسائية وشبابية)؛ (ب) أن يكون لها تفويض واضح لمدة 18-24 شهرًا؛ و(ج) أن يتم إقرانها بالتزام صارم بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في تلك الفترة، مع ضمانات بإيحاد آليات للتصويت في القدس الشرقية أيدها الجمهور بالفعل (مثل الإنترنت/الأماكن المقدسة/الحافلات). ويجب أن يضم مجلس السلام شخصيات فلسطينية ذات مصداقية عالية وأن يوضع له تاريخ انتهاء مرتبط بتحقيق معايير إصلاح السلطة الفلسطينية، وذلك بديلا عن إشراف مفتوح.
  3. تحديد الأفق السياسي الآن: يجب توضيح "الأفق السياسي" على أنه قيام دولتين على خطوط 1967 مع تبادل أراضي متفق عليه، وبه تكون القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين، بما يتماشى مع القانون الدولي والمعايير المتفق عليها سابقا. فالغموض يفتح الباب أمام المعرقلين؛ والوضوح يقيدهم. وبدون هذا، سيُنظر إلى نزع السلاح على أنه استسلام؛ ومعه، يمكن عرض التسريح ونزع السلاح كجزء من استراتيجية وطنية.
  4. تحديد جداول زمنية وآليات تحقق صارمة: يتطلب كل إنجاز أساسي تواريخ ومعايير ومراقبة من طرف ثالث، بما يشمل مراحل الانسحاب الإسرائيلي، ونشر وانسحاب قوة الاستقرار الدولية، وتفويض وخلافة اللجنة المهنية، ومراحل إعادة الإعمار. ويمكن تشكيل لجنة تنفيذ مشتركة — تضم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ومصر وقطر وتركيا وسلطة فلسطينية ذات شرعية ومصداقية — أن تنشر تقارير امتثال شهرية.
  5. إزالة المخاطر من المسار الأمني: لا ينبغي نشر أي قوة استقرار دولية حتى تخلي القوات النظامية الإسرائيلية المناطق التي ستعمل فيها. ويجب أن تستبعد قواعد اشتباك قوة الاستقرار الدولية غارات نزع السلاح؛ ويجب أن تقود الشرطة الفلسطينية المدققة والمدربة والمراقبة دوليًا الأمن الداخلي. ويمكن أن تكون مهام أمن الحدود ومكافحة التهريب مهام مشتركة لقوة الاستقرار الدولية ومصر وقوة حدود فلسطينية يتم تشكيلها. ويمكن معالجة المخاوف الأمنية لإسرائيل من خلال الاستشعار عن بعد، والممرات منزوعة السلاح، وآليات الاتصال — وليس عمليات إعادة الدخول غير المحددة.
  6. دمج الحوافز الإقليمية دون جعل الدولة رهينة للتطبيع: ستستثمر الدول العربية والإسلامية وتساعد في استقرار قطاع غزة إذا كان هناك مسار حقيقي للدولة الفلسطينية مؤكد وقريب الأجل. أما إذا تم فصل التطبيع عن التقدم في المسار الفلسطيني، فإن الخطة تفقد نفوذها على إسرائيل ومصداقيتها مع الفلسطينيين.

 

ما الذي يجب على السلطة الفلسطينية فعله؟

تواجه السلطة الفلسطينية أزمة شرعية ولكنها أيضا أمام فرصة. يظهر المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية استياءً شعبيًا ساحقًا من الرئيس عباس، وانطباعات عن فساد متجذر، وتفضيلًا واسعًا للانتخابات التي تشمل جميع الفصائل، بما في ذلك حماس. يجب أن تكون الأهداف الاستراتيجية للسلطة الفلسطينية ثلاثية:

  1. جعل وقف إطلاق النار دائمًا: يجب على السلطة الفلسطينية أن تعمل مع حماس ومع الأطراف الإقليمية على التمسك بتسلسل "وقف إطلاق النار أولاً، ونزع السلاح لاحقًا"، وأن تعارض علنًا أي شرط لنزع السلاح كشرط مسبق لإعادة الإعمار (بما يتفق مع الرأي العام)، وأن تقترح آلية امتثال قوية تحمل جميع الأطراف المسؤولية. ويجب أن تدعم دور قوة الاستقرار الدولية في أمن الحدود (الذي يقبله سكان قطاع غزة بفارق ضئيل) وأن تعارض قوة مسلحة مكلفة بنزع السلاح الداخلي (الذي ترفضه الأغلبية).
  2. إعادة بناء الشرعية من خلال الشمولية والإصلاحات: يجب على السلطة الفلسطينية (أ) أن تعلن وتبدأ أجندة محددة زمنيًا لمكافحة الفساد وتقديم كفء للخدمات مع إشراف مستقل؛ (ب) أن تلتزم علنًا بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في غضون 12-18 شهرًا من استقرار وقف إطلاق النار، وتقبل ترتيبات تصويت بديلة للقدس الشرقية، وتتخلى عن الشروط المسبقة التي تتطلب من المرشحين قبول التزامات منظمة التحرير الفلسطينية السابقة (التي يعارضها معظم الفلسطينيين)؛ (ج) أن تتفاوض على ترتيب انتقالي تكون فيه اللجنة المهنية الانتقالية فلسطينية مختارة ومسؤولة أمام مجلس وطني واسع من الفصائل والمستقلين، مع وجود السلطة الفلسطينية في دور تنسيقي لا قيادي (وهو ما يفضله سكان قطاع غزة، ويعارضه معظم سكان الضفة الغربية ولكن يمكن تحسينه بخطوات شرعية).
  3. استخدام الخطة كمنصة لإعادة إطلاق مفاوضات الوضع النهائي: يجب على السلطة الفلسطينية أن تصر على تحديد المرحلة الثالثة الآن وأن تربط جميع مراحل نزع السلاح في المرحلة الثانية بالتقدم في قضايا الحدود والقدس والمستوطنات والأمن والاعتراف المتبادل. ويجب أن تحشد الشركاء العرب والإسلاميين لربط خطوات التطبيع الرئيسية بتحرك ملموس نحو الدولة.

لن تصلح هذه الخطوات الشروخ العميقة القائمة بطريقة سحرية. لكنها ستوائم سياسة السلطة الفلسطينية مع تفضيلات الجمهور، وتمنح الفلسطينيين فاعلية في حوكمة اليوم التالي، وتزيد من التكلفة على أي طرف — إسرائيلي أو فلسطيني — في إعادة إشعال الحرب.

 

خاتمة

نجحت خطة ترامب في وقف النزيف، لكنها لا تقدم علاجًا للمرض الكامن. فقد حققت الخطة ما لم تستطع سنتان من الاستنزاف تحقيقه: وقف إطلاق النار، وتبادل الرهائن/الأسرى، وانسحاب جزئي. وقد فعلت ذلك من خلال التركيز على المكونات الدنيا للتهدئة والاستفادة من الوساطة الإقليمية. ومع ذلك، فإن استدامتها تقوضها ثلاثة إخفاقات في التصميم: بنية حكم خارجية تهمش الشرعية الفلسطينية؛ أفق سياسي غامض يطمس معالم الدولة؛ ومفهوم أمني يخاطر بوضع قوة دولية في مواجهة لاعبين مسلحين قائمين قبل أن تتغير الظروف السياسية.

إن الرأي العام الفلسطيني، كما وثقه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، لا لبس فيه بشأن القيود: رفض نزع السلاح كشرط مسبق؛ التشكيك في عودة بقيادة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة؛ الانفتاح — خاصة في قطاع غزة — على إعادة الإعمار بقيادة لجنة مهنية تحت رعاية دولية؛ ومطلب قوي بإجراء انتخابات وإصلاحات لمكافحة الفساد. وإذا كان للخطة أن تنتقل من التهدئة إلى السلام، فيجب إعادة معايرتها وفقًا لهذه الحقائق.

بالنسبة للسلطة الفلسطينية، تمثل اللحظة الحالية خطرًا وفرصة في آن واحد. فالإذعان ببساطة لإطار الخطة يعني تأكيد عدم أهميتها والتواطؤ في إنشاء كيان مُدار خارجيًا في قطاع غزة، مما يضفي الطابع الرسمي على الانقسام الذي طالما ادعت معارضته. ويتطلب المسار الأكثر استراتيجية رفض المنطق الاستعماري للخطة والدفاع عن بديل يرتكز على الشرعية الوطنية. ويجب أن يكون الهدف الأساسي للسلطة الفلسطينية هو الإصرار على إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية فورية في جميع أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة وتسهيلها. هذه هي الآلية الوحيدة التي يمكن أن تنتج قيادة جديدة شرعية — سواء بقيادة البرغوثي أو ائتلاف من قوى متعددة — تتمتع بتفويض شعبي للتفاوض باسم الشعب الفلسطيني. ويمكن لهذه القيادة بعد ذلك تشكيل حكومة وحدة وطنية للإشراف على إعادة الإعمار في قطاع غزة، لتحل محل اللجنة المهنية الانتقالية المفروضة من الخارج بهيئة فلسطينية أصيلة. ويمكنها أيضًا التفاوض على شروط وجود دولي، ودعوة قوات دولية ليس كمحتلين أو لنزع السلاح، ولكن كشركاء في تحقيق الاستقرار تحت السيادة الفلسطينية.

تتعامل خطة ترامب مع أزمة القيادة الفلسطينية كعقبة يجب تجاوزها. في الواقع، إن حل هذه الأزمة هو شرط مسبق لأي سلام مستدام. ويجب على المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة، التخلي عن وهم فرض حل، وبدلاً من ذلك استثمار رأسماله الدبلوماسي في تمكين الفلسطينيين من اختيار ممثليهم. فالقيادة التي تتمتع بثقة شعبها هي وحدها القادرة على تقديم التنازلات الصعبة اللازمة لسلام دائم، ومعالجة الأزمتين المزدوجتين: الاحتلال الإسرائيلي والشرعية الداخلية اللتين لا تزالان تعصفان بالشعب الفلسطيني.

في غياب هذه التصحيحات، ستكرر خطة ترامب منطق الجهود السابقة: تنفيذ جزئي، وعنف متجدد، ودورة أخرى من دورات غزة المأساوية.

Arabic

 

 

 

يواجه الشعب الفلسطيني واحدا من أصعب التحديات التي واجهها منذ احتلال الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967. وبالنظر إلى الهدفين المعلنين لإسرائيل في غزوها الحالي لقطاع غزة، وهما تدمير قدرات حماس العسكرية ومنع عودتها إلى الحكم، فإن إعادة احتلال أجزاء من قطاع غزة أو قطاع غزة بأكمله أمر لا مفر منه. إن التخفيف الصريح أو الضمني لأهداف إسرائيل، وهو أمر مستبعد جدا في هذا الوقت، يمكن أن يغير هذه الحتمية بشكل كبير من خلال فتح الباب، على المدى القصير، للتوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار، وعلى المدى الطويل، للتفاوض غير المباشر في المستقبل مع حماس حول ترتيبات محتملة طويلة الأجل لمستقبل قطاع غزة. إذا لم تتغير أهداف إسرائيل الحالية، فإن الحرب ستستمر لفترة طويلة وستصل الدبابات الإسرائيلية إلى جميع أنحاء قطاع غزة. ماذا سيحدث بعد ذلك؟ وماذا يجب أن يفعل الفلسطينيون وغيرهم؟

تناقش هذه الورقة التحليلية مجموعة من الأسئلة. يتعرض السؤال الأكثر إلحاحا لقدرة إسرائيل على البقاء في قطاع غزة وتوطيد احتلاله بالنظر إلى النتيجة الأكثر ترجيحا المتمثلة في مواجهته لمقاومة مسلحة على الفور. في مواجهة ذلك، هل سيبقى الجيش الإسرائيلي وإلى متى؟ وإذا بقي، فهل سيتحمل مسؤولية تقديم الخدمات المدنية للسكان أم ستقنع إسرائيل الآخرين، بما في ذلك الجهات الفاعلة الدولية والإقليمية، أو حتى السلطة الفلسطينية، بالقيام بذلك بدلا منها؟ وبديلا من ذلك، هل ستنسحب من جانب واحد مما سيخلق فراغا يتيح لجميع اللاعبين، بما في ذلك حماس، ملؤه؟ أم أنها ستنسحب، جزئيا أو كليا، كجزء من ترتيبات سياسية وأمنية جديدة؟ ما نوع الترتيبات التي ستكون قابلة للتطبيق بما يكفي لتحقيق نتيجة مستدامة؟ وفي هذا السياق، ما هو الدور الذي ينبغي أن يلعبه المجتمع الدولي ومن قد يكون الشريك الفلسطيني لإسرائيل في تحقيق هذه النتيجة؟

في غضون ذلك، ما الذي قد يحدث للسلطة الفلسطينية وسيطرتها في الضفة الغربية؟ هل ستتطور الاشتباكات المسلحة المحدودة الحالية وعنف المستوطنين في الضفة الغربية إلى اندلاع أعمال عنف واسعة النطاق؟ وإذا حدث ذلك، هل ستقف قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية جانبا، أم تنضم إلى الاشتباكات المسلحة، أم تختار بدلا من ذلك الحفاظ على خيار التنسيق الأمني؟ إذا نجت السلطة الفلسطينية من الهجوم الحالي على قطاع غزة دون الكثير من الأضرار، وإذا وضع المجتمع الدولي ترتيبات سياسية مستدامة على الطاولة في مرحلة ما في المستقبل القريب، مهما كان ذلك غير مرجح، فما المطلوب من السلطة الفلسطينية أن تفعل لجعل نفسها مقبولة لدى شعبها ولاعبا شرعيا جديا لدى الآخرين، لاعب يمكنه أن يسهم في استعادة الحكم، بما في ذلك فرض النظام والقانون، والعوة إلى قطاع غزة؟

 

خلفية:

في إطار جهودها لإنهاء الوضع المعلق والمتقلب الذي وجد قطاع غزة نفسه فيه منذ عام 2007 ولجعل القطاع أكثر استقرارا وسيطرتها عليه أكثر استدامة على المدى الطويل، شنت حماس هجوما مسلحا واسع النطاق على إسرائيل على أمل جلبها إلى طاولة المفاوضات. في حين أن حماس ربما كانت تأمل، كنتيجة لهذا الهجوم، في التفاوض مع إسرائيل على ترتيبات طويلة المدى لقطاع غزة تخلصه من الحصار والإغلاق، فإن النجاح العسكري الهائل لهجوم 7 أكتوبر، والمشاهد الواسعة النطاق للقتلى المدنيين الإسرائيليين الذي صوره مقاتلو حماس أنفسهم وأطراف أخرى، واحتجاز العديد من الرهائن المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال، خلق واقعا مختلفا تماما ربما لم تتوقعه حماس. إن المفاجأة والصدمة والغضب في إسرائيل وفي العديد من البلدان الغربية قدم للحكومة الحالية الأكثر تطرفا في تاريخ ذلك البلد التعاطف الضروري والدعم، الذي لا يرقى إليه الشك، لأهدافها المتمثلة في القضاء على حماس حتى لو كان ذلك يعني تدمير أجزاء واسعة من قطاع غزة وإلحاق نكبة ثانية بسكانه المدنيين. لقد قدم العالم الغربي لإسرائيل الدعم العسكري والسياسي والمعنوي للتسبب المتعمد بقدر هائل من المعاناة الإنسانية لسكان غزة مما أدى إلى مستوى من إراقة دماء المدنيين لم يسبق له مثيل في جميع الصراعات الفلسطينية-الإسرائيلية.

غني عن القول إن مصلحة حماس في ضمان بقائها والمستوى غير المسبوق من الدمار ومشاهد وأعداد القتلى المدنيين الفلسطينيين من النساء والأطفال ستولد التصميم والغضب الشعبي الهائل وستخلق بحرا من مطالب الانتقام حتى لو جاء بأبشع الصور. سيضمن ذلك استمرار مقاومة مسلحة شديدة وستبدو الحرب بلا نهاية. وستجد إسرائيل نفسها تعزز احتلالها يوما بعد يوم بينما تسعى إلى التوصل إلى ترتيب سياسي يسمح بتقديم الخدمات الإنسانية والخدماتية وغيرها مع الحفاظ على سيطرتها العسكرية العليا على القطاع بأكمله. ومع ذلك، لن يكون هذا الوضع قابلا للحياة لأن الخسائر الإسرائيلية ستكون في ازدياد، ومن المحتمل أن تستمر الظروف الإنسانية في التدهور على الرغم من الجهود التي تبذلها المنظمات الدولية، مثل الأونروا وغيرها. وبالنظر إلى موقف إسرائيل المعلن بأنها ستواصل إلى أجل غير مسمى السيطرة الأمنية الشاملة على قطاع غزة، سيكون من المستحيل على أي هيئة إقليمية أو دولية الموافقة على الإحلال مكان الجيش الإسرائيلي في أي جزء من الأراضي المحتلة. وبالمثل، يستحيل على السلطة الفلسطينية في هذا السياق أن تستأنف تقديم أي خدمات جوهرية، ناهيك عن القيام بأي دور في إنفاذ القانون.

 

لمن ستكون السيطرة؟

في ظل هذه الظروف، سيتعين على إسرائيل أن تقرر ما إذا كانت ستبقى أو تنسحب من القطاع أو أجزاء منه. وإذا قررت البقاء، فإنها ستتعرض لضغوط من الجماعات اليمينية المشاركة في الائتلاف الحاكم الراهن لإعادة بناء المشروع الاستيطاني السابق في غزة، وفي الوقت نفسه ستجد نفسها مضطرة إلى تقديم المزيد والمزيد من الخدمات إلى 2.3 مليون فلسطيني في بيئة يكون فيها الاقتصاد والبنية التحتية الأساسية مهدمين تماما بالإضافة إلى تدمير عشرات الآلاف من المنازل ومئات المدارس والعديد من المستشفيات. سيتعين على الجيش الإسرائيلي أن يكرس أجزاءً من قواته لإدارة الحياة المدنية، ولكن دون أن يكون قادرا على فرض النظام والقانون. في حين أنه من الصعب اليوم رؤية إمكانية إعادة بناء المستوطنات الإسرائيلية في غزة، فإن ديناميكيات السياسة الداخلية الإسرائيلية، في بيئة من الاحتلال طويل الأمد، قد تضع هذه القضية على طاولة المساومة الداخلية الحزبية.

تحت ضغط الخسائر اليومية والرغبة في تجنب وضع تضطر فيه، كقوة احتلال، إلى تقديم الخدمات للسكان المدنيين، قد تقرر الحكومة الإسرائيلية الانسحاب من معظم قطاع غزة من جانب واحد وبشكل تدريجي. إن هذه النتيجة رغم أنها مستبعدة اليوم إلى حد كبير، فإنه في ظل غياب شركاء على استعداد لقبول شروط إسرائيل لترتيبات ما بعد الحرب، قد تقرر البدء بهذا الانسحاب التدريجي على أمل ظهور مقدمي خدمات محليين أو إقليميين أو دوليين، حتى لو كان ذلك تحت المسؤولية الفعلية لحماس.  بطبيعة الحال، سوف تملأ حماس الفراغ، وعاجلا أم آجلا، لن يكون أمام إسرائيل خيار سوى التفاوض غير المباشر معها من أجل ترتيبات قصيرة أو طويلة الأجل. وغني عن القول إن التوصل إلى اتفاق صريح مع حماس هو أمر لن تتمكن أي حكومة إسرائيلية من إبرامه قريبا. ومع ذلك، فإن الميزة التي تعود على إسرائيل في مثل هذه النتيجة هي أنها تعفيها من الاضطرار إلى إعطاء إجابات على أسئلة صعبة حول مستقبل احتلالها للأراضي الفلسطينية، كما نرى أدناه.

بدون ترتيبات ضمنية مع حماس، قد تجد إسرائيل شركاء غيرها على استعداد للمشاركة في عملية تؤدي إلى ترتيبات طويلة الأجل متفق عليها. هذه النتيجة ممكنة في ظل ظروف معينة، كما نناقش أدناه. لكن من الصعب للغاية أن نرى كيف سيتبلور هذا الأمر في ظل مقاومة مسلحة تقودها حماس، ما لم يتم تنسيق هذه النتيجة مع تلك المقاومة. كذلك، من الصعب أن نرى جدوى مثل هذا الترتيب طويل الأجل إذا لم يكن جزءا من حل أكبر للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، حل ينهي أكثر من خمسة عقود من الاحتلال الإسرائيلي. على سبيل المثال، إن من سيحل محل الجيش الإسرائيلي سيرغب بالتأكيد في معرفة إجابات لثلاثة أسئلة: مصدر سلطته، والترتيبات النهائية، ومدة إقامته. لن يوافق أي من اللاعبين الدوليين أو الإقليميين على استمداد سلطتهم من قوة الاحتلال، وستجد إسرائيل صعوبة في القبول بالأمم المتحدة أو طرف ثالث كمصدر لهذه السلطة . علاوة على ذلك، من المؤكد أن الحكومة الإسرائيلية الحالية ليست مهتمة بتحديد الترتيبات النهائية، وبالتالي، ستنظر إلى الترتيبات على أنها أمر واقع والمدة غير محددة.

 

سيطرة السلطة الفلسطينية؟

إن الجهة الوحيدة التي ستوافق على تولي السيطرة على قطاع غزة دون الكثير من الخلاف حول مصدر السلطة أو مدة مهمتها هي تلك التي تدعي بالفعل السيادة أو السيطرة الرسمية، حتى لو كانت تلك السيطرة اليوم إسمية ، أي السلطة الفلسطينية. في الواقع، بخلاف حماس، ليس لإسرائيل شريك آخر إلا السلطة الفلسطينية. هناك مزايا أخرى، لجميع الأطراف المعنية، لشراكة إسرائيلية مع السلطة الفلسطينية. فهي تقدم بالفعل العديد من الخدمات لسكان غزة، وهي طرف في اتفاقات أوسلو والترتيبات الضمنية التي تم التوصل إليها في عام 2005، في أعقاب الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب من قطاع غزة، وكل هذه الأمور لا تزال سارية المفعول بشكل مثير للدهشة، حتى وإن كان إلى درجة محدودة، في تنظيم العلاقات الإسرائيلية-الفلسطينية حتى يومنا هذا.

ومع ذلك، ستصر السلطة الفلسطينية أيضا على وضوح الترتيبات النهائية، كما فعلت بالفعل.  ويتطلب هذا الشرط إحياء حل الدولتين، ووضع خطة لما يعنيه ذلك من تفاصيل، وخارطة طريق لكيفية الوصول إليه، وتجديد لمسار دبلوماسي فاعل ومفاوضات فلسطينية إسرائيلية ثنائية مباشرة. غني عن القول أن الحكومة الإسرائيلية الحالية ليست على استعداد للتفكير في مثل هذه الترتيبات النهائية. وقد يفسِر هذا الاستنتاج حقيقة عدم تقدم الولايات المتحدة، أو أي جهة دولية فاعلة أخرى، برؤية لهذه الترتيبات.

ومع ذلك، حتى لو وافقت حكومة إسرائيلية منتخبة حديثا على مناقشة مثل هذه الرؤية، فإن القيادة الحالية للسلطة الفلسطينية تفتقر إلى الشرعية في الضفة الغربية، ناهيك عن قطاع غزة. تواجه السلطة الفلسطينية بالفعل صعوبات في إدارة الضفة الغربية. لو جرت انتخابات رئاسية في اليوم الأخير قبل اندلاع حرب 7 أكتوبر بحيث تنافس فيها ثلاثة مرشحين، هم مروان البرغوثي من فتح واسماعيل هنية من حماس والرئيس محمود عباس من فتح أيضا، فإن 6٪ فقط من سكان الضفة الغربية يقولون إنهم سيصوتون للرئيس الحالي. في نفس الاستطلاع الذي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية للدورة الثامنة من الباروميتر العربي الفلسطيني خلال الأسبوع الأخير قبل بدء الحرب الحالية، طالب 85٪ من سكان الضفة الغربية باستقالة رئيس السلطة الفلسطينية.[1] وفي استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية حول تخوفات الجمهور الفلسطيني من إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية قبل وأثناء الحرب الحالية، فضل حوالي نصف سكان الضفة الغربية تشكيل مجموعات مسلحة باعتبارها الوسيلة الأكثر فعالية لحمايتهم من عنف المستوطنين. واختار حوالي الخمس فقط نشر شرطة السلطة الفلسطينية وفضل خمس آخر الحماية من الجيش الإسرائيلي.[2]  وفي الواقع، أظهر استطلاع الباروميتر المشار إليه أعلاه أن ثلثي سكان الضفة الغربية يعتقدون أن السلطة الفلسطينية تشكل عبئا على الشعب الفلسطيني. 

علاوة على ذلك، فإن الضفة الغربية تغلي ويمكن أن تندلع فيها أعمال عنف واسعة النطاق في ظل وضع تفقد فيه أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية المزيد من السيطرة على الأرض. ومع استمرار إسرائيل في إضعاف السلطة الفلسطينية سياسيا وماليا، قد يؤدي المزيد من الضغط إلى تمرد في صفوف القطاع الأمني. وقد وجد بعض الأفراد الذين تربطهم صلات عائلية بالمجموعات المسلحة في الأجزاء الشمالية من الضفة الغربية أنفسهم يقفون إلى جانب أفراد أسرهم ويتركون وظائفهم. ويمكن أن يؤدي توسع انتشار المجموعات المسلحة إلى مناطق أخرى إلى مزيد من الانقسامات داخل قوات الأمن. وبالمثل، يمكن أن يؤدي التململ الراهن داخل حركة فتح ومنظمتها الشبابية، التنظيم، إلى تطرف كبير يؤدي إلى اشتباكات مع الأجهزة الأمنية واحتمال حدوث انفجار داخلي. إن الانفجار في الضفة الغربية سيفتح جبهة عسكرية أخرى ضد إسرائيل وسيتطلب نقل القوات من جبهة غزة إلى جبهة الضفة الغربية. 

 

هل هناك طريق بديل؟

يمكن لإسرائيل والمجتمع الدولي تعزيز السلطة الفلسطينية واستباق هذه النتيجة.  وهذا يتطلب خطوات من إسرائيل. ويمكن أن يشمل ذلك إعادة الموارد المالية المصادرة والمحتجزة للسلطة الفلسطينية، ووقف إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية، ووقف التوغلات اليومية للجيش في المدن الفلسطينية، وتسهيل إعادة توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة، وتأكيد الالتزام بحل الدولتين ووقف التوسع الاستيطاني، ونقل أجزاء من المنطقة (ج) إلى سيطرة السلطة الفلسطينية، والاتفاق على استئناف المفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية للتوصل إلى اتفاق دائم. من الواضح أن إسرائيل غير راغبة في القيام بأي مما سبق لأن الحكومة الإسرائيلية الحالية تتكون من متطرفين يمينيين يسعون في الواقع إلى إضعاف السلطة الفلسطينية أكثر وأكثر من أجل فتح الباب على مصراعيه لضم أجزاء من الضفة الغربية أو كلها لإسرائيل.

وحده المجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، يمكنه، من الناحية النظرية، تحديد الخطوط العريضة للخطة المشار إليها أعلاه. وإذا كان الأمر كذلك، فينبغي لها أن تدمجها في رؤية السلام الإقليمي في سياق مبادرة السلام العربية، التي تنص على التطبيع العربي-الإسرائيلي الذي يشكل فيه السلام الفلسطيني-الإسرائيلي على أساس حل الدولتين مكونا مركزيا. تحتاج هذه الرؤية لصياغة خارطة طريق للوصول إلى هناك تأخذ بعين الاعتبار الخطوات الفورية المطلوبة المذكورة أعلاه لتقوية السلطة الفلسطينية. غني عن القول أنه لا يوجد دليل في الوقت الراهن على أن الولايات المتحدة تفكر في إجراء مثل هذا التغيير المعلن في سياستها الحالية تجاه الصراع العربي-الإسرائيلي. 

ومع ذلك، وحتى في أفضل السيناريوهات التي يقدم فيها المجتمع الدولي الرؤية وخارطة الطريق هذه وتوافق حكومة إسرائيلية جديدة، تحت ضغط من الولايات المتحدة والقوى الإقليمية الكبرى، على تعزيز السلطة الفلسطينية وإحياء حل الدولتين، فإن السلطة الفلسطينية الحالية، بسبب افتقارها إلى الشرعية والمصداقية في نظر شعبها، ليست في وضع يمكنها من أن تكون لاعبا ذي مصداقية عند أحد.  ولكن يمكن في الواقع جعلها كذلك في ظل الظروف المنصوص عليها أعلاه.

إذا نجت السلطة الفلسطينية من الهجوم الحالي على قطاع غزة دون الكثير من الأضرار، وإذا تم وضع ترتيبات سياسية جديدة مستدامة على الطاولة في مرحلة ما في المستقبل القريب، على الرغم من أن ذلك قد يكون غير مرجح أبدا، فما هو المطلوب من السلطة الفلسطينية أن تفعل لتعطي نفسها الشرعية في نظر شعبها وتحولها للاعب فاعل في نظر المنطقة والمجتمع الدولي، لاعب يمكنه أن يساعد في استعادة السيطرة والاستقرار لقطاع غزة ، بما في ذلك حفظ الأمن وفرض النظام والقانون، وتكون في الوقت ذاته بمثابة القابلة لإقامة دولة فلسطينية؟

في ظل هذه الظروف، سيجد الفلسطينيون أنفسهم في مواجهة أصعب تحديين حاليين: أولا، كيفية بلورة قيادة سياسية شرعية مقبولة من جميع الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وثانيا، كيفية إعادة توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة في نظام سياسي ديمقراطي واحد.  من نافلة القول إن القيادة الحالية للسلطة الفلسطينية خذلت الفلسطينيين في معالجة هاتين المسألتين. وبالمثل، يجب مواجهة الظروف التي أدت إلى الموجة الحالية من العنف غير المسبوق ومعالجتها. الفلسطينيون وحدهم هم القادرون على تغيير قيادتهم. وهم وحدهم القادرون على بناء نظام سياسي ديمقراطي. وهم وحدهم القادرون على بدء عملية حساب داخلية لمنع الدمار الحالي في غزة من الحدوث مرة أخرى أو من الحدوث في الضفة الغربية. الدرس المستفاد من العقود القليلة الماضية في التجربة الفلسطينية وفي المنطقة بأسرها هو أنه لا يمكن لأحد أن يفرض بنجاح تغيير النظام على الآخرين. 

إن الخطوات التي ينبغي للفلسطينيين اتخاذها في السياق الموصوف أعلاه تبدأ بدمج جميع القوى السياسية الفلسطينية في عملية سياسية رسمية، عملية تتمثل رؤيتها في بناء مؤسسات سياسية قوية وخاضعة للمساءلة، مع التمتع بالاحتكار الكامل للقوة المسلحة، أي بناء نظام سياسي ديمقراطي. وينبغي أن تسمح هذه العملية بإعادة حماس إلى العملية السياسية الرسمية للسلطة الفلسطينية مع القبول باحتكار السلطة الفلسطينية للقوة القسرية. وينبغي أن يتبع ذلك تشكيل قيادة وحكومة انتقاليتين غير سياسيتين متفق عليهما، لا يستمدان أي شرعية من رئيس السلطة الفلسطينية ولا تقدمان تقاريرهما له. في هذه الحكومة التكنوقراطية التي تمثل وجوها مقبولة من المجتمع الفلسطيني وقواه السياسية كافة، بما في ذلك حماس، يجب منح رئيس الوزراء الصلاحيات الكاملة للمنصب كما هو منصوص عليه في القانون الأساسي المعدل الحالي، في حين يجب أن تكون صلاحيات الرئيس متسقة مع القانون الأساسي المعدل نفسه ولكن بدون التدخل بعمله كرئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية، وذلك بانتظار إصلاح هذه المؤسسة المشلولة وشبه الميتة.

يجب أن تكون المهام الأكثر إلحاحا للقيادة الانتقالية هي إعادة بناء نظام سياسي فلسطيني ديمقراطي حقا. يجب إحياء القضاء كسلطة مستقلة، ويجب استعادة حرية التعبير، ويجب مساءلة الشرطة والأجهزة الأمنية المماثلة أمام رئيس الوزراء، ويجب توسيع المساحة المتاحة للمجتمع المدني بشكل كبير، ويجب تعليق جميع المراسيم بقوانين المثيرة للجدل الصادرة عن الرئيس الفلسطيني التي همشت القضاء على مدى العقد الماضي، وحلت المجلس التشريعي، وأقامت محكمة دستورية صورية، ودمرت الحريات وتعددية المجتمع المدني. وفي غضون عام، يجب أن توافق جميع المجموعات المسلحة، بما فيها تلك التابعة لحماس، على نزع سلاحها وقبول الاندماج في قطاع الأمن الفلسطيني. بعدها يجب على الفلسطينيين إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في غضون عام أو عامين بعد تشكيل القيادة الانتقالية بحيث تشارك فيها جميع الفصائل. يجب أن يكون قبول العملية الديمقراطية، والانتقال السلمي للسلطة، واحتكار السلطة الفلسطينية للقوة المسلحة هي الشروط السياسية المسبقة الوحيدة للمشاركة.

 

الخلاصة:

ليكن واضحا لنا جميعا، لن يكون ممكنا حصول أي مما سبق بدون وجود رؤية شمولية لحل الدولتين وبدون خارطة طريق تفصيلية للوصول إليها وبدون وجود مسار تفاوضي واعد بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في إطار عربي إقليمي مبني على مبادرة السلام العربية. إننا بعيدون تماما عن حصول تطور كهذا. فلا توجد قيادة إقليمية أو دولية مستعدة لتبنيه ولا يوجد شريك إسرائيلي مستعد للقبول به. قد تجد إسرائيل نفسها إذا تعود بعد قليل لتلك الترتيبات الضمنية التي كانت قائمة مع حماس في قطاع غزة قبل السابع من أكتوبر لأنها تعفيها من مواجهة الأسئلة الصعبة التي يطرحها البديل عن ذلك. وحتى اللحظة يبدو المجتمع الدولي والقيادة العربية الفاعلة متواطئة مع إسرائيل في ذلك.

 

[1] سيقوم المركز الفلسطيني قريبا بنشر نتائج هذا الاستطلاع قريبا وفي هذ الأثناء قامت أماني جمال وايكل روبنز بنشر مقتطفات من تلك النتائج هنا

Arabic

 

مقدمة:

أجريت كل من الانتخابات الرئاسية والتشريعية للسلطة الفلسطينية مرتين منذ عام 1996، وكان آخرها في عامي 2005 و2006 على التوالي. في عام 2021 أعلن الرئيس محمود عباس (الذي انتخب في عام 2005 لولاية مدتها خمس سنوات، تم تمديدها في عام 2009) أن الانتخابات الرئاسية والتشريعية ستجرى في الربيع والصيف في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية.  تم تحديد حق سكان القدس الشرقية في الانتخاب في اتفاقيات أوسلو.   لكن في نيسان/أبريل 2021، وقبل شهر واحد فقط من الموعد المقرر لتوجه الفلسطينيين إلى صناديق الاقتراع لانتخاب مجلس تشريعي فلسطيني جديد، أعلن عباس تأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى، مدعيا رفض دولة إسرائيل السماح بإجراء الانتخابات في القدس الشرقية.[1] وبعد مرور عامين، لا يزال هذا التأجيل مستمرا، على حساب حق الناخبين الفلسطينيين في حكم أنفسهم واختيار قيادتهم. لم يصوت الكثير من المواطنين الفلسطينيين أبدا في انتخابات وطنية بعد أن بلغوا 18 عاما بعد عام 2006.

ستسلط هذه الورقة الضوء على التحديات الحرجة التي تواجه الانتخابات المستقبلية في القدس الشرقية، وتحديدا تعاون إسرائيل (أو عدم تعاونها) في إجراء الانتخابات، والمشاركة السياسية لسكان القدس الشرقية (بما في ذلك العقبات التي يواجهها سكان القدس الشرقية في المشاركة في العملية السياسية). وستقوم بعد ذلك بتقييم الخيارات أو الحلول المتاحة لصانعي القرار الفلسطينيين والمجتمع الدولي للتغلب على هذه التحديات.

 

1) خلفية:

عندما أجل الرئيس عباس الانتخابات في نيسان/أبريل 2021، أشار إلى رفض إسرائيل السماح بإجراء انتخابات في القدس الشرقية. خلال الجولة الأخيرة من الانتخابات التشريعية في عام 2006، قلصت إسرائيل الانتخابات من خلال السماح فقط لسكان القدس الشرقية بالتصويت في ضواحي المدينة وفي مكاتب البريد. مع استمرار احتلال إسرائيل للقدس الشرقية، والإصرار على أنها جزء من "العاصمة الموحدة" التي يحظر فيها النشاط السياسي الفلسطيني، كان من غير المرجح أن يكون مثل هذا الحل الوسط ممكنا لو جرت الانتخابات في عام 2021. وعلى الرغم من أن وزارة الخارجية الإسرائيلية قالت إن الانتخابات هي "قضية فلسطينية داخلية، وأن إسرائيل ليس لديها نية للتدخل فيها أو منعها"، فمن المرجح أن يكون الواقع مختلفا تماما.[2] ومن المفيد الإشارة أيضا إلى أن ذلك القول لم يترافق مع بيان تأييد لحق الناخبين الفلسطينيين في انتخاب ممثليهم السياسيين، أو ما شابه ذلك. لو كان عباس قد مضى قدما في إجراء الانتخابات، وهو يعلم أنه لن يصوت أي من سكان القدس الشرقية لممثليهم السياسيين، لكان من الممكن تفسير ذلك على أنه قبول من السلطة الفلسطينية بالاحتلال والضم غير القانوني للقدس الشرقية.

ومع ذلك، رفضت جميع الفصائل الفلسطينية الأخرى تقريبا قرار الرئيس عباس، بل وصفت حماس التأجيل بأنه "انقلاب". كان هناك شعور بين بعض معارضي عباس وحركة فتح بأن عدم تعاون إسرائيل هو مجرد ذريعة للتغطية على الانقسامات الداخلية داخل حزب عباس.[3] فالرئيس يواجه منافسة شديدة من بعض الجماعات المتحدية لسيطرته على حركة «فتح» بقيادة أفراد من بينهم مروان البرغوثي (الذي يقضي حاليا خمسة أحكام بالسجن مدى الحياة في سجن إسرائيلي)، وناصر القدوة (ابن شقيق ياسر عرفات)، ومحمد دحلان (رئيس الأمن الوقائي السابق). وصف دحلان التأجيل بأنه "غير قانوني" وأنه إجراء اتخذه رئيس "فقد شرعيته".[4] وقد أشير إلى البرغوثي، على وجه الخصوص، كمرشح مفضل للناخبين الفلسطينيين في استطلاعات الرأي التي أجراها المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية.[5] ومن المحتمل أن يكون عباس قد كان قلقا من أن فوز حماس قد يضعف فتح ويقسمها لمجموعات متنافسة، أو أن يفقد مكانته كرئيس لحركة فتح وللسلطة الفلسطينية.

وقد يكون التخوف من احتمال فوز «حماس» قد أدى لتبلور ضغوط دولية وإقليمية لتأجيل الانتخابات. فقد ذكرت صحيفة القدس أن عباس واجه ضغوطا عربية وأمريكية لتأجيل التصويت، خوفا من فوز حماس.[6]  وكانت حماس قد انتصرت على فتح في انتخابات عام 2006، وسيطرت منذ 2007 بحكم الأمر الواقع على قطاع غزة. وفوق كل ذلك، فإن حركة حماس موصوفة كجماعة إرهابية من قبل كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

 

2) التحديات الرئيسية لإجراء الانتخابات في القدس الشرقية

رفض إسرائيل للتعاون

إن احتمال إجراء أي انتخابات فلسطينية في القدس الشرقية في المستقبل يتضاءل مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي وقيامها بضم أجزاء من الضفة الغربية، وكلما تعزز الافتراض بأن الحكومة الاسرائيلية ستتدخل أو تمنع إجراء الانتخابات.  زادت الحكومة الإسرائيلية منذ عام 2006 من توسعها العدواني في القدس الشرقية وتتميز الحكومة المنتخبة مؤخرا، بقيادة بنيامين نتنياهو، بمواقف متطرفة تدعو للمزيد من الضم وتعميق الاحتلال.

في انتخابات عام 2006، أظهرت الحكومة الإسرائيلية عدم رغبتها في السماح بإجراء انتخابات حرة ونزيهة في القدس الشرقية. وحظرت افتتاح مراكز للتصويت والاقتراع، مما أجبر الناخبين على الإدلاء بأصواتهم في مكاتب البريد في القدس حيث كانت الشرطة الإسرائيلية تشرف عليها. وعلى الرغم من أن الأثر الفعلي لهذا السلوك المقيد لحرية التصويت غير مؤكد، فإنه يمكن للمرء أن يفترض أن هذا الإشراف من قبل شرطة الاحتلال خلق جوا عدائيا يثبط المشاركة الديمقراطية. وعلاوة على ذلك، تمت مداهمة جميع مكاتب حماس وإغلاقها، وحرم مرشحو حماس من الإذن بالقيام بحملاتهم الانتخابية.

قبل انتخابات 2021 المفترضة، ذكرت الحكومة الإسرائيلية أنه ليس لديها "خطة" للتدخل في الانتخابات، لكنها رفضت التعليق على وضع القدس، ولم تصدر أي بيان دعم للانتخابات أو حق المجتمع الفلسطيني في انتخاب ممثليه. كان ينبغي أن يكون هذا هو الرد الأساسي على أي أسئلة حول الانتخابات. ويدعي الرئيس عباس أن المسؤولين الإسرائيليين قد أبلغوه مباشرة بأنه لن يسمح بإجراء الانتخابات، ولكن لا يمكن التحقق من صحة هذا الادعاء.

تنص القوانين الإسرائيليين الراهنة على حظر كافة الأنشطة السياسية المرتبطة بالسلطة الفلسطينية في القدس. ومن غير المرجح أن يتغير هذا الوضع، وهذا بالطبع بالإضافة إلى حظر حملات «حماس» ومشاركتها في الانتخابات في المستقبل المنظور.

مثل هذا العقبات تجعل الانتخابات المستقبلية صعبة لأسباب عدة. يمكن للمرء أن يتوقع مستويات كبيرة من الاضطراب في أي عملية تصويت، إما عن طريق تكرار أساليب التضييق المستخدمة في عام 2006، أو عن طريق التصعيد حيث يتم منع ناخبي القدس الشرقية من التصويت في المدينة تماما. يمكننا أن نفترض أن الناخبين قد يمنعون أيضا من التنقل إلى خارج المدينة للتصويت. ومن المرجح أن يقترن هذا التضييق باستخدام القوة والعنف لتحقيق أقصى قدر من الاضطراب. إن الوجود الفعلي للقوات الإسرائيلية، بغض النظر عما إذا كانت تستخدم القوة أم لا، هو عمل من أعمال التخويف السياسي. إنه تذكير مرئي بمن يمسك بالسلطة في المدينة، وتذكير بالعنف الذي استخدمته هذه القوة في الماضي. وعلاوة على ذلك، فإن الإشراف على التصويت من قبل الشرطة الإسرائيلية المسلحة يعزز إنكار الدور السياسي الفلسطيني ويؤكد الصورة النمطية الاستعمارية التاريخية بأن فلسطين مجتمع "غير متحضر" يتطلب إشرافا ناضجا (أي غربيا) ليتطور إلى دولة تتمتع بالحكم الذاتي، كما حددها الانتداب الأصلي لعصبة الأمم في عام 1923.

وقد يؤدي هذا التدخل أيضا إلى تطرف المجتمع الفلسطيني في القدس الشرقية، إذ كلما طالت مدة حجب الانتخابات عن الناخبين، زاد احتمال تبني الناخبين لأساليب التغيير غير السلمية، حيث ينظر إلى الأساليب الديمقراطية على أنها ميؤوس منها.

 

غياب الثقة بالنظام السياسي

إذا جرت أية انتخابات في القدس الشرقية، فستصعد للسطح مشكلة خطيرة تتعلق بالمشاركة السياسية والإيمان بإمكانية التغيير التشريعي. في استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في عام 2022، قال 93٪ من سكان القدس الشرقية إنهم لم يشاركوا في الانتخابات الفلسطينية السابقة. وكان العديد من المجيبين أصغر من أن يصوتوا في عام 2006. لكن الأهم من ذلك أن 6٪ فقط قالوا إنهم سيشاركون في انتخابات فلسطينية مستقبلية. هذا انخفاض بمقدار 33 نقطة مئوية عن نسبة الذين قالوا من بين سكان القدس الشرقية إنهم سيشاركون في استطلاع للمركز نفسه في عام 2010. وحقيقة أن هذه المشكلة قد تفاقمت على مدى عقد من الزمان تظهر استياء متزايدا من السلطة الفلسطينية. كانت هناك زيادة بمقدار 22 نقطة في التصور بأن السياسيين غير مؤثرين ولا يمكنهم مساعدة سكان القدس الشرقية.[7] من المعقول أن نفترض أن تأجيل الانتخابات في عام 2021 لم يؤد إلا إلى زيادة هذه المخاوف.

من المهم الإشارة إلى أن الانخفاض في الدافعية للمشاركة لا يقابله ارتفاع مماثل في نسبة الاعتقاد بفائدة الانتخابات الإسرائيلية، حيث أن لهذه الانتخابات مستويات مشاركة مماثلة (95٪ من المستطلعين قالوا إنهم لم يشاركوا في انتخابات الكنيست أو الانتخابات البلدية). ومع ذلك، من المهم الإشارة إلى أن هناك انخفاض بمقدار 12 نقطة في نسبة سكان القدس الشرقية الذين يؤكدون على مقاطعة الانتخابات البلدية أو انتخابات الكنيست الإسرائيلية على أساس أن الاحتلال يجعل هذه السلطة غير شرعية.[8] قد لا يعني هذا أن هؤلاء المستطلعين ينظرون الآن إلى السلطة الإسرائيلية على أنها شرعية، بل يمكن أن يشير إلى انهيار الاعتقاد بأن المقاطعة جديرة بالاهتمام أو فعالة وتعزيز فكرة أن سكان القدس الشرقية يجب أن يحاولوا جعل الأمور تعمل في ظل الاحتلال الحالي.

وإلى جانب الانخفاض في عدد المشاركين الذين قاطعوا الانتخابات بسبب الاحتلال، هناك انخفاض مقابل في عدد المستطلعين الذين كانوا على استعداد للتصويت في الانتخابات الإسرائيلية في حال طلبت السلطة الفلسطينية منهم ذلك. في عام 2010، قال 23٪ من المستجيبين إنهم سينفذون الطلب.  أما في عام 2022 ، فقال ذلك 3٪ فقط،[9] وهذا يشير إلى انهيار كبير في مكانة السلطة الفلسطينية في القدس الشرقية.

وإذا افترضنا أن هذه الاتجاهات ستتأكد في حال إجراء انتخابات رئاسية أو تشريعية في المستقبل القريب، فإن نسبة إقبال أقل من 10 في المائة في القدس الشرقية ستضر بشكل لا يصدق بشرعية السلطة الفلسطينية أو الرئيس المنتخب حديثا. لذلك من الضروري محاولة معالجة مثل هذه المخاوف قبل الانتخابات.

في ظروف مثالية، مثلا في حال خففت فيه الحكومة الإسرائيلية قيود الاحتلال المشددة وسمحت بإجراء الانتخابات، من المرجح أن يخفف ذلك من الرأي القائل بأن مسؤولي السلطة الفلسطينية لا يستطيعون مساعدة القدس الشرقية. ومع ذلك، فإن احتمال حدوث ذلك ضئيل.  وثمة عامل آخر هو عدم قدرة المرشحين على الوصول إلى سكان القدس الشرقية لأن إسرائيل لن تسمح لهم بالقيام بحملة انتخابية هناك. وبالتالي، فإن التأثير المحتمل لهذه الانتخابات وهؤلاء المرشحين على القدس الشرقية كدائرة انتخابية يبقى غير واقعي وغير مؤكد بالنسبة لسكان القدس الشرقية.  لا يمكن معرفة ما إذا كان سيتم الاستماع إلى هذه المخاوف أم لا. ومن المرجح أن القضايا المتعلقة بجودة المرشحين لا يمكن تغييرها بشكل جاد إلا بمرور الوقت والانتخابات المتتالية حيث يثبت المسؤولون أنفسهم للناخبين على أنهم جديرون بالثقة وقادرون على إجراء تحسينات ذات مغزى في حياة سكان القدس الشرقية.

 

عقبات أخرى أمام المشاركة السياسية

بصرف النظر عن التدخل الإسرائيلي وعدم الثقة بالنظام السياسي الفلسطيني، هناك مشاكل إضافية – مرتبطة إلى حد كبير باحتلال القدس الشرقية –يمكن أن تقوض المشاركة السياسية في الانتخابات.

يواجه سكان القدس الشرقية انتهاكات يومية لحقوقهم في حرية التنقل والتعبير والتعليم. هذه أداة قوية للحكومة الإسرائيلية لإحداث تقليص تدريجي على شعور الفلسطينيين بالهوية وتقرير المصير والحرية. إن التأثير التراكمي لذلك في النظام الديمقراطي مدمر بشكل لا يصدق حيث يستسلم الناخبون لقبول الاضطهاد، أو على الأقل لأن يتعبوا من الاحتجاج - على اضطهادهم.

كما تم تقييد التعليم وتعطيله من قبل الاحتلال، مع فرض رقابة خاصة على المواد التعليمية التي تشير إلى الهوية الوطنية الفلسطينية. وهذا يشكل مشكلة للمشاركة السياسية إذ من الذي سيغرس في الأطفال الشعور بالمسؤولية المدنية للمشاركة في العمليات الديمقراطية.

ويشكل تقييد حرية التنقل تحديا خاصا. فحتى لو سمح بالتصويت المحدود في مكاتب البريد، على سبيل المثال، فإن هذا سيقتصر بشكل أكبر على أولئك الذين يمكنهم أخذ إجازة من العمل للسفر ولديهم الوسائل للقيام بذلك.

 

3) الخيارات السياساتية:

في ضوء التحديات الحرجة آنفة الذكر، هناك العديد من الخيارات المتاحة لواضعي السياسات للنظر فيها:

 

تأجيل الانتخابات لأجل غير مسمى:

الخيار الأول الذي يجب النظر فيه هو استمرار الوضع الراهن، أي تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية إلى أجل غير مسمى، حتى يمكن ضمان إجراء الانتخابات في القدس الشرقية دون تدخل إسرائيلي كبير.

يجب تجنب هذا الخيار بأي ثمن. إن. التبرير الرئيسي لهذا الخيار هو أنه في إجراء الانتخابات من دون القدس الشرقية، ستكون السلطة الفلسطينية، أو يمكن أن تفهم على أنها تقبل ضمنيا الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني وتتخلى عن حقوق سكان القدس الشرقية.

ومع ذلك، فإن السلطة الفلسطينية، باتخاذها موقفا ضد التدخل الإسرائيلي، تضمن استمرار حرمان بقية الناخبين الفلسطينيين من حقهم في تقرير المصير والمشاركة في الانتخابات. تأثير هذا يمكن أن يكون كارثيا. لقد فازت حماس بالفعل في الانتخابات السابقة للسلطة الفلسطينية ، وتخاطر فتح بتنفير الناخبين منها، وخاصة إذا اعتقدوا أنها تصرفت لما فيه مصلحتها الحزبية الذاتية. وكما قال النقاد بعد التأجيل، يمكن اتهام فتح بالسماح لإسرائيل فعليا باستخدام حق النقض (الفيتو) على الانتخابات الفلسطينية.[10]

علاوة على ذلك، يجب على السلطة الفلسطينية أن تثبت قدرتها على الإدارة الحكومية الفاعلة وعلى الالتزام بالقانون الدولي وإجراء انتخابات منتظمة. وهذا أمر جوهري لتعزيز الدعم الداخلي ضد الاحتلال الإسرائيلي، وتوحيد الفلسطينيين خلف مؤسساتهم الوطنية، ولكن أيضا لحشد الدعم الدولي كدولة قادرة على حكم نفسها وكلاعب مساو لإسرائيل.

وتبقى الحقيقة الأساسية هي أن الانتخابات لم تحدث منذ عام 2006، وأن نسبة كبيرة من الناخبين الفلسطينيين تتراوح أعمارهم اليوم بين 18 و34 عاما، مما يعني أنهم لم يصوتوا أبدا في الانتخابات الفلسطينية. وهذا واقع غير مقبول ولا يضمن إلا استمرار خيبة الأمل السياسية ويضعف شرعية السلطة الفلسطينية وبالتالي يقلل من قدرتها على الحكم.

 

إجراء الانتخابات بدون القدس:

هناك عدة بدائل للتأجيل إلى أجل غير مسمى. الأول هو المضي قدما في كل من الانتخابات التشريعية والرئاسية بغض النظر عما إذا كانت إسرائيل تسمح بإجرائها في القدس الشرقية. كما ذكرنا سابقا، هناك جوانب سلبية واضحة لإجراء هذه الانتخابات مع العلم أن عددا كبيرا من الناخبين لن يتمكنوا على الأرجح من التصويت، ومن المؤسف أن السلطة الفلسطينية يمكن أن ينظر إليها في هذه الحالة على أنها مسؤولة عن حرمان سكانها من التصويت.

ومع ذلك، من الأهمية بمكان أن يتأسس المجلس التشريعي الفلسطيني، وأن يتم انتخاب رئيس بولاية جديدة. إن وجود دليل على أن التصويت قد تم قمعه يمكن أن يوفر للمجلس التشريعي الفلسطيني المنتخب حديثا نقطة انطلاق قوية في وضع أجندة سياسية قوية تقف في وجه العدوان الإسرائيلي. ويمكن اتخاذ إجراءات رمزية لتمثيل الممثلين المفقودين من القدس الشرقية، مثل ترك المقاعد فارغة.

 

إجراء الانتخابات مع القدس:

ثمة خيار آخر لا يتمثل في المضي قدما في الانتخابات فحسب، بل أيضا محاولة إجراء شكل من أشكال التصويت في القدس الشرقية. كان هذا هو الخيار المفضل لحماس في عام 2021. صرحت لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية قبل أيام من قرار عباس أنها تعتقد أن ما يقرب من 150,000 ناخب فلسطيني ممن يحق لهم حق الاقتراع من ضواحي القدس الشرقية (ما يقرب من نصف سكان المدينة الفلسطينيين) لن يحتاجوا لموافقة إسرائيل من أجل أن يتمكنوا من لتصويت.[11] قد تكون هذه فرصة عظيمة لإظهار المقاومة وخاصة إذا حضرت أعداد كبيرة للتصويت على الرغم من التهديدات الإسرائيلية.

ومع ذلك، يمكن أن يكون هذا عملا استفزازيا خطيرا يؤدي إلى العنف في جميع أنحاء القدس وربما في أماكن أخرى. ومن المرجح أن تشهد اعتقالات جماعية لأي شخص يحاول تسهيل الانتخابات في القدس الشرقية. ولن تكون هذه هزيمة نفسية قوية للسلطة الفلسطينية فحسب، بل يمكن أن تزيد أيضا من زعزعة استقرار السلطة الفلسطينية إذا تم اعتقال أعداد كبيرة من المسؤولين، مما يحول دون القدرة التشغيلية للسلطة الفلسطينية.

 

تشجيع الإسرائيليين على التعاون:

بطبيعة الحال، سيكون السيناريو المثالي هو أن تسمح إسرائيل بإجراء تصويت كامل وحر ونزيه في القدس الشرقية. ولتمكين حدوث ذلك، من المرجح أن يتطلب الأمر ضغطا دوليا أقوى بكثير على إسرائيل للسماح بإجراء الانتخابات، والتزاما أكبر من المجتمع الدولي بالدفاع عن حق السكان الفلسطينيين في الديمقراطية. ويمكن أن يتخذ ذلك شكل التزام المجتمع الدولي بالعمل مع السلطة المنتخبة (على الأرجح مع التحذير من أنها يجب أن تلتزم بالقانون الدولي). وربما يكون هذا الالتزام ضروريا لحشد دعم الأطراف الدولية مثل الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر حماس جماعة إرهابية. وللحصول على دعم الولايات المتحدة، ربما يتعين إجراء انتخابات عاجلا وليس آجلا بينما لا يزال الديمقراطيون يسيطرون على الرئاسة، حيث من المفترض أن تشهد عودة دونالد ترامب (أو مرشح مماثل) إلى البيت الأبيض موقفا أكثر تأييدا لإسرائيل.

ويتعين على المجتمع الدولي أن يكون واضحا في تحديد العواقب إذا تدخلت إسرائيل في الانتخابات؛ وينبغي تطبيق هذه العقوبات بحزم إذا لزم الأمر. وكما أشار عباس نفسه في خطابه أمام الأمم المتحدة في أيار/مايو 2023 في الذكرى ال75 للنكبة، كان هناك أكثر من ألف قرار للأمم المتحدة بشأن فلسطين ولكن لم يتم تنفيذ أي منها على الإطلاق.[12] وإذا استطاع المجتمع الدولي أن يحدد العواقب ويطبقها، فقد تكون هذه لحظة حاسمة لاستعادة الشعور الفلسطيني بالثقة في المؤسسات الدولية.

يواجه هذا الخيار مشاكل كبيرة تتعلق بمدى واقعيته. لا يستطيع صانعو السياسات الفلسطينيون إجبار الجهات الدولية الفاعلة على اتباع خط العمل هذا. يركز المجتمع الدولي حاليا إلى حد كبير على الحرب في أوكرانيا ولا ينظر إلى فلسطين على أنها أولوية عالية. ومع ذلك، يمكن أن يكون هذا هو المكان الذي يركز فيه المجتمع الدولي جهده في الضغط والدبلوماسية، لأن هذا هو الخيار الأكثر واقعية في أن يجلب تعاونا من إسرائيل.

 

معالجة الدوافع الأخرى لتأجيل الانتخابات:

تستند جميع الخيارات المذكورة أعلاه إلى افتراض أن عباس كان صادقا في تبريره لتأجيل الانتخابات. ومع ذلك، إذا افترضنا أن منتقديه محقون في تسليط الضوء على المخاوف من فوز «حماس» والتحديات المحتملة من داخل «فتح»، فهناك خيارات أكثر جدوى لصانعي القرار للنظر فيها.

لقد اتخذت فتح وحماس بالفعل خطوات لتحسين الأوضاع بينهما. اعتبارا من عام 2022، وافقت جميع الفصائل ال 14 على إجراء انتخابات وطنية في غضون عام.[13]  ووعدت كل من فتح وحماس بأن هذا لن يكون وعدا فارغا آخرا لن يتم الوفاء به، ولكن الوقت وحده سيكون الحكم. يمكن لصانعي القرار أيضا ممارسة الضغط على حماس وأي فصيل آخر يدعو إلى استخدام القوة كأداة سياسية للالتزام باتباع القانون الدولي إذا تم انتخابه.

إن الانقسام الداخلي في حركة فتح ليس شيئا يمكن معالجته مباشرة من قبل صانعي القرار، لكن يمكنهم ممارسة الضغط على فتح لإقناعها بوضع مصلحة البلاد أمام مصلحة الحزب، الأمر الذي قد يجني ثماره.

 

معالجة قضية المشاركة السياسية:

كما هو مبين في بداية هذه الورقة، حتى لو أجريت الانتخابات، فإن السلطة الفلسطينية تواجه تحديا صعبا يتمثل في عدم الرغبة لدى سكان القدس الشرقية في المشاركة السياسية. إن من الصعب على صانعي القرار محاولة معالجة هذا الأمر دون إعطاء وعد ثابت بإجراء الانتخابات في المستقبل. كما أن المشاكل المتعلقة بتقييد الحقوق، لا سيما حرية الحركة والعمل السياسي والتعليم ، صعبة بشكل خاص. ومع ذلك، فإن أحد المجالات التي يمكن معالجتها هو الفساد والثقة في القادة السياسيين. ويمكن لصانعي القرار أن يركزوا طاقاتهم على ضمان قدر أكبر من المسؤولية والمساءلة في الحكومة، وبالتالي بناء الثقة تدريجيا في السياسيين والمؤسسات العامة.

 

4) الخلاصة:

إن احتمال إجراء انتخابات مستقبلية في القدس الشرقية وفلسطين هو احتمال قاتم. تواجه السلطة الفلسطينية الصعوبات في جبهتين منفصلتين: إسرائيل واللامبالاة السياسية، ويجب إزالة كليهما أو معالجتهما من أجل إجراء الانتخابات بنجاح.

على المدى القصير، ينبغي على صانعي القرار أن يركزوا غالبية جهودهم على إقناع حركة «فتح» بإجراء شكل من أشكال الانتخابات في أقرب وقت ممكن، بموافقة إسرائيل أو بدونها. كما أن الضغط على المجتمع الدولي للحصول على دعم أكبر يمكن أن يجني ثماره، على الرغم من أن احتمال حدوث أي تحول كبير في الوضع الراهن ضئيل. وعلى المدى الطويل، يجب على صانعي القرار معالجة اللامبالاة الخطيرة تجاه المشاركة السياسية. إن إجراء الانتخابات من شأنه أن يقلل جزئيا من هذه اللامبالاة، لكنه لن يحلها تماما.

 


 

** " شكر خاص من هبة الحسيني للأنسة أيونا كلارك لمساهمتها في البحث والكتابة لهذه الورقة. الآنسة كلارك تحضر لشهادة الدكتوراه في جامعة كامبردج في تخصص السياسة والدراسات الدولية."

[1] European Council on Foreign Relations, ‘Mapping Palestinian Politics’. https://ecfr.eu/special/mapping_palestinian_politics/elections-2021/

[2] Abbas delays Palestinian parliamentary polls, blaming Israel, Al Jazeera, 20 April 2021. https://www.aljazeera.com/news/2021/4/30/palestinian-factions-reject-abbas-decision-to-delay-polls

[3] Ibid, Palestinian leader delays parliamentary and presidential elections, blaming Israel, Reuters, 30 April 2021. https://www.reuters.com/world/middle-east/palestinian-elections-delayed-says-president-mahmoud-abbas-2021-04-29/

[4] Abbas delays Palestinian parliamentary polls, blaming Israel, Al Jazeera, 20 April 2021. https://www.aljazeera.com/news/2021/4/30/palestinian-factions-reject-abbas-decision-to-delay-polls

[5] Palestinian Centre for Policy and Survey Research, Public Opinion Poll No (86), 7 December 2022. https://pcpsr.org/en/node/926 

[6] Abbas delays Palestinian parliamentary polls, blaming Israel, Al Jazeera, 20 April 2021. https://www.aljazeera.com/news/2021/4/30/palestinian-factions-reject-abbas-decision-to-delay-polls

[7] Palestinian Centre for Policy and Survey Research, A Special East Jerusalem Poll:

Comparing the Results of 2010 and 2022 Polls. https://pcpsr.org/ar/node/932

[8] Ibid.

[9] Ibid.

[10] Abbas delays Palestinian parliamentary polls, blaming Israel, Al Jazeera, 20 April 2021. https://www.aljazeera.com/news/2021/4/30/palestinian-factions-reject-abbas-decision-to-delay-polls 

[11] Jørgen Jensehaugen and Erling Lorentzen Sogge, ‘The Palestinian elections that weren't’, The Loop. https://theloop.ecpr.eu/palestinian-elections-hang-in-the-balance/

[12] ‘Marking Anniversary of Nakba, President Tells Palestinian Rights Committee ‘Tragedy Constitutes a Scar on Humanity’’, Committee on the Inalienable Rights of the Palestinian People, UN Meetings Coverage, 15 May 2023. https://press.un.org/en/2023/gapal1453.doc.htm

[13] Lamine Chikhi and Nidal Al-Mughrabi, ‘Palestinian rivals agree to hold elections but doubts persist’, Reuters, 13 October 2022.  https://www.reuters.com/world/middle-east/palestinian-rivals-agree-elections-end-dispute-doubts-persist-2022-10-13/

Arabic

قد تكون هذه اللحظة نقطة تحول في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ربما بنفس أهمية نقطة التحول تلك التي تبلورت قبل 30 عاما بالضبط وأصبحت تعرف باسم عملية أوسلو. وفي حين أنه من الصعب تقييم النتيجة المستقبلية للديناميات الحالية، إلا أنها لا تبدو جيدة بالنسبة لفلسطين أو إسرائيل. سيتشكل المستقبل القريب عند تصادم تطورين، أحدهما فلسطيني والآخر إسرائيلي. في الجانب الفلسطيني، وصلت السلطة الفلسطينية الآن إلى النقطة التي لم تعد فيها قادرة على تلبية توقعات إسرائيل الأمنية بالكامل في ضمان "احتكار" القوة المسلحة في المناطق الخاضعة لسيطرتها. ويتجلى هذا التطور حاليا في تشكيل جماعات مسلحة يقودها شباب فلسطينيون في المدن ومخيمات اللاجئين، وأبرزها في الجزء الشمالي من الضفة الغربية. علاوة على ذلك، يعتقد الفلسطينيون اعتقادا راسخا أن التكاليف التي فرضت على إسرائيل خلال الانتفاضتين الأولى والثانية هي التي أقنعتها باعتبار الدولة الفلسطينية مصلحة وطنية إسرائيلية. وهذا الاعتقاد بفاعلية القوة هو الذي يغذي الآن صعود الجماعات المسلحة في الضفة الغربية.

على الجانب الإسرائيلي، تظهر "إسرائيل جديدة" تتميز بأيديولوجية قومية دينية حريصة على تحجيم إسرائيل العلمانية التي عرفها الفلسطينيون خلال معظم السنوات الثلاثين الماضية، منذ اتفاق أوسلو، وعلى تأكيد سيطرة إسرائيل الدائمة على الضفة الغربية. إن تشكيل اليمين الحالي، أي القومي والقومي-الديني، والحكومة المتطرفة الراهنة التي تمثله والتي تهيمن عليها لأول مرة في تاريخ إسرائيل أحزاب سياسية دينية وقومية-دينية في الغالب، هو أوضح إشارة حتى الآن على التطور الثاني. تُعيد "إسرائيل الجديدة" الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى جذوره التاريخية الوجودية.

تستكشف هذه الورقة الظروف التي أدت لتبلور الواقع الراهن والتي يمكن أن تؤدي إلى الاصطدام المتوقع وكيف يمكن للفلسطينيين والإسرائيليين تجنبه. في سيناريو الاصطدام، تستمر السلطة الفلسطينية في فقدان شرعيتها وثقة شعبها، ويزداد ضعفها بسبب التدابير العقابية الإسرائيلية والتوغلات العسكرية المتزايدة في الأراضي الفلسطينية. ويمكن أن يؤدي التأثير المشترك لذلك لانخفاض قدرة السلطة الفلسطينية على فرض النظام والقانون، مما قد يؤدي إلى زيادة الفراغ الأمني في أجزاء من الضفة الغربية وما ينتج عن ذلك من تشكيل جماعات فلسطينية مسلحة جديدة مستعدة لتحدي قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية وقوات الجيش الإسرائيلية. وفي الوقت الذي يسعى فيه الجيش الإسرائيلي إلى ملء الفراغ، فإن ذلك السلوك يزيد من إضعاف السلطة الفلسطينية مما يؤدي إلى حلقة مفرغة من العنف وسفك الدماء. كان العام الماضي الأكثر عنفا في العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية منذ نهاية الانتفاضة الثانية. ارتفع عدد الاشتباكات المسلحة مع الجيش الإسرائيلي ثلاث مرات على الأقل مقارنة بعام 2021.[1] وبلغ عدد الضحايا الفلسطينيين في الضفة الغربية وحدها 146 شهيدا، وهو أعلى عدد منذ عام 2005.[2] وبلغ عدد القتلى الإسرائيليين 31 قتيلا، وهو أعلى عدد منذ عام 2008.[3] وبلغت حوادث العنف التي ارتكبها المستوطنون ضد الفلسطينيين في العام 2022 وحده 755 حادثة، مقارنة ب 496 حادثا في العام 2021 و358 حادثا في العام 2020.

يمكن أن تتصاعد الأوضاع أكثر إذا أصبح عباس أكثر ضعفا في خضم هذه الدورة أو حتى غادر المشهد. النتيجة الأكثر احتمالا في هذا السيناريو هي زيادة الفوضى في الضفة الغربية التي يمكن أن يتبعها عودة إسرائيلية إلى إعادة احتلال أجزاء أو كل الأراضي المحتلة، كما حدث في عام 2002.  لتجنب هذه النتيجة شبه المؤكدة، تحتاج السلطة الفلسطينية إلى استعادة شرعيتها. على الرغم من الاحتمال الضئيل للقيام بذلك في ظل القيادة الفلسطينية الحالية، فإن إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية هو الخطوة العلاجية الأكثر أهمية وإلحاحا التي بدونها قد لا يكون ممكنا إيقاف الديناميات الحالية أو التخفيف من حدتها.  أما بالنسبة لإسرائيل، فإن الإجراء الأكثر أهمية هو إعادة حل الدولتين للحياة، وهي خطوة لا تستطيع الحكومة الإسرائيلية الحالية اتخاذها، مما يعني أن عملا فلسطينيا قويا أو الضغط الخارجي فقط هو الذي يمكن أن يبطئ الانهيار التدريجي الحالي لحل الدولتين.

 

أربع سمات رئيسية:

بدون إجراء انتخابات فلسطينية وإيقاف الجهود التي تبذلها إسرائيل لتعزيز احتلالها وجعله دائما، من المرجح أن تكون الخطوة التالية في عملية التصعيد هي إعادة احتلال كل أو أجزاء من المناطق الحضرية في الضفة الغربية. وبالنظر إلى تجربة إسرائيل مع إعادة احتلال الضفة الغربية في عام 2002، فإن قرار القيام بذلك في المستقبل القريب قد لا ينظر إليه على أنه محفوف بمخاطر أمنية ذات بال.

لكن الظروف التي قد تنتج عن هذا الاحتلال المتجدد قد تختلف عن تلك التي سادت آنذاك في خضم الانتفاضة الثانية. هناك أربع سمات رئيسية للواقع الحالي تفسر الفرق بين هذا السيناريو وسيناريو عام 2002، عندما أعاد الجيش الإسرائيلي احتلال المناطق الحضرية في الضفة الغربية ثم الخروج منها بدون تغيير جذري كبير في قواعد اللعبة. السمة الأولى تتمثل في أن السلطة الفلسطينية في ذلك الوقت كانت لا تزال تتمتع بشرعية ودعم كبيرين، وبالتالي كانت قادرة على الحفاظ على قدرتها واستعادة السيطرة بمجرد انسحاب الجيش الإسرائيلي. وعلى النقيض من ذلك، قد تحرم السلطة الفلسطينية الحالية، جزئيا أو كليا، من هذه القدرة، في بعض المناطق على الأقل، وتبعا للظروف السياسية الداخلية آنذاك، مما قد يجبر الجيش الإسرائيلي على البقاء لفترة أطول.

ثانيا، في حين كان الائتلاف الحاكم في إسرائيل في عام 2002 غير مهتم بضم الضفة الغربية بأكملها، أو حتى السيطرة الكاملة عليها، فإن الائتلاف الحالي منفتح على الأقل على فكرة إبقاء جيشه في مكانه أو حتى ضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية. وبذلك يتم إنشاء نظام فلسطيني إسرائيلي جديد، نظام يحل محل النظام المحتضر، الذي أنشأته عملية أوسلو.

ثالثا، في عام 2002، كان المجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة واللجنة الرباعية، المكونة من الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، لا يزال منخرطا بعمق في الشرق الأوسط وكان على استعداد للتدخل وتقديم "خريطة طريق" لحل دائم للصراع الإسرائيلي الفلسطيني مبني على حل الدولتين. نصت تلك الخطة على بنود عملية سياسية للخروج من العنف المستعر. في ظل الظروف الحالية، وخاصة بالنظر إلى انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، من غير المرجح أن تلعب الولايات المتحدة والمجتمع الدولي أي دور ملموس. إن الجهود الحالية التي تقودها الولايات المتحدة والأردن ومصر لتسهيل خفض التصعيد الفلسطيني الإسرائيلي، كما هو الحال في الاجتماعات في العقبة وشرم الشيخ[4]، تبدو متأخرة جدا بحيث لا تؤثر على ديناميات التصعيد الحالية.

رابعا، بينما كان العالم العربي مستعدا في ذلك الوقت للالتقاء بطريقة غير مسبوقة وتقديم مبادرة السلام العربية لإسرائيل، وهي مبادرة سعودية عرضت إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي بشكل دائم وأقرها مؤتمر القمة العربي في بيروت في عام 2002، أصبح العالم العربي الآن أقل اهتماما بالقضية الفلسطينية. وبدلا من ذلك، يركز على التهديد الإقليمي لإيران ويسعى لاحتوائه. لقد حطمت عملية التطبيع العربية مع إسرائيل، المعروفة بالاتفاقات الابراهيمية، مبادرة السلام العربية وتناقضت مع منطقها من خلال عرض السلام على إسرائيل دون إنهاء احتلالها بالضرورة أو السماح بإنشاء دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. وفي حين أن هذه الاتفاقات قد لا تتوسع في ظل الظروف الحالية، فمن غير المرجح أن تكون إسرائيل أو شركاؤها العرب في التطبيع مهتمين بجعل السلام الفلسطيني الإسرائيلي محوريا في جهودهم. إن منتدى النقب الذي يجمع المطبعين مع إسرائيل يسعى لتسهيل التعاون الاقتصادي والأمني ويستبعد الفلسطينيين تماما. وحتى لو دعيت السلطة الفلسطينية للانضمام إلى المنتدى، فإنها ستجد أنه من المستحيل القيام بذلك في غياب التزام باستئناف المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية على أساس مبادرة السلام العربية، وهو شرط سترفضه على الأرجح إسرائيل ودول التطبيع العربية. النتيجة النهائية هي أن السلطة الفلسطينية ستظل عاجزة عن إيجاد الوسائل لاستعادة الدعم السياسي أو المالي العربي.

ومع بدء تصادم هذين التطورين، الفلسطيني والإسرائيلي، الموصوفين أعلاه، فإن جهود الولايات المتحدة، وجهود بقية المجتمع الدولي واللاعبين العرب الإقليميين الرئيسيين، التي تقتصر حاليا على تشجيع خفض التصعيد قد لا يكتب لها النجاح. هذه الجهود قد لا تنجح لأنها عير معنية بمعالجة الديناميات التي ولدت التطورات الجديدة تدريجيا. صحيح أن جميع اللاعبين الدوليين يؤيدون على ما يبدو حل الدولتين الذي يؤدي إلى إنشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة إلى جانب إسرائيل. ولكن لا أحد على استعداد لاتخاذ تدابير فعالة لجعله حقيقة واقعة. وبالتالي، فإن الدعم لهذا الحل يفتقر للمصداقية.

لفهم السبب وراء توقعات الفشل هذه، يحتاج المرء إلى فهم طبيعة الديناميات التي أنتجت التطورين: ما الذي أوصلنا إلى هذه النقطة، والآثار طويلة الأجل.

 

ولادة إسرائيل الجديدة:

ما يميز إسرائيل الجديدة بالإضافة إلى هيمنة القوى الدينية القومية هو رفض حل الدولتين وأي انخراط مع الفلسطينيين في مفاوضات سلام على أساس هذا الحل. كما أنها تتميز بضم زاحف بحكم الأمر الواقع، وهو ضم يكتسب زخما مدفوعا بسياسات الحكومة الجديدة، والذي قد يتم تسهيله قريبا لو نجحت هذه الحكومة في إضعاف القضاء الإسرائيلي. يمكن للأجندة الدينية لإسرائيل الجديدة أن تقوض وتدمر في نهاية المطاف الوضع في الأماكن المقدسة في القدس. تظهر إسرائيل الجديدة تصميما أكبر على فرض إجراءات عقابية ضد السلطة الفلسطينية بسبب الحملة الدولية التي تشنها الأخيرة ضد إسرائيل. في شباط/فبراير 2023، ضاعفت وزير المالية الاسرائيلي الجديد، رئيس حزب الصهيونية الدينية بتساليل سموتريتش، مبلغ عائدات الجمارك الشهرية الفلسطينية التي تحتجزها عادة، والتي تبلغ الآن 40 مليون دولار أمريكي ليدفعها لضحايا العمليات الفلسطينية، وذلك في خطوة عقابية لجهود السلطة ضد إسرائيل في المحافل الدولية.  أعلن وزير المالية آنذاك أنه غير معني باستمرار وجود السلطة الفلسطينية[5]. والنتيجة الحتمية هي أن الضعف الحالي للسلطة الفلسطينية سوف يتسارع.

ساهمت ثلاثة عوامل خارجية في التطور الحالي على مدى ما يقرب من 15 عاما، مما أعطى الجناح اليميني والتطرف القومي الديني في إسرائيل مجالا للنمو والحكم. الأول هو فشل الولايات المتحدة في استخدام نفوذها على حكومة ائتلاف يمين الوسط التي تم إنشاؤها بقيادة نتنياهو في عام 2009، عندما كانت القيادة الفلسطينية لا تزال تتمتع بالشرعية الشعبية، وبالتالي كانت لا تزال قادرة على صنع السلام. ضغطت إدارة أوباما على إسرائيل لتجميد البناء الاستيطاني، لكنها لم تفعل شيئا للضغط على نتنياهو لمواصلة ما يسمى بعملية أنابوليس التي بدأتها إدارة بوش قبل أكثر من عام. في المنافسة بين أوباما ورئيس الوزراء الإسرائيلي، كان نتنياهو هو الذي تمكن من إثبات أن إسرائيل لديها على الأقل تكافؤ في العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة وأن إسرائيل، في الواقع، لديها نفوذ كبير على الإدارة الأمريكية.

ثم سرعان ما تبلور في إسرائيل تصور بأنها دولة لا تقهر.  أعطت السنوات الأربع التي قضاها دونالد ترامب في منصبه النظام السياسي اليميني والجمهور الإسرائيلي انطباعا بأن دولتهم يمكنها أن تفعل ما تشاء دون اعتبار للقانون الدولي أو المصالح الأكثر حيوية للفلسطينيين. بحلول منتصف عام 2020، تجاوز التأييد بين اليهود الإسرائيليين لضم أجزاء من الضفة الغربية، مثل غور الأردن، النصف، حيث بلغ أكثر من 70٪ بين الناخبين اليمينيين[6]. انخفض تأييد حل الدولتين بين اليهود الإسرائيليين من 51٪ في منتصف عام 2016، قبل تولي ترامب منصبه، إلى 42٪ في آب (أغسطس) 2020، قبيل نهاية ولاية ترامب، انخفاض بلغ 9 نقاط مئوية.[7]

ثم جاءت لحظة الإغراء الأعظم. قبل أن يترك ترامب منصبه، كافأ اللاعبون الإقليميون العرب إسرائيل. مدفوعين بتقديراتهم للتهديدات الإقليمية الإيرانية ومدفوعين بالنجاحات الإسرائيلية والعجز الفلسطيني، قامت هذه الدول بتطبيع العلاقات الأمنية والاقتصادية مع إسرائيل. لماذا إذا ستقدم إسرائيل تنازلات للفلسطينيين إذا كان من الممكن جني ثمار السلام العربي الإسرائيلي دون الحاجة إلى دفع الثمن. ساهم التطبيع العربي في إضعاف إسرائيل العلمانية وتمكين إسرائيل القومية الدينية. بعد عامين من التطبيع العربي، بحلول كانون الأول/ديسمبر 2022، انخفض الدعم اليهودي الإسرائيلي لحل الدولتين إلى الثلث فقط، في انخفاض آخر بمقدار 8 نقاط مئوية في غضون عامين فقط، وبلغت نسبة تأييد هذا الحل 14٪ فقط بين الناخبين اليمينيين. حصلت نسبة تأييد قيام دولة واحدة في كامل مساحة فلسطين التاريخية يتمتع فيها اليهود بحقوق كاملة ويتمتع فيها الفلسطينيون بحقوق جزئية على تأييد أكبر بين اليهود الإسرائيليين من تأييد حل الدولتين (37٪ و34٪ على التوالي)[8].

على الصعيد المحلي، بالإضافة إلى التحول التدريجي إلى اليمين في الحياة السياسية الإسرائيلية، وهي عملية بدأت في عام 1977، ربما كانت المساهمة الأولى والأكثر أهمية في صنع إسرائيل القومية الدينية هي الاتجاه الذي بدأ في عام 2009 وتعزز في عام 2015، حيث تحالفت الجماعات الدينية والدينية القومية المتطرفة في ائتلافات حكومية مع نتنياهو والليكود فقط. وللاستفادة الكاملة من تحقيق ائتلافه للمكاسب، احتاج نتنياهو العلماني إلى استرضاء الهوامش الأكثر تطرفا وإضفاء الشرعية عليها، وبالتالي جعلها مسوغة أو مقبولة من الرأي العام . في عام 2022، بذل نتنياهو جهودا كبيرة لمساعدة الأحزاب المتطرفة الصغيرة على توحيد قواها، وأهمها تلك الممثلة في القائمة الانتخابية للصهيونية الدينية وحلفائها من حزبي عوتسما يهوديت ونوعم، حتى يتمكنوا جميعا من اجتياز العتبة الانتخابية. ثم جاءت مشاكل نتنياهو القانونية الشخصية حيث أجبرته محاكمته بالفساد في أواخر عام 2022 على تشكيل ائتلاف مع أولئك الذين يمكنهم السماح له بإعادة هيكلة القضاء الإسرائيلي وإضعاف استقلاليته.

في ظل هذه التطورات، من نافلة القول إنه لا يمكن توقع أن تتخذ إسرائيل القومية الدينية الحالية سوى تدابير إضافية من شأنها أن تسرع بزوال حل الدولتين بدلا من إنقاذه.   ولإنقاذ هذا الحل، سيتعين على القيادة الفلسطينية أن تستعد لتبني استراتيجية للمواجهة يمكنها أن تؤدي لانهيار السلطة الفلسطينية، وهي خطوة من المرجح أن تصر القيادة الحالية على تجنبها. في غياب ذلك، يمكن لقيادة السلطة الفلسطينية أن تسعى للحصول على دعم عربي ودولي للخطوات التي قد تجعل من الصعب على إسرائيل القومية الدينية أن تدمر تماما ما تبقى من حل الدولتين. بدعم من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، يمكنها تنسيق سياستها هذه مع الدول العربية المعنية بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، مثل المملكة العربية السعودية وغيرها. يمكن أن يكون التطبيع العربي القادم مشروطا بمقايضة ملموسة، مثل انسحاب إسرائيل من معظم المنطقة (ج)، وزيادة ولاية السلطة الفلسطينية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وفتح الأراضي المتبقية من المنطقة (ج) للأنشطة الاقتصادية الفلسطينية، وبناء ممر تسيطر عليه السلطة الفلسطينية يربط بين الضفة الغربية وقطاع غزة. بالتأكيد لن يكون أي من هذه الإجراءات مقبولا لدى الحكومة الإسرائيلية الحالية دون موقف عربي ودولي قوي وموحد، وهو أمر مستبعد للغاية في ظل الظروف الحالية وغياب التركيز على القضية الفلسطينية-الإسرائيلية.

 

الإخفاقات الفلسطينية:

إن ما يميز التطورات الفلسطينية الأخيرة بالإضافة إلى العجز المتزايد عن الحفاظ على احتكار القوة المسلحة هو عدم القدرة على تنظيم الانتخابات أو إعادة توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي غياب عملية سلام، أصبحت العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية عدائية. كان المكان الرئيسي لمواجهة السلطة الفلسطينية مع إسرائيل هو المؤسسات الدولية. لكن هذه المواجهة مكلفة، ويرجع ذلك في الغالب إلى حقيقة أنها غير متماثلة. فالسلطة الفلسطينية لا تملك نفوذا كبيرا على إسرائيل، في حين يمكن لإسرائيل أن تفرض عليها تكاليف عقابية مالية وغير مالية من خلال حرمان الفلسطينيين من الموارد والفرص الاقتصادية.

ما الذي جعل السلطة الفلسطينية ضعيفة لدرجة أنها لا تستطيع ضمان احتكار القوة؟ الجواب يكمن في فقدانها للشرعية الانتخابية وغير الانتخابية. انتهت ولاية الرئيس في عام 2010، فحكم بعد ذلك لمدة 13 عاما دون تفويض شعبي. طوال هذه السنوات منع رئيس السلطة الفلسطينية إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية. ونتيجة لذلك، انخفضت ثقة الجمهور بحكومة السلطة الفلسطينية من 68٪ عند انتخابها لأول مرة في عام 2006 إلى 27٪ بحلول نهاية عام 2021. نسبة الاعتقاد بوجود فساد في مؤسسات السلطة الفلسطينية بلغت 86٪ خلال معظم العقد الماضي. وخلال الفترة نفسها، طالبت الغالبية العظمى من الفلسطينيين باستقالة الرئيس عباس. تبلغ نسبة المطالبة باستقالته اليوم 80٪[9]. وينظر الفلسطينيون الآن إلى السلطة الفلسطينية باعتبارها عبئا على الشعب الفلسطيني. الأغلبية ترى في استمرارها خدمة لمصلحة إسرائيل وترى في تفككها أو انهيارها خدمة لمصلحة الشعب الفلسطيني[10].

جاء فشل السلطة الفلسطينية في الأساس بسبب سياساتها الداخلية. في العقد الماضي، اتخذت السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية عدة تدابير قوضت بشدة الحكم الرشيد وألغت أي مساءلة ذات مغزى في النظام السياسي. وقد تضررت أربع مجالات بشدة: الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، واستقلال وتعددية المجتمع المدني ومنظماته، ووسائل الإعلام وحرية التعبير. بدون انتخابات عامة منذ عام 2006، كان الضرر الذي لحق بهذه المجالات الأربعة مدمرا: فقد تم حل البرلمان، والتضحية بسيادة القانون، وإضعاف القضاء وتضرر استقلاله، وتقليص الحريات الإعلامية إلى حد كبير، وتقليص مساحة عمل المجتمع المدني حيث فقدت منظماته الكثير من استقلالها عن الحكومة.

وتجدر الإشارة إلى أن العوامل الخارجية، كما هو الحال بالنسبة لإسرائيل، حاسمة أيضا. وباهتمام ضئيل أو معدوم من المجتمع الدولي، أصبحت السلطة الفلسطينية على مدى العقد الماضي، ولا سيما منذ الربيع العربي، أكثر جرأة في تجاهل قانونها الأساسي وسيادة القانون بينما تسعى إلى تعزيز سلطة الرئاسة والسلطة التنفيذية ككل وإضعاف جميع أطراف المعارضة، بما في ذلك معارضة المجتمع المدني. وخوفا من صعود الاسلاميين والإرهاب والحروب الأهلية، بدا المجتمع الدولي أقل اهتماما بالحكم الرشيد الفلسطيني. في مرحلة ما بعد الربيع العربي، أخذ التركيز على الاستقرار يحل محل الأجندة التقليدية للديمقراطية والحكم الرشيد.

ومع ذلك، فإن الاستبداد الفلسطيني نابع من الداخل. في وقت مبكر من عام 2007، عندما سيطرت حماس بعنف على قطاع غزة، زرعت البذور المبكرة للاستبداد في السياسة الفلسطينية. وقد أدى ذلك بالسلطة الفلسطينية بقيادة الرئيس عباس إلى اتخاذ تدابير فورية تجاهلت المتطلبات الدستورية وسيادة القانون. وجاء التنافس الداخلي داخل فتح بعد ذلك، مما أدى إلى صراع على السلطة كان من السهل فيه إلحاق المزيد من الضرر بسيادة القانون وحرية التعبير والتعددية في المجتمع المدني. لا يمكن تفسير السهولة المذهلة في حصول ذلك إلا بالطبيعة غير الديمقراطية للنخبة الفلسطينية الحاكمة. عدد قليل فقط من أعضاء النخبة الوطنية الراهنة هم ديمقراطيون حقا ويبدو أن النخبة الإسلامية أسوء من ذلك. وبدون الكوابح التي توجد عادة بين الديمقراطيين، وجدت البيروقراطية الفلسطينية العليا في السلطة التنفيذية نفسها خالية من أي رقابة أو مساءلة ذات مغزى. ومن دون قيود على قدرتها على الحكم كما تراه مناسبا، وجد أعضاء قيادة السلطة الفلسطينية، وأهمهم الرئيس ووزرائه، أنه من الأسهل أن يحكموا دون أن يزعجهم البرلمان أو المحاكم أو المجتمع المدني أو وسائل الإعلام.

من شبه المؤكد أن السلطة الفلسطينية لن تحسم أمرها تجاه القيام بخطوة قوية لمواجهة إسرائيل الجديدة، كبلورة إجماع وطني على حل الدولة الواحدة، أو قيادة حملة مقاومة شعبية سلمية واسعة النطاق، أو تبني استراتيجية دفاع مسلح في مناطق سيطرتها.  وإذا كان إجراء الانتخابات غير وارد في ظل الظروف الحالية، فينبغي اتخاذ خطوات لإبطاء أو إلغاء التدابير الاستبدادية التي اتخذتها السلطة الفلسطينية خلال العقد الماضي. بدعم عربي ودولي، يمكن بذل الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية مع حماس وجماعات المعارضة الأخرى التي يمكنها أن تعيد توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة. وباستثناء إجراء الانتخابات، قد يعهد إلى الحكومة الجديدة بأربع مهام. يمكنها أولا اعتماد أجندة تشريعية تسعى إلى تعديل المراسيم الرئاسية القائمة لجعلها متسقة مع القانون الأساسي الفلسطيني. ويمكن أن تكون استعادة دور القضاء المستقل هو الخطوة الحيوية الثانية لحكومة الوحدة الوطنية. ثالثا، يمكن لهذه الحكومة أن تزيل القيود المنهكة الحالية المفروضة على المجتمع المدني والصحافة مما قد يسمح لهما بالازدهار واستعادة القوة والحيوية التي فقداها خلال العقد الماضي. أخيرا، يمكن لحكومة الوحدة الوطنية أن تعيد الاحترام للحريات وحقوق الانسان وتضع حدا لتجاوزات الأجهزة الأمنية وتخضعها للمساءلة. وفي حين أن هذه التدابير قد لا تكون كافية لاستعادة الشرعية الكاملة للسلطة الفلسطينية وقيادتها، إلا أنها يمكن أن تساعد على استعادة بعض الثقة المفقودة في المؤسسات العامة والسماح للسلطة الفلسطينية باستعادة زمام المبادرة وبالتالي منحها الشجاعة لاتخاذ قرارات صعبة.

 

إلى أين؟

قد تؤدي الديناميات المذكورة أعلاه بالفعل لبدء حقبة جديدة في العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية. مع اقتراب آفاق السلام القائم على حل الدولتين من نهايتها، يدخل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الآن مرحلة جديدة، مرحلة قد لا يكون فيها تقسيم الأرض خيارا متاحا، وبذلك تأتي نهاية الدبلوماسية والمفاوضات، ويتحول اهتمام الجهات الفاعلة الآن إلى وسائل أخرى لحل الصراع. بالنسبة للإسرائيليين، يعني ذلك تعزيز بناء المستوطنات والخطوات لتغيير الوضع الراهن فيما يتعلق بالسيطرة والسيادة على الأرض والأماكن المقدسة من خلال إجراءات قانونية داخلية. أما بالنسبة للفلسطينيين فإن ذلك قد يعني العودة لاستخدام القوة.

سيجد الفلسطينيون والمجتمع الدولي صعوبة في الاعتراف بهذه الحقيقة. ومع ذلك، فهم ليسوا أغبياء، لكن ليس لديهم بديل لحل الدولتين قابل للتطبيق. كما أن السلطة الفلسطينية مهتمة تماما بالبقاء واستمرار دعم المانحين.  لهذين السببين ترتبط هذه السلطة بشكل وثيق بإسرائيل، وبالتالي لا يمكنها تحديها بشكل مباشر. وبدلا من اتخاذ تدابير ملموسة فعالة من جانبها لتغيير الظروف على أرض الواقع والتصدي للتدابير العقابية لإسرائيل الجديدة، تكتفي بدعوة المجتمع الدولي إلى القيام بذلك. وبالتالي، فإنها تواجه صعوبة بالغة في توجيه بوصلتها نظرا لتضارب مصالحها في وقت وصلت فيه إلى نقطة متدنية تاريخيا من حيث افتقارها إلى الشرعية والمصداقية في نظر جمهورها. ولكن مع ازدياد ضعفها، فقد تزداد احتمالات نشوب صراع عنيف مع إسرائيل.

لا يمكن للولايات المتحدة وبقية المجتمع الدولي إلا أن يدركوا أن العملية الجارية الآن لا يمكن أن تنتهي إلا بزوال حل الدولتين. ومع ذلك، فهم غير مستعدين لاتخاذ التدابير الفعالة الوحيدة لإجبار إسرائيل والسلطة الفلسطينية على الابتعاد عن طريق الصدام: إجراء الانتخابات للفلسطينيين، والالتزام، قولا وفعلا، بحل الدولتين لإسرائيل.

 

Arabic

This moment might prove to be a turning point in the Palestinian-Israeli conflict, perhaps as important as the one that unfolded 30 years ago and became known as the Oslo process. While it is difficult to assess the future outcome of the current dynamics, it does not look good for Palestine or Israel.

The near future will be shaped by the collision of two developments, one Palestinian and one Israeli. On the Palestinian side, the Palestinian Authority (PA) has now reached the point where it can no longer fully meet Israel’s security expectations in ensuring a “monopoly” over coercive force in areas under its control. This development is currently evident in the formation of armed groups led by young Palestinians in cities and refugee camps, most prominently in the northern part of the West Bank. On top of that, Palestinians strongly believe that it was the costs imposed on Israel during the first and second intifadas that convinced it to view a Palestinian state as an Israeli national interest. It is this belief in the utility of force that is now fueling the rise of armed groups in the West Bank.

On the Israeli side, a “New Israel” is emerging, one characterized by a national-religious ideology eager to push away the Secular Israel that Palestinians have known during most of the past 30 years of the Oslo agreement and assert Israel’s permanent control over the West Bank. The formation of the current Israeli right wing and extreme government, dominated for the first time in Israel’s history by mostly religious and national-religious political parties, is the clearest sign to date of the second development. In the “New Israel,” the national-religious coalition seems to take the Palestinian-Israeli conflict back to its existential roots.

This paper explores the conditions that have led to the current developments in Israel and Palestine, conditions that might lead to the anticipated collision, and how Palestinians and Israelis might be able to avert it. In the scenario of collision, the PA continues to lose legitimacy and the trust of its own people. It is weakened further by Israeli punitive measures and increased military incursions into the Palestinian territories. The combined effect could lead to reduced PA law enforcement capacity thereby generating increased security vacuum in parts of the West Bank and the resultant formation of new Palestinian armed groups willing to challenge both the PA security forces and those of Israel. As the Israeli army seeks to fill the vacuum, it further weakens the PA leading to a vicious cycle of violence and bloodshed. Last year was the most violent in Palestinian-Israeli relations since the end of the second intifada. The number of armed clashes[1] with the Israeli army has increased at least three times compared to 2021. Palestinian deaths in the West Bank alone stood at 146, the highest since 2005[2]. Israeli deaths stood at 31, the highest since 2008[3]. Settlers’ violent incidents against Palestinians stood in 2022 at 755 compared to 496 in 2021 and 358 in 2020.

Conditions could further escalate if in the midst of this cycle, Abbas becomes marginal or even departs the scene. The most probable outcome in this scenario, is increased anarchy in the West Bank that could be followed by an Israeli return to the reoccupation of parts or all of the occupied territories, as it did in 2002 in the midst of the second intifada. To avoid this outcome the PA needs to restore its legitimacy. Despite the low probability of this outcome under the current Palestinian leadership, the holding of parliamentary and presidential elections is the most critical and urgent remedial step without which the current dynamics cannot be stopped or mitigated.  For Israel, the most critical measure is to restore the viability of the two-state solution, a step the current Israeli government cannot take, which means only dramatic Palestinian action or external pressure can slow down the gradual demise of the two-state solution.  

 

Four features

Without Palestinian elections and the reversal of Israel’s efforts to consolidate its occupation and make it permanent, the next step in the escalatory process will most likely be the reoccupation of all or parts of West Bank urban areas. Given Israel’s experience with the 2002 reoccupation of the West Bank, the decision to do so in the near future might not be seen as too risky.

But the conditions that might be triggered by this anticipated Israeli reoccupation might be different than those prevailing back then in the aftermath of the Israeli occupation of Palestinian urban areas. Four main features of the current reality explain the difference between this scenario and that of 2002. The first is that the PA back then was still enjoying considerable legitimacy and support and was therefore able to maintain its capacity and restore control once the Israeli army pulled out. By contrast, the current PA, depending on the prevailing Palestinian domestic conditions during the reoccupation, might be deprived, partly or completely, of that capacity thus compelling the Israeli army to stay longer.

Secondly, while the Israeli governing coalition in 2002 was not at all interested in annexing, or even fully controlling, the entire West Bank, the current one is at least open to the idea of keeping its army in place or even annexing large parts of the West Bank. A new Palestinian-Israeli order would thereby be created, one that would replace the currently dying order created by the Oslo process.

Thirdly, in 2002 the international community, led by the US and the Quartet, made up of the US, Russia, the EU, and the UN, were still deeply involved in the Middle East and were willing to step in and provide a “Performance-based Road Map to a Permanent Two-State Solution to the Israeli-Palestinian Conflict.” That plan provided for a political process out of the raging violence. Under current conditions, particularly given the US withdrawal from the Middle East, the US and the international community are not likely to play any tangible role. The current efforts led by the US, Jordan, and Egypt to facilitate a Palestinian-Israeli de-escalation, as in the meetings in Aqaba and Sharm al Sheikh[4], seem too little too late to make a dent on the current escalatory dynamics.

Fourthly, while the Arab World was willing at that time to come together in an unprecedented manner and offer Israel its Arab Peace Initiative (API), a Saudi initiative that offered to permanently end the Arab-Israeli conflict that was endorsed by the Beirut Arab Summit in 2002, the Arab world is now much less interested in the Palestinian issue. Instead, it is focused on the regional threat of Iran. The Abraham Accords have shattered the API and contradicted its logic by offering Israel peace with Arab countries without necessarily ending its occupation or allowing the creation of a Palestinian state alongside Israel. While these accords might not expand under current conditions, it is highly unlikely that Israel or its Arab normalization partners would be interested in making the Palestinian-Israeli peace central to their efforts. The Negev Forum that joins these normalizers with Israel in facilitating economic and security cooperation already excludes the Palestinians. Even if the PA is invited to join the forum, it will find it impossible to do so in the absence of a commitment to restore Palestinian-Israeli negotiations on the basis of API, a condition that will most likely be rejected by Israel and the Arab normalizers. The end result is that the PA will continue to be unable to find the means to regain Arab political or financial support

As these two developments described above begin to collide, US efforts, and those of the rest of the international community and the main regional Arab players, are currently restricted to encouraging de-escalation. These efforts are not interested in addressing the dynamics that have gradually generated the new developments. They will therefore fail. It is true that all international players seem to endorse the two-state solution that leads to the creation of a viable Palestinian state alongside Israel. But no one is willing to take effective measures to make it a reality; the support, therefore, is empty rhetoric. 

To understand the reason behind the expectations of failure, one needs to understand the nature of the dynamics that produced the two developments: what brought us to this point, and the long-term implications.

 

The birth of the “New Israel”

What characterizes the New Israel in addition to the dominance of religious-nationalist forces is the rejection of the two-state solution and any engagement with the Palestinians in peace negotiations based on that solution. It is also characterized by a de facto creeping annexation, one that is gaining momentum driven by policies of the new government and that will soon be further facilitated by the weakening of the Israeli judiciary. The religious agenda of New Israel could undermine and eventually destroy the status que in holy places in Jerusalem. The New Israel is showing greater determination to impose punitive measures against the PA due to the latter’s international campaign against Israel. In February 2023, the new Israeli finance minister doubled the amount of the Palestinian monthly custom revenues Israel normally withholds, by directing an additional $40 million to the families of Israeli victims of Palestinian attacks in a punitive measure against the PA’s international campaign against Israel.[5]  In doing so, the minister, Bezalel Smotrich, leader of the Religious Zionist Party, made it clear that he has no interest in the continued existence of the PA. The inevitable outcome is that the current weakening of the PA will accelerate.

Three external factors contributed to the current development over a period of almost 15 years, giving Israel’s right wing and national-religious extremism room to grow and rule. The first was the failure of the US to use leverage on the newly created right-center coalition government led by Netanyahu in 2009, when the Palestinian leadership was still enjoying popular legitimacy and hence was still capable of making peace. The Obama Administration did pressure Israel to freeze settlement construction, but it did nothing to press Netanyahu to continue the so-called Annapolis process that was initiated more than a year earlier by the Bush Administration. In the contest between Obama and the Israeli prime minister, it was Netanyahu who managed to demonstrate that Israel had at least parity in the bilateral relations and that Israel, in fact, had significant leverage over the US administration.

Then came the perception of invincibility.  Donald Trump’s four years in office gave Israel’s right-wing polity and public the perception that their state can do whatever it wants without regard to international law or the most vital interests of the Palestinians. By mid-2020, support among Israeli Jews for the annexation of parts of the West Bank, such as the Jordan Valley, exceeded half, standing at more than 70%[6] among right wing voters. Support for the two-state solution among Israeli Jews dropped from 51% in mid-2016, before Trump took office, to 42% by August 2020, just before the end of the Trump term in office; a 9-point drop[7].

Then came the greatest temptation. Before Trump left office, Arab regional players, pushed by perceived regional threats and pulled by Israeli successes and Palestinian impotence, rewarded Israel with normalization of security and economic relations. Why make concessions to the Palestinians if the fruits of Arab-Israeli peace can be gained without having to pay a price. Arab normalization contributed to the ongoing weakening of secular Israel and the empowerment of the national-religious one. After two years of Arab normalization, by December 2022, Israeli Jewish support for the two-state solution dropped further to just one third; another 8-point drop in just two years, and just 14% among right wing voters. Support for a single state in entire area of historic Palestine where Jews enjoy full rights and Palestinians enjoy partial rights received more support than the support for the two-state solution, 37% and 34%[8] respectively.

Domestically, in addition to the gradual shift to the right in Israeli political life, a process that started in 1977, perhaps the first and most critical contribution to the making of national-religious Israel was the trend that started in 2009 and consolidated in 2015, by which religious and extreme national-religious groups, allied themselves in government coalitions solely to Netanyahu and his right-wing Likud party. To take full advantage of his coalition making gains, the secular Netanyahu needed to appease and legitimize the most extreme fringe thus making them mainstream. In 2022, he made efforts to help small extremist parties to join forces, most importantly those represented in the electoral list of Religious Zionism and its allies from Otzma Yehudit and Noam party, so that all of them would be able to pass the electoral threshold. Then came Netanyahu’s personal legal problems. His corruption trial forced him in late 2022 to form a coalition with only those who could allow him to restructure the Israeli judiciary and weaken its independence.

Given these developments, it goes without saying that the current national-religious Israel can be expected to only take additional measures that would accelerate the demise of the two-state solution rather than saving it.   To save it, the Palestinian leadership would have to prepared to take confrontational measures that could risk the collapse of the PA, a step the current leadership will most likely insist on avoiding. Alternatively, the PA leadership could seek Arab and international support for steps that might make it more difficult for national-religious Israel to completely destroy what remains of the two-state solution. With US and EU support, it could coordinate its own policy with the Arab countries interested in normalizing relations with Israel, such as Saudi Arabia and others. Additional normalization could be conditioned on concrete Israeli quid pro quo, such as an Israeli withdrawal from most of area C, greater PA jurisdiction  in areas of its current control, opening area C for Palestinian economic activities, and the construction of a PA-controlled corridor linking the West Bank and the Gaza Strip. None of these measures will be acceptable to the current Israeli government without a strong and unified Arab and international stand, highly unlikely under current conditions and the lack of focus on the Palestinian-Israeli issue.

 

Palestinian failures

What characterizes Palestinian recent developments in addition to the growing inability to maintain monopoly over coercive force is an inability to organize elections or reunify the West Bank and the Gaza Strip. In the absence of a peace process, Palestinian-Israeli relations became hostile. The main venue for PA confrontation with Israel has been international institutions. This confrontation is costly, mostly due to the fact that it is asymmetric; the PA has little leverage over Israel while Israel can punitively impose financial costs on it by denying the Palestinians resources and economic opportunities.

What made the PA so weak that it cannot ensure monopoly over force? The answer lies in its loss of legitimacy, electoral and non-electoral. The term of the president ended in 2010. He ruled for 13 years without a popular mandate. For all these years the PA president has prevented the holding of parliamentary and presidential elections. As a result, public trust in the PA government declined from 68% when it was first elected in 2006 to 27% by the end of 2021. Perception that corruption exists in the PA institutions went as high as 86% for most of the past decade. During the same period, the vast majority of Palestinians demanded the resignation of president Abbas[9]; demand for his resignation stands today at 80%. Palestinians now view the PA as a burden on the Palestinian people; a majority views its continued existence as serving the interests of Israel and views its dissolution or collapse[10] as serving the interest of the Palestinian people.

This PA failure came mostly from its own internal dynamics. In the past decade, the PA in the West Bank has taken several measures that have severely undermined good governance and eliminated any meaningful accountability in the political system. Four areas have been severely damaged: the separation of power, the independence of the judiciary, the independence and pluralism of civil society and its organizations, and the media and freedom of expression. Without general elections since 2006, the damage inflicted in these four areas was destructive: the parliament was dissolved, rule of law has been sacrificed, the judiciary has been weakened and its independence damaged, media freedoms have been highly curtailed, and the space for civil society has significantly shrunk as its organizations lost much of its independence from the government.

It should be pointed out that, as the case with Israel, external factors were also critical. With little or no attention from the international community, the PA had over the last decade, particularly since the Arab Spring, become bolder in ignoring its own Basic Law and rule of law while seeking to strengthen the power of the presidency and the executive as a whole and to weaken all opposition, including that of civil society. Fearing Islamism, terrorism, and civil wars, the international community seemed much less interested in Palestinian good governance. A post Arab Spring a focus on stability was replacing the traditional agenda of democracy and good governance.

Nonetheless, Palestinian authoritarianism is home grown. As early as 2007, when Hamas violently took over control over the Gaza Strip, the early seeds of authoritarianism in Palestinian politics were planted. It led the PA under Abbas to take immediate measures that sacrificed constitutional requirements and rule of law. Internal rivalry inside Fatah came next, leading to a power struggle in which further damage to rule of law, freedom of speech, and pluralism in civil society was easily done. The reason it was easy can only be explained by the non-democratic nature of the ruling Palestinian elite. Only few of the members of the secular nationalist elite and almost none of the Islamist elite are truly democratic. Without the brakes normally found among democrats, the senior Palestinian bureaucracy in the executive branch found itself free of any meaningful oversight or accountability. Without restrictions on its ability to rule as it saw fit, members of the PA leadership, most importantly the president and his ministers, found it easier to rule without being bothered by a parliament, courts, civil society, or the media.

The PA will almost certainly not embrace a strong or decisive stance in confronting the new national-religious Israel, such as forging a national consensus on a one-state solution, leading a large-scale peaceful popular resistance campaign, or adopting an armed defense strategy in areas under its control. Similarly, holding elections under current conditions might also be out of the question. If so, perhaps steps should be taken to slow down or reverse the authoritarian measures the PA has taken during the past decade. With Arab and international support, efforts could be made to form a national unity government with Hamas and other opposition groups that could reunify the West Bank and the Gaza Strip. Short of holding elections, four tasks might be entrusted in the new government. It could adopt a legislative agenda that seeks to amend existing presidential decrees to make them consistent with the Palestinian Basic Law. The restoration of a truly independent judiciary could be a second vital measure for the national unity government. That government could also remove current debilitating restrictions on civil society and the media allowing them to prosper and regain the strength and vitality they had lost during the past decade. Finally, the national unity government could restore liberties and respect for human rights and put an end to the excesses of the security services and bring those services to accountability. While these measures might not be sufficient to restore full legitimacy to the PA and its leadership, it could help to restore some of the lost trust in public institutions and allow the PA to regain the initiative thereby giving it the courage to make difficult decisions.

 

Where to?

The dynamics described above might usher in a new era in Palestinian-Israeli relations. With the prospects for peace based on a two-state solution coming to an end, the Palestinian-Israeli conflict enters a new phase, one in which partition of the land might no longer an option. With that comes the end of diplomacy and negotiations. Attention of the actors now shifts to other means of resolving the conflict. For the Israelis, this means consolidated settlements construction and domestic legal steps to change the status quo regarding control and sovereignty over the land and the holy places. For the Palestinians, it could mean a return to the use of force.

The PA and the international community will find it difficult to acknowledge this reality. Nonetheless, they are not stupid; they just have no viable alternative. The PA is interested in survival and continued donor support.  For that, it is highly dependent on Israel and therefore cannot directly challenge it. Instead of taking effective concrete measures of its own to shape conditions on the ground and counter the punitive measures of the new Israel, it is content with calling upon the international community do so. Thus, it is faced with navigating its conflicting interests at a time when it is at a historically low point in terms of legitimacy and credibility in the eyes of its own public. As it becomes weaker the prospects for a violent conflict with Israel increases.

The US and the rest of the international community cannot but realize that the process that is now ongoing can only end in the demise of the two-state solution. Nonetheless, they are unwilling to take the only effective measures to force Israel and the PA to turn away from the path of folly: elections for the Palestinians and a commitment, in words and deeds, to the two-state solution for Israel. 

English

The results of the recent Israeli elections last November led to a fundamental change in the Israeli political and partisan map, with the right and the extreme right winning a majority in the Knesset of 64 seats out of 120. This victory allowed Benjamin Netanyahu's Likud party to form the government in coalition with the "Religious Zionism" list, which includes the three most radical and racist Israeli parties, and with the religious fundamentalist movements "Shas" and "United Torah Judaism." This government is the most right-wing and extreme government in Israel's history. For the first time, the "Religious Zionism" movement won a large number of seats and became, with its fourteen members of the Knesset, the third list in the parliament. This victory gave its leaders Bezalel Smotrich, leader of the "Religious Zionism" party, Itamar Ben-Gvir, head of the "Jewish Power" party, and Avi Maoz, leader of the "Noam" party, the power to dictate their conditions to Netanyahu so that he could establish a stable government. The price that Netanyahu has paid will be at the expense of the Palestinians primarily and at the expense of the image and nature of Israel, its political system, and certain sectors of the Israeli society.

The current composition of the government undoubtedly demonstrates that it will work against any Palestinian aspiration for an independent state in the immediate and long-term. The Likud party and its leader, Netanyahu, embrace the principle of "conflict management" and "economic peace" contained in the Trump’s “Deal of the Century," which was originally drafted in full harmony with the position of Netanyahu and the Israeli right. Netanyahu completely rejects the withdrawal to the 1967 borders, and refuses to divide Jerusalem or "give up" any part of it on the grounds that "full and united Jerusalem is the capital of Israel," as stated in the Nation-State Law enacted by the Knesset in 2018. He wants to impose Israeli sovereignty over the Jordan Valley and the settlements in the West Bank, while retaining in Israel's hands full and absolute security control over all of historic Palestine. The Likud and the current government reject the return of any Palestinian refugees within Israel's borders, and consider Arab countries responsible for them. In conclusion, the Likud and the government consider that the conflict is not over part of historic Palestine, but over all of it, and that it is an existential conflict, not just over borders.

The tripartite "religious-Zionist" list is more hardline than the Likud, rejecting any political process that allows the establishment of a Palestinian state that its electoral platform calls a "state of terror." It wishes to "impose Israeli sovereignty over all areas of the Land of Israel," or historic Palestine.

In reality, we are dealing with an extreme right-wing government that engraves on its banner the killing of the idea of a political settlement based on the two-state solution on the borders of the fourth of June 1967. Instead, it will seek with all its strength to permanently block this idea. All the coalition parties, especially the trio of Netanyahu, Smotrich and Ben Gvir, do not even support maintaining the bad status quo as it is, but will escalate things further. They certainly pose a grave and immediate threat to Palestinian national rights and aspirations.

This paper aims to shed light on the changes taking place in the Israeli policy towards the Palestinian-Israeli conflict after the formation of the new government, the extent of its threat and impact on the reality in the Palestinian territories and on the overall national cause. But it mainly addresses what Palestinians can and should do to avoid the risks resulting from the developing threat and preserve national rights. It takes into consideration the magnitude of the domestic Israeli, regional and international opposition to the fledgling government's policy. 

Fundamental changes in Israel’s political system:

The coalition agreements signal the birth of a "new Israel," one that is more extreme, racist and obscurantist and far removed even from the democracy that Israel used to claim for itself in front of Western societies. The agreement with Ben Gvir stipulates that he will take over the Ministry of Public Security with broad powers renaming it the "Ministry of National Security." It includes control over the Green Police, Green Patrols, the Law Enforcement Authority on the Territories, and the "Border Guard" unit operating in the West Bank, which is normally under the responsibility of the Central Command of the occupation army. It allows the establishment of a large national guard. His party holds the Ministry of Development of the Negev and the Galilee, to which was added “national immunity,” with an annual budget of 2 billion shekels. The Directorate of Planning under his party’s control is responsible for the "normalization" of settlements; i.e., placing them under the control of the various relevant ministries rather than the army and the defense ministry. The Ministry of Heritage is responsible for all archaeological sites in Israel, as well as those in the West Bank. It was also agreed to enact a law repealing the "disengagement" law and to legalize the settlement of Homesh, which was dismantled and recently returned to by settlers. Other settlements outposts will be legalized, including Avitar, located on Beita village, and more than 60 other outposts they call "Young Settlements" belonging to the "Hilltop Youth" gangs.

Then came the agreement with Smotrich's "Religious Zionism" party to take over as alternate finance minister, the Ministry of Immigration and Absorption and the Ministry of National Missions. A minister from his party will be placed at the Ministry of Defense and will be responsible for the Civil Administration as well as “Office of the Coordinator” in the Palestinian territories, the Settlement Brigade, the National Service and the Preparatory Schools for the army thereby removing them from the responsibility of the army. The minister in charge of all these missions will be in direct coordination with the prime minister. The party holds the chairmanship of the Special Committee on the Constitution, Law, the Judiciary and the Religious Service. He will also chair the Reform Committee that leads the judiciary reform.

Thus, Smotrich can in effect implement his annexation program by transferring the powers of the Civil Administration out of the Ministry of Defense to the civilian departments of the government, so that the settlements are placed outside the responsibility of the army and treated as areas located inside Israel. In this case, Israeli law would apply to them, which means a silent or "de facto" annexation that Smotrich urges. In other words, the settlement enterprise and creeping annexation will proceed at a rapid pace.

The coalition agreements that enabled Netanyahu to establish his government are tied to the enactment of new laws and the amendment of others, including basic laws. The so-called “Smotrich Law” allows him to separate the Civil Administration and supervise the settlers and the areas they occupy, i.e. a large part of Area C, from the Ministry of Defense and place them under his supervision and the responsibility of the Prime Minister. This could Include the appointment of the head of the Civil Administration and the head of the Coordination office.

The new laws and coalition agreements that inform the government's platform have significant implications for the nature of Israel's political system. The platform reflects an extreme racist ideology that rejects the idea of a political settlement. One of the most important paragraphs of the government's program states that “the Jewish people have an exclusive and unquestionable right to all areas of the Land of Israel. The government will promote and develop settlement in all parts of the Land of Israel — in the Galilee, the Negev, the Golan, Judea and Samaria." This provision does not at all observe the existence of the Palestinian people or any of their rights, does not abide by any agreement or any of the provisions or norms of international law, including those governing the role and powers of the occupying power. Instead, it will seek a silent de facto annexation of Jewish settlements in the West Bank. Nor does it care about the status of the Palestinian Authority (PA) or even the possibility of its collapse. It does not give weight to coordination with the PA or cooperation with it in solving problems on the ground. 

What would a Palestinian confrontational strategy look like?

The Israeli government's program and the coalition agreements that were implemented even before the government took the oath of allegiance in parliament do not allow any room for the Palestinians to cooperate with this government, appease it, or be patient with it. It has become clear that the Palestinians cannot deal with the new government like its predecessors or continue Palestinian-Israeli coordination. This government undermines all the foundations of Palestinian-Israeli relations and poses a threat to Palestinian national rights and interests.  It is natural that we should define our relationship with the Israeli Government on the basis of Palestinian interests. In this context, it seems only logical that we should be in a clash with this government. This conclusion is derived from the fact that the aggressive and destructive policies of the new government leave no room for any other alternative. The new government seeks to destroy all the foundations and possibilities of a peaceful solution and a political settlement of the conflict on the basis of the two-state solution on the borders of June 1967. We are in fact in a race against time. The changes that could occur on the ground, politically and legally, will be irreversible over time.

The inevitable confrontation with the Israeli government's policy and aggressive measures should take place within the framework of careful Palestinian planning and creative initiatives. It should go beyond the usual demands and appeals addressed to the international community and various other parties. We cannot afford to waste more time and maintain a waiting policy. We must take the initiative. Such an initiative should be built around the following ten steps that should constitute the Palestinian response to the new Israel.

First, we urgently need the Palestinian leadership in the PLO, and President Mahmoud Abbas in particular, as well as the leadership of Hamas, to take a definitive decision to begin the process of building national unity.  All Palestinian forces are required to agree on a joint program based on the demand of expelling the occupation and establishing an independent Palestinian state on the borders of June 1967.  Disagreement over tactical issues should have by now  narrowed to the farthest extent. Unity could begin by activating the PLO's “interim leadership” framework, which includes all factions as well as the PLO Executive Committee and some independents, to reassure Hamas that it is part of the unified political reaction of the Palestinian people until legislative elections are held and the Palestine National Council is reconstituted. A national unity government could be formed and it could start its work by preparing for general elections. In order to increase flexibility and create an atmosphere of trust between the various parties, the separation between the legislative and presidential elections may be acceptable to the Fatah leadership, meaning that no date is set soon for the election of the president, and to give a chance for unity within the framework of the legislative body and the government. This gradual unfolding of the election process is wise given the prevailing concern about the candidacy of Marwan Barghouti against President Mahmoud Abbas.

Second, we must break free from the shackles of Oslo, which no longer exists in the Israeli government's program. The announcement of the suspension of compliance with some of the obligations of Oslo that Israel cares about is consistent with the decisions of the Palestinian Central Council, such as the cessation of security coordination that has already been announced, which must be adhered to in full. Consideration should also be given to the transformation of the current PA, the one created by Oslo, to a PLO-led government of the State of Palestine in order to rehabilitate that organization, which must be reconstituted and activated as a result of a general election.

Third, we must call upon the Arab League to reemphasize the Arab Peace Initiative and to urge the Arab states to stop normalization with Israel in the light of its violation of international agreements. In this context, it is necessary to restore coordination and alliance relations with Arab countries within the framework of the League, with a special focus on influential Arab countries that are more closely tied to the Palestinian cause, such as Egypt, Saudi Arabia and Jordan, in order to ensure the return of Arab financial and political support for the Palestinian people. This component of the Palestinian initiative can be built on the tripartite summit held in Egypt between President Abdel Fattah Al-Sisi, King Abdullah II, and President Mahmoud Abbas on 17 January 2023. The Palestinian leadership must do everything possible to restore Arab solidarity and unify the Arab position in support of the Palestinian cause on the basis of the Arab Peace Initiative. Encouraging in this context is the Saudi position that rejects normalization with Israel as long as there is no real progress towards the establishment of an independent Palestinian state.

Fourth, the PA must embark a large-scale international diplomatic campaign to secure international recognition of the State of Palestine on the borders of June 1967. The real international response to Israel's annexation measures should be to confirm the recognition of the State of Palestine as a full member state under occupation and to stop unilateral Israeli measures in the occupied Palestinian territories. This should be taken in the context of the General Assembly resolution 19/67, which recognizes the State of Palestine as a non-member state of the United Nations. Security Council resolution 2334 sets a clear and unequivocal boundary between the occupied territories within the 1967 borders and Israel and considers everything Israel is doing in the occupied territories illegal and contrary to international law. This should be done despite the fact that UN resolutions remain unfortunately symbolic and do not rise to the level of actual pressure on Israel. It should be noted that some countries and private companies boycotted settlements based on such international decisions and resolutions. In this context, it is important to recruit support for this effort from the Palestinian and Arab diaspora communities.

Fifth, we should appeal to all international organizations concerned with the conflict, including human rights organizations, and focus in particular on the Human Rights Council, the International Court of Justice (ICJ) and the International Criminal Court (ICC), to issue political and legal positions against the Israeli occupation and its violations and to prosecute Israel and its political and security leaders for the crimes they commit against the Palestinian people.

Sixth, we must implement the decision of the Palestinian Central Council to freeze recognition of Israel and to link such recognition to an Israeli recognition of the right of our people to an independent state in the territories occupied since 1967, including East Jerusalem. Such a position represents an important moral step, a new political basis for dealing with the occupying authorities and a ground for future political negotiations. Most importantly, the Palestinian leadership must adapt to the difficult and painful reality that will most likely emerge, including enduring sanctions that Israel has begun to talk about simply for going to the ICJ to demand a legal advisory opinion on the continued Israeli occupation in the Palestinian territories.

Seventh, the Palestinian initiative should take advantage of the contradiction that has begun to appear in public between the position of the US administration and that of the new Israeli government. In particular, we should pay clear attention to the US warnings against any Israeli policy that may undermine the two-state solution and the US opposition to the policy of settlement expansion. This US position was evident in Secretary of State Antony Blinken's speech at the conference of the moderate Jewish organization, J Street, in Washington on 4 December 2022. We should also take note of the apparent contradiction between a large portion of the Jewish community in the US and the Netanyahu government on political matters related to annexation in the West Bank and on domestic issues related to religious imposition and undermining the foundations of democracy and liberalism in Israel. Moreover, we must work intensively in the American arena through those bodies in charge of the American file as well as the Palestinian, Arab and Islamic diaspora communities. We need to develop relations with the members of Congress of Palestinian and Arab descent to influence the position of the US Administration and Congress and provide mechanisms that could allow for American pressure on Israel, and in international forums.

Eighth, we should work intensively in the Israeli arena, capitalize on the unprecedented internal division in Israel, and coordinate intensively with the opposition to Netanyahu and the Palestinian citizens of Israel to contribute to the mobilization of the Israeli public opinion against the government and its policies. These policies pose a threat to the entire region, including Israel. The goal should be to generate popular pressure on the government to stop the process of annexation and settlement expansion. Twenty human rights organizations in Israel have warned against the annexation policy that the Israeli government intends to implement, out of interest in maintaining the State of Israel as a "Jewish" state, that is, with a large Jewish majority. Moreover, 10 Israeli organizations have expressed willingness to cooperate with international bodies to criminalize this Israeli annexationist policy.

Ninth, the Palestinian factions and popular forces must develop mechanisms and programs of large-scale non-violent popular resistance to allow for significant popular participation in hindering and disrupting the settlement program. We saw examples of this resistance in Beita and in the face of the threat of forced evacuation of Khan al-Ahmar and in the previous examples such as the village of Bab al-Shams. Since a majority of settlers comes to the occupied territories to obtain economic privileges, disrupting their daily life should be our goal. In this context, cooperation can be made with Israeli organizations that oppose the policy of annexation and settlement construction and support the rights of the Palestinian people.

Tenth, we should design a Palestinian development plan that aims at strengthening the steadfastness of the Palestinian citizens on their land, especially in Area C, which will be targeted more than ever. This plan should provide farmers and Bedouins with the means of resilience and survival, such as access to water, energy and animal feed. It should propose projects for land reclamation and cultivation, especially in the Jordan Valley, and provide financial incentives, whether by the government or international donors in cooperation with the government.

These are the main components of a Palestinian confrontational strategy based on on-ground activities as well as political and diplomatic offensives that seek to reshape the current relationship with the occupation authorities. The strategy aims to build on the PA decision to suspend security coordination. But it is not restricted to PA efforts. Factions, political parties, popular organizations, and civil society organizations, should join forces to carry out this national confrontational strategy.

English

مقدمة:

شكلت نتائج انتخابات مجلس الطلبة في جامعة بيرزيت التي جرت في ايار 2022 صدمة لدى مؤيدي ومناصري حركة فتح بعد الخسارة الفادحة التي منيت بها حركة الشبيبة الطلابية حيث حصلت على 18 مقعدا، من أصل 51 ، مقابل 28 مقعدا للكتلة الاسلامية و5 مقاعد للقطب الطلابي. كانت هذه النتائج صادمة لفتح لما للانتخابات الطلابية، وخاصة في جامعة بيرزيت، من أهمية لما تمثله في مسيرة الحركة الوطنية. وكانت صادمة لكون طلاب هذه الجامعة أكثر من غيرها من الجامعات يمثلون مختلف المناطق والطبقات والتيارات، ما يجعل الانتخابات فيها تعكس مؤشرًا عامًا لمواقف وسلوك الشباب الفلسطيني المتعلم. وفوق كل ذلك، فإن لجامعة بيرزيت أهمية خاصة في العملية الديمقراطية لأن هذه الجامعة شكلت منارة للعملية الديمقراطية بالمحافظة على تقاليد ديمقراطية طوال السنوات السابقة التي حُرم فيها الفلسطينيون من الانتخابات، حيث تعقد فيها الانتخابات بشكل سنوي الا في بعض السنوات نتيجة ظروف قاهرة وخاصة (العاميين 20/21، 21/22 نتيجة انتشار جائحة كورونا).  

جاءت هذه الانتخابات في ظل غياب شبه تام للحياة الديمقراطية عن الاراضي الفلسطينية منذ عام 2006 حينما جرت الانتخابات التشريعية، وكانت الانتخابات الرئاسية قد سبقتها بعام. وكانت قد جرت في وقت سابق من العام الحالي (اذار) ونهاية العام الماضي (كانون أول) انتخابات الهيئات المحلية في الضفة الغربية فيما تعذر اجرائها في قطاع غزة بسبب رفض حركة حماس السماح بذلك.

خلفية:

شهدت السنوات الخمس الماضية تقدما للكتلة الاسلامية على حساب منافستها الرئيسية، قائمة الشبيبة الطلابية، دون قدرتها على تشكيل مجلس الطلبة لوحدها، وفي الانتخابات التي سبقت اغلاق الجامعة بسبب جائحة كورونا كانت الشبيبة قد تساوت في عدد المقاعد مع الكتلة الاسلامية في الانتخابات التي جرت في 2019-2020. والشكل التالي يبين ذلك.

 

الشكل رقم (1) توزيع مقاعد مجلس الطلبة في جامعة بيرزيت في السنوات الخمس الماضية

 

ومن الملاحظ أن الشبيبة فازت في جميع انتخابات بيرزيت التي جرت بعد سيطرة حماس على قطاع غزة حتى العام 2015؛ حيث حصلت الشبيبة في العام 2008 على 25 مقعدًا مقابل 19 مقعدًا للكتلة الاسلامية، وفي العام 2009 على 24 مقعدًا مقابل 22 للكتلة الاسلامية، كما حصلت في العامين 2010 و2011 على 31 مقعدًا و29 مقعدًا في ظل مقاطعة الكتلة الاسلامية للانتخابات خلال هذين العامين، وحصلت في العام 2012 على 26 مقعدًا مقابل 19 مقعدا للكتلة الاسلامية، وحصلت على 23 مقعدًا في العامين 2013 و2014 مقابل 20 مقعدًا للكتلة الاسلامية.[1]  وخلال العامين الذي قاطعت فيه الكتلة الاسلامية الانتخابات انخفضت نسبة المشاركة في الانتخابات من 85% في عام 2009 إلى 58% و50%، ومن ثم عادت للارتفاع مجددا لتصل الى 75% في العام 2012. ويلاحظ ان معظم الاصوات التي كانت تذهب للكتلة الاسلامية امتنعت عن الانتخاب، وأدى ذلك الى انخفاض الاصوات للمقعد الواحد من 117 صوتاً في 2009 الى 71 صوتاً في انتخابات 2010.[2]

فتحت نتائج انتخابات بيرزيت النقاش حول الأسباب وراء خسارة حركة فتح على الرغم من امتلاك الحركة قاعدة شعبية قد تكون الأكبر في الضفة الغربية، او على الأقل المتقاربة مع حركة حماس،  وذلك كما تشير نتائج استطلاعات الراي التي يجريها المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية.[3] وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن تفسير خسارة حركة فتح لهذه الانتخابات بهذا الفارق الكبير بالرغم من امتلاكها القاعدة الانتخابية الاكبر؟ 

تحاول هذه الورقة تسليط الضوء على الاسباب المختلفة لخسارة حركة الشبيبة الطلابية ولفوز الكتلة الاسلامية وتقديم التوصيات المناسبة لأطراف العمل السياسي ذوي العلاقة بهذه النتيجة.

النتائج واسبابها:

تنحصر خسارة حركة الشبيبة الطلابية وفوز الكتلة الاسلامية بمجموعة من الاسباب، أبرزها التالية:

  1. أخطاء السلطة الوطنية الفلسطينية
  2.  أخطاء حركة فتح
  3.  مشاكل داخل الشبيبة الطلابية
  4. قوة جذب حركة حماس
  5. تدخلات الاحتلال الإسرائيلي يخدم المعارضة للسلطة

 

1) أخطاء السلطة الفلسطينية

قامت السلطة الفلسطينية خلال الاعوام الماضية باتخاذ مجموعة من الإجراءات التي أضرت بطبيعة نظام الحكم الذي كان القانون الأساسي ومجموعة أخرى من القوانين الرئيسية قد أرسته في فلسطين. فقد تم إلغاء المساءلة والمراقبة على عمل الرئيس والحكومة، وأُضعفت السلطة القضائية وهُدد استقلالها.[4] وقد شهد العام السابق لانتخابات بيرزيت عدة أحداث ساهمت في خسارة الشبيبة منها تأجيل الانتخابات العامة (التشريعية والرئاسية) والتي كان من المقرر اجرائها في ايار وتموز من العام الماضي 2021، وموضوع لقاحات فايروس كورونا وما شابها من لغط، ومقتل الناشط نزار بنات اثناء اعتقاله من قبل اجهزة الامن الفلسطينية، اضافة لتقرير ديوان الرقابة المالية والادارية حول صندوق وقفة عز، ومستشفى خالد الحسن لأمراض السرطان، وغير ذلك من القصص الاشكالية التي شغلت الرأي العام الفلسطيني.  هناك اجماع شبه تام، سواء من قبل الطلاب او أساتذة الجامعة او الجمهور بشكل عام او والخبراء في الأوضاع السياسية الفلسطينية، ان سلوك السلطة السيء والانطباعات عنه كان السبب الرئيسي في خسارة حركة فتح.[5] يجمع طلاب الجامعة الذين أجريت معهم مقابلات (14 مقابلة) خاصة بهذا الموضوع، وهم من مختلف الأطر الطلابية، ان سبب الخسارة للحركة هو سلوك السلطة ومعاقبة الطلاب للشبيبة الطلابية على سلوك السلطة. تقول احدى طالبات جامعة بيرزيت ممن صوتوا للكتلة الاسلامية إن السبب الرئيسي لتفوق الكتلة الاسلامية هو الربط بين أفعال السلطة السيئة في الآونة الأخيرة، مثل مقتل نزار بنات وغيرها، وبين حركة الشبيبة. وتقول طالبة أخرى إن هذا التحول في مواقف الطلاب لم يحدث في سنوات سابقة لأن إجراءات السلطة السيئة زادت بشكل ملحوظ، كما أن وعي الطلاب على هذه الإجراءات أصبح اكبر بكثير من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ومجموعات الطلبة المنظمة التي أصبحت اكثر فعالية ونشاط مقارنة بالسنوات السابقة.  وتقول طالبة جديدة في الجامعة إن الطلاب داخل الجامعة لا ينظرون بشكل رئيسي لنشاطات الكتل داخل الجامعة ولكن ينظرون الى الوضع السياسي في الخارج، وبما ان السلطة واجراءاتها وخاصة في الفترة الأخيرة تعطي انطباعاً سيئاً لدى الطلاب فقد أدى ذلك الى عدم التصويت للشبيبة.

وتقول احدى الطالبات ان السبب الرئيسي في فوز الكتلة الإسلامية هو أفعال السلطة والتوجه العاطفي لدى الطلاب لمعاقبتها وهم يعتبرون ان فتح هي السلطة، وبالتالي لم يصوتوا لفتح رغم أن الكثير من الطلاب الذين نعرفهم ينحدرون من أسر جميعها مؤيدة لفتح ولكنهم صوتوا لحماس بسبب موقفهم من السلطة.

كما يؤكد ذلك أساتذة الجامعة الذين شهدوا الانتخابات خلال سنوات مختلفة. فمثلا، تقول د. مي، وهي محاضرة في جامعة بيرزيت وكانت قد درست البكالوريوس والماجستير في جامعة بيرزيت (أي انها عاشت في الجامعة كطالبة ومحاضرة). إنه لا شك أن هذه الطفرة في نتائج الانتخابات جاءت كعقاب لسلوكيات السلطة انعكس على حركة فتح وبالتالي على الشبيبة في الجامعة.

كما ان اغلبية من الجمهور الفلسطيني تنظر لحركة الشبيبة من نفس المنظور. أظهرت نتائج استطلاع للرأي العام أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية بعد ظهور نتائج انتخابات جامعة بيرزيت أن 59% يرون أن سبب فوز الكتلة الاسلامية هو احتجاج من الطلاب على اداء السلطة الفلسطينية، فيما يرى 32% من الجمهور الفلسطيني أن سبب الفوز هو تحول لدى الشعب الفلسطيني نحو المزيد من تأييد حماس.[6] ترتفع نسبة من يعتقدون ان فوز الكتلة الاسلامية يعود لسوء أداء السلطة بين من سيصوتون لحركة فتح في انتخابات تشريعية لو حصلت اليوم حيث يقول 70% منهم بذلك، كما يوضح الشكل التالي.

 

الشكل رقم (2) أسباب فوز الكتلة الاسلامية في انتخابات جامعة بيرزيت في نظر الجمهور الفلسطيني (استطلاع رقم 84، حزيران/يونيو 2022)

 

 

من المفيد في هذا السياق النظر في مواقف الشباب الفلسطيني عموما من السلطة الفلسطينية. تشير نتائج آخر استطلاعات المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية والتي أجريت قبل انتخابات بيرزيت الى ان مواقف الشباب تجاه العديد من القضايا التي تقيم أداء السلطة، والتي تنعكس بدورها على حركة فتح وحجم التأييد لها، هي مواقف لا تصب في مصلحة الحركة. تبدي الأغلبية الشبابية عدم الرضى او الاستياء من أداء السلطة مما ينعكس غالبا على التأييد للحركة او لأطرها المختلفة مثل مجالس الطلبة وغيرها. فمثلا، يظهر الجدول أدناه ان 86% من الشباب يعتقدون بوجود فساد في أجهزة السلطة، و73% يرون ان الناس لا يستطيعون انتقاد السلطة بدون خوف، و64% غير راضيين عن أداء الرئيس محمود عباس، و57% لا يحبذون بقاء الرئيس عباس في السلطة.

 

الشكل رقم (3): مواقف الشباب بين 18-22 من بعض القضايا المتعلقة بالسلطة الفلسطينية (استطلاع رقم 83، آذار/مارس 2022)

 

2) أخطاء حركة فتح

افتقدت حركة فتح لرؤية واستراتيجية لكيفية التعامل مع الشبيبة كقطاع شبابي يمثل مستقبل الحركة، فقد هدفت الحركة ان تكون الشبيبة ملحقة بالحركة وداعمة لها ولقياداتها. وافتقدت الحركة لبلورة رؤية لدور الشبيبة في مواجهة الاحتلال، وهذه واحدة من أكبر اهتمامات الطلاب والشباب. بل افتقدت لبلورة رؤية تتعامل مع القضايا الحياتية التي تخدم المجتمع بشكل عام. فدائما كان التفكير في كيفية خدمة الشبيبة للجسم الرسمي للحركة دون مراعاة لخصوصية الشبيبة التي يجب ان تتمايز عن الحركة الام، خاصة انها تمثل قطاع الشباب الذي له رؤيته المختلفة للعديد من القضايا المختلفة. [7]

ساهمت المواقف الرسمية التي اتخذتها حركة فتح، مثل دعمها المطلق للسلطة وعدم القدرة على التمايز في المواقف في كثير من الحالات، في خسارة الشبيبة. وهنا يبرز مرة اخرى حادث مقتل نزار بنات عندما استنفرت حركة فتح قواعدها وأنزلتهم للشوارع للدفاع عن السلطة في مواجهة مواطنين فلسطينيين محتجين في سابقة خطيرة جعلت من حركة فتح تساهم في الاعتداء على الحريات، بدلا من الدفاع عن الحريات، وفي الاعتداء على غيرها من القيم الديمقراطية التي صاغتها فتح في أدبياتها، والتي كرستها بتجربتها في الجامعات والسجون. بل إن الحركة عزلت منسق الشبيبة والهيئة التنظيمية العاملة معه في الجامعة لقيام الشبيبة في جامعة بيرزيت بإصدار بيان يدين مقتل الناشط نزار بنات ويرفض القمع وتقييد الحريات. تقول احدى الطالبات أن حماس ركزت نشاطاتها قبل الانتخابات بفترة قصيرة على الوضع الخارجي وممارسات السلطة، وخاصة قضية نزار بنات، حيث استغلت بعض الصور لأفراد من كتلة الشبيبة شاركوا في المسيرات التي خرجت ضد المواطنين المعارضين وقد لاقى دور الشبيبة هذا استياءً كبيرا بين الطلاب.

فوق كل ذلك، افتقدت حركة فتح خلال السنوات الماضية للخطاب "الثوري" الذي يتبناه المنافس السياسي للحركة، أي حركة حماس، علما ان حركة فتح اكتسبت معظم القاعدة الشعبية لها في ستينات وسبعينات القرن الماضي نتيجة لذلك الخطاب والفعل "الثوري" الذي تبنته ومارسته الحركة في تلك الفترة الماضية. يعتبر طلاب الجامعات من أكثر الفئات العمرية راديكالية، وبالتالي فان الخطاب "الثوري"، وخاصة المقاوم للاحتلال، هو أكثر ما يشد هؤلاء الطلاب ويعبئهم. فقد أظهرت استطلاعات الرأي العام أن أغلبية تبلغ 55% من الشباب تعتقد أن العمل المسلح هو الطريقة الأفضل لتحقيق الأهداف الفلسطينية في إنهاء الاحتلال واقامة دولة مستقلة، وهي بالطبع الطريقة التي لا تتبناها السلطة الفلسطينية، مقابل 14% فقط من الشباب يرون أن المفاوضات هي الطريقة الأفضل لتحقيق الاهداف الفلسطينية بإنهاء الاحتلال واقامة دولة مستقلة.

 

الشكل رقم (4) الطريقة الافضل لتحقيق الاهداف الفلسطينية بإنهاء الاحتلال وإقامة دولة مستقلة بين الشباب (18-22) عاما والأكبر سنا (استطلاع رقم 84، حزيران/يونيو 2022)

 

3) مشاكل داخل الشبيبة الطلابية

 

هناك مجموعة من الاسباب وراء الهزيمة تتعلق بعمل وسلوك الشبيبة الطلابية في جامعة بيرزيت تتمثل فيما يلي:

  • قبول الشبيبة الطلابية أن يكونوا ملحقين وتابعين للحركة دون أي تمايز في المواقف: ففقدت الشبيبة في جامعة بيرزيت دورها القيادي الذي طالما تميزت فيه، خاصة في المرحلة التي أصبح يتم فيها تعيين المنسق والهيئة التنظيمية داخلها بدل انتخابه.[8] تقول احدى طالبات جامعة بيرزيت ممن صوتوا للكتلة الاسلامية ان السبب الرئيسي لتفوق الكتلة ليس فقط الربط بين أفعال السلطة الفلسطينية السلبية في الآونة الأخيرة وبين حركة الشبيبةـ، بل لأن بعض أفراد حركة الشبيبة كانوا يعززون هذا الربط من خلال محاولتهم الدفاع عن السلطة وإجراءاتها، مما عزز ذلك الربط عند الطلاب وبالتالي جاءت النتيجة كعقاب للسلطة من خلال انتخاب الكتلة الإسلامية.[9]
  • غياب النشاطات المنظمة والتعبئة لدى الشبيبة مقارنة بما تقوم به حركة حماس: تقول إحدى الطالبات في تفسيرها لتفوق الكتلة الإسلامية ان الامر متعلق ايضا بالنشاطات الطلابية داخل الجامعة من قبل حركة الشبيبة والكتلة الإسلامية حيث إنه على الرغم من كثرة النشاطات التي قامت بها حركة الشبيبة إلا انها كانت متباعدة وغير منظمة وغير ملموسة بشكل قوي من قبل الطلاب. في المقابل ركزت الكتلة الإسلامية نشاطاتها قبل الانتخابات بفترة قصيرة وكانت منظمة وركزت على الوضع الخارجي وافعال السلطة.
  • الخلافات الداخلية القائمة احيانا على اسس جغرافية ومناطقية بين ابناء الشبيبة والظاهرة لبقية الطلاب: فهي اولا تضعف الشبيبة وتبعد الاخرين عنها، فالتنظيم غير القادر على ترتيب اموره الداخلية سيكون أضعف من منافسه في عملية استقطاب الطلبة، خاصة في ظل وجود منافس سياسي يسعى لاستغلال اخطاءك.[10]
  • عدم القدرة على تقديم الافضل للطلاب من خلال برنامج نقابي مهني قادر على استقطاب الطلاب: يقول العديد من الطلاب أن الشبيبة تفتقر لبرنامج نقابي يعالج حاجاتهم الجامعية. بل يقولون إن المنافس الرئيسي الثالث، أو القطب الطلابي، هو الأنجح في عرض برامج نقابية مقبولة.[11]
  • غياب الحياة الديمقراطية عن عمل الشبيبة في جامعة بيرزيت قبل الانتخابات: كما أشرنا سابقا، أصبح يتم تعيين قيادة الشبيبة من خلال قيادة الحركة، وقد تكون هناك انتخابات مصغرة، وليس من خلال مؤتمر عام يشارك فيه كل ابناء الشبيبة لاختيار قيادتهم كما جرت العادة طوال سنوات العمل الطلابي في جامعة بيرزيت.[12] يؤدي هذا السلوك لزيادة عدد الغاضبين والناقمين من أبناء الشبيبة ما يجعلهم غير مكترثين بنجاحها، وقد يعمل بعضهم على إفشالها. وكان هذا أحد أهم التحديات التي واجهت حركة الشبيبة في الجامعة، أي كيف تسوق نفسها على انها حركة ديمقراطية وهي لا تمارس العمل الديمقراطي في عملها التنظيمي الداخلي.  لكن الحركة تداركت هذا الموضوع بعد الانتخابات وتم انتخاب منسق للشبيبة الطلابية، جرى اعتقاله من قبل الاحتلال لاحقاً.

 

4)  قوة جذب حركة حماس

تسيطر حركة حماس على قطاع غزة منذ حزيران 2007، وقد ساهمت سيطرتها هذه في انخفاض شعبيتها منذ تلك السنة وحتى عام 2015، الا في فترات قصيرة أثناء الحروب الاسرائيلية على قطاع غزة. وقد بدأت حماس تستعيد شعبيتها نتيجة قيام السلطة باتخاذ مجموعة من الاجراءات التي تم الاشارة لها سابقا، وذلك بالرغم من أن حركة حماس لا تقدم نموذجا أفضل في الحكم من حركة فتح.  فهي تمنع الحياة الديمقراطية في قطاع غزة حيث لم يتم اجراء أية انتخابات محلية، كما جرى أكثر من مرة في الضفة الغربية، ولا تسمح بإجراء الانتخابات الطلابية في الجامعات الفلسطينية الموجودة في قطاع غزة، وتتدخل في الانتخابات النقابية فتسمح بهذا وتمنع غيره. وقد ساهم قمع حكومة حركة حماس في قطاع غزة لحراك "بدنا نعيش" في عام 2019 في خسارة تفوق الكتلة الاسلامية في جامعة بيرزيت وحصولها على عدد من المقاعد مساوي لعدد مقاعد الشبيبة في انتخابات مجلس الطلبة في ذلك العام، بل كان التفوق في عدد أصوات الطلاب لصالح الشبيبة بحوالي 68 صوت.[13]

لكن حركة حماس حافظت على خطابها السياسي المنادي بمقاومة الاحتلال من خلال جميع انواع المقاومة وفي مقدمتها العمل المسلح، حيث خاضت في أيار 2021 حربا مع الاحتلال الاسرائيلي بسبب التعديات والاجراءات الاسرائيلية في مدينة القدس. ساهمت تلك الحرب في رفع شعبية الحركة بصورة واضحة، وهذا ما اظهرته الاستطلاعات قبل وبعد الحرب.[14]

 

الشكل رقم (5): توجهات المواطنين الانتخابية قبل وبعد الحرب على قطاع غزة في أيار 2021 (استطلاع رقم 79 في آذار/مارس 2021 واستطلاع رقم 80 في حزيران/يونيو 2021)

 

5) تدخلات الاحتلال الإسرائيلي تخدم المعارضة للسلطة

قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بحملة اعتقالات بحق عدد من ناشطي ومرشحي الكتلة الاسلامية في الجامعة قبل الانتخابات بأيام. يعتقد عضو المجلس الثوري لحركة فتح، حسن فراج، أن هذا التدخل من قبل الاحتلال يساعد من زيادة حجم التعاطف مع طلاب الكتلة الاسلامية وبالتالي ينعكس على التوجه الانتخابي للطلبة. وكانت قوات الاحتلال قد اعتقلت عددا من المرشحين المحسوبين على حماس في آذار/مارس 2022. ويضيف فراج أن عمليات الاعتقال هذه تخلق تعاطفا مع من تم اعتقالهم من قبل الاحتلال.[15] وهذا ما أيده عدد من الطلبة، سواء ممن انتخبوا الشبيبة او الكتلة الإسلامية، حيث جزموا بأن الاعتقال من قبل الاحتلال يساهم في زيادة شعبية المعتقل.

 

التوصيات:

خرجت الدراسة بمجموعة من التوصيات للسلطة الفلسطينية وحركة فتح وحركة حماس والشبيبة الطلابية في جامعة بيرزيت.

توصيات للسلطة الفلسطينية:

  • عدم التدخل في الانتخابات الطلابية وغيرها من شؤون الطلبة، وخاصة من قبل الأجهزة الامنية الفلسطينية، لأن ذلك ينعكس سلبا على النتائج في ظل رفض الطلبة لهذه التدخلات.
  • المحافظة على العملية الديمقراطية في بقية الجامعات والنقابات وتشجيع عقد الانتخابات في المواقع التي لا يوجد فيها انتخابات.

توصيات لحركة فتح:

  • وقف التدخل من قبل قيادة الحركة في حركة الشبيبة واعطائهم المساحة اللازمة لإنجاح عملهم وقيامهم بدورهم النقابي، فهؤلاء الطلاب هم قادة المستقبل.
  • إعادة صياغة برنامج وطني يعيد ترتيب الحالة الوطنية وكل ما يتعلق بالمواجهة مع الاحتلال، واستعادة حركة فتح لدورها القيادي في العمل الوطني والمواجهة مع المحتل.
  • تبني مواقف أقرب للمواطن في القضايا الوطنية واليومية المتعلقة بحياة الناس بحيث تكون متمايزة عن مواقف السلطة.
  • إعادة صياغة حركة فتح وبنائها من خلال عقد مؤتمر عام لحركة فتح بشكل نزيه وعادل يقوم على اسس ديمقراطية حقيقية وتمثيل حقيقي لكافة قواعد حركة فتح، وبحيث يكون هذا المؤتمر قادرا على انتخاب قيادة للحركة تعيد تقييم المرحلة السابقة والاستفادة من الاخطاء السابقة واخذ العبرة منها.

توصيات لحركة حماس:

  • السماح بإجراء الانتخابات بشكل منتظم في الهيئات المحلية والجامعات والنقابات والاتحادات الشعبية والجمعيات الخيرية والأهلية وغيرها، وإعطاء المزيد من الحريات للفعاليات والاحتجاجات المخالفة بالرأي، والمضي نحو تمكين الناس من اختيار ممثليهم في هيئاتهم المحلية والطلابية والنقابية. فمن غير المعقول ان تتغنى حماس بانتصاراتها في جامعات الضفة الغربية وهي تمنعها وتضيق على الحريات في قطاع غزة.

توصيات للشبيبة الطلابية:

  • المضي قدما بتعزيز الديمقراطية الداخلية في حركة الشبيبة والاستمرار في اجراء الانتخابات الداخلية كما حصل مؤخرا بعد الخسارة حيث جرى انتخاب قيادة الشبيبة من قبل طلاب الشبيبة في الجامعة.
  • محاربة اي ظواهر سلبية داخل الشبيبة مثل المناطقية والفئوية والتي تؤدي لتفريق الجهود وتشتيت الاصوات.
  • عدم تبني مواقف السلطة غير المقبولة شعبيا او الدفاع عنها من قبل افراد الشبيبة
 

[1]  هاني المصري. نتائج انتخابات بيرزيت: نقطة تحول أم لحظة عابرة؟ https://www.masarat.ps/article/5966

[2]  حصلت حركة فتح في عام 2009 على 2540 صوت فيما حصلت في العام 2010 على 2200 في ظل مقاطعة حماس.

[3] https://www.pcpsr.org/sites/default/files/Poll-85-Arabic-press-release%2020Sep2022.pdf

[4] خليل الشقاقي، هل يمكن لبرلمان منتخب جديد ان يصلح ما فسد في النظام السياسي الفلسطيني في غيابه؟ كانون ثاني 2021. http://pcpsr.org/ar/node/832

[5] يجمع كافة من أجريت معهم المقابلات، سواء من طلاب جامعة من مختلف الاطياف السياسية او أساتذة الجامعة، ان السبب الرئيسي لتفوق حماس بهذا القدر هو أفعال السلطة الفلسطينية المرفوضة شعبيا وربط الطلاب حركة الشبيبة بالسلطة الفلسطينية. اجريت المقابلات في الفترة ما بين 8- 18 تشرين اول 2022.

[6] المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية. استطلاع رقم (84) حزيران 2022. https://www.pcpsr.org/ar/node/913

[7]  مقابلة مع السيد ابراهيم خريشة. عضو مجلس ثوري سابق ورئيس سابق لمجلس الطلبة في جامعة بيرزيت وذلك بتاريخ 11/9/2022.

[8] مقابلة مع ابراهيم خريشة. مصدر سابق.

[9] مقابلة مع احدى طالبات جامعة بيرزيت بتاريخ 12/10/2022.

[10] مقابلة مع ابراهيم خريشة. مصدر سابق.  يقول أحد الطلبة: سمعت عدة مرات عن مشاكل بين أفراد الشبيبة، وكانت واضحة للعيان، على عكس الكتلة الاسلامية الذين كانوا موحدين. مقابلة مع أحد الطلبة بتاريخ 10/10/2022.

[11]  حوار مع عدد من طلاب جامعة بيرزيت بتاريخ 13/8/2022. قال 6 طلاب من بين 10 طلاب من توجهات مختلفة ان برنامج القطب الطلابي كان أفضل من برامج الشبيبة والكتلة الاسلامية ولكنهم لم ينتخبوا القطب الطلابي لأنه لا يشكل منافسا قويا امام الشبيبة أو الكتلة الاسلامية.

[12] مقابلة مع ابراهيم خريشة. مصدر سابق.

[13]  مقابلة مع السيد حسن فراج. عضو المجلس الثوري لحركة فتح ومسؤول ملف الشبيبة بتاريخ 17/8/2022.

[14]  المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية. 1) استطلاع رقم 79 اذار 2021 http://pcpsr.org/ar/node/838

2) استطلاع رقم 80 حزيران 2021 http://pcpsr.org/ar/node/846

[15]  مقابلة مع السيد حسن فراج. عضو المجلس الثوري لحركة فتح ومسؤول ملف الشبيبة بتاريخ 17/8/2022.

Arabic

Introduction:

The results of the student council elections at Birzeit University that took place in May 2022 came as a shock to supporters of Fatah after the heavy loss suffered by its student youth movement, al Shabiba, winning only 18 seats out of 51, compared to 28 seats for the Islamic Bloc, Al Kutlah al Islamiyyah, and 5 seats for the Student Pole, al Qutb al Tollabi, that represents leftist forces at the university. These results were shocking to Fatah because of the importance of the student elections, especially at Birzeit University, for what they represent for the future of the national movement. It was shocking because the students of this university, more than other university in the West Bank, represent many of the various regions of the West Bank as well as the various socio-economic classes and political currents thereby making the Birzeit elections a barometer of the attitudes and behavior of the educated Palestinian youth. Birzeit University has a special importance in the democratic process because this university has been a beacon of democratic practices preserving democratic traditions throughout the previous years in which Palestinians were deprived of national elections, while student elections were held annually at that university except in the most difficult conditions, such as the Covid pandemic in 2020 and 2021.

These elections came amid the near-total absence of democratic life in the Palestinian territories as no national elections have been held since 2005 and 2006, when presidential and legislative elections were held respectively. Back in December 2021 and earlier this year, in March 2022, local council elections were held in the West Bank, but they were not held in the Gaza Strip because of Hamas' objection to holding them in that part of the Palestinian territories

 

Background:

The past five years have witnessed a strong showing by Hamas’ Islamic Bloc at the expense of its main rival, al Shabiba, but without gaining a majority of Birzeit student vote. In the elections that preceded the closure of the university due to the Corona pandemic, in 2019-2020, al Shabiba was in fact able to win the same number of seats as the Islamic Bloc. The following figure shows the seat distribution at Birzeit University during the period between 2016-2022.

 

Figure (1): Distribution of Student Council Seats at Birzeit Student elections between 2016-2022

It should be noted that al Shabiba won all Birzeit University student elections that took place between 2007 and 2015, i.e., after Hamas violently took control of the Gaza Strip.  For example, in 2008 it won 25 seats compared to 19 seats for the Islamic Bloc; in 2009 it won 24 seats compared to 22 for the Islamic Bloc; in 2010 and 2011 it won 31 seats and 29 seats respectively while the Islamic Bloc boycotted the student elections; in 2012 it won 26 seats compared to 19 seats for the Islamic Bloc; in 2013 and 2014 it won 23 seats compared to 20 seats for the Islamic Bloc.[1]  During the two years that the Islamic Bloc boycotted the elections, the student turnout fell from 85% in 2009 to 58% and 50% respectively before rising again to 75% in 2012. Most of the votes that used to go to the Islamic Bloc abstained, resulting in lowering the number of votes required per seat from 117 in 2009 to 71 in the 2010 elections.[2]

The results of the Birzeit University student elections have opened the debate about the reasons behind Fatah's loss despite the group's greater popularity in the West Bank compared to that of Hamas as indicated by the most recent public opinion polls.[3] How can Fatah's loss by such a large margin be explained despite having such a great electoral base?

Explaining Fatah’s loss and Hamas’ victory

The loss of al Shabiba and the victory of the Islamic Bloc can be attributed to a number of reasons, the most prominent of which are the following five:

  1. Mistakes and blunders made by the Palestinian Authority (PA) during 2021
  2. Mistakes made by Fatah
  3. Internal problems within al Shabiba
  4. Hamas remains attractive to the youth
  5. Israel unintentionally helped Hamas

1. PA blunders and poor performance:

Over the past few years, the PA has taken a series of measures that have harmed the nature of the system of government that the Basic Law and another set of key laws had established in Palestine. Accountability and oversight over the work of the president and government have been abolished and the judiciary has been weakened and its independence threatened.[4] The year before the Birzeit University elections witnessed several events that contributed to al Shabiba’s loss including the postponement of the general elections (legislative and presidential) that were scheduled to be held in May and July 2021, the perceived PA mismanagement of the import of the coronavirus vaccines, and the killing of activist Nizar Banat during his arrest by the Palestinian security services. Public concern about corruption within the PA has been aggravated by the release of various reports including that of the Office of Financial and Administrative Control on the Ezz Waqf Fund and on Khalid Al-Hassan Hospital for Cancer Diseases.

There is considerable agreement among those interviewed for this Brief, among students, university professors, the public at large, or experts on the Palestinian political scene, that the PA's blunders and unpopular behavior were the main reasons for Fatah's loss. In-depth interviews with 14 Birzeit university students from different student political currents show that all of them agree that this has been the top most important factor shaping the outcome of the student elections: the students punished al Shabiba for the “crimes” of the PA.[5] One Birzeit University student who voted for the Islamic bloc says that the main reason for the Bloc's popularity is the link made by the students between the PA’s recent actions, such as the killing of Nizar Banat, and al Shabiba. Another student says that this shift in student attitudes did not occur in previous years because the magnitude of PA plunders in recent years has been unprecedented and the student awareness of these plunders has become much greater thanks to social media and the emergence of organized student groups, on WhatsApp and other platforms, that became much more active and effective compared to previous years.  A new student at the university says that new students do not mainly look at the activities of the student blocs inside the university but rather look at the political situation in the country, and since the PA’s behavior has worsened in recent years, student perception of the PA is becoming overwhelmingly negative.  Another student says that the main reason for the victory of the Islamic bloc is the great urge among the students to send a message to the PA and Fatah by voting against al Shabiba despite the fact that many of those students come in fact from Fatah affiliated families.

These findings are confirmed by university professors who witnessed various election rounds during past years. Reflecting the views of many, one lecturer at Birzeit University, who studied her bachelor's and master's degrees at the same university, asserted that Hamas’ victory was essentially a punishment for the PA and Fatah.

It is also the sentiment of the Palestinian public. The results of a public opinion poll conducted by the Palestinian Center for Policy and Survey Research right after the Birzeit University elections showed that 59% believe that the reason for the victory of the Islamic Bloc is a protest by students against the performance of the PA, while 32% of the Palestinian public believe that the reason for the Islamic Bloc victory is a shift among the Palestinian people towards greater support for Hamas.[6] But as can be seen in the following figure, while 70% of the likely Fatah voters think the vote for the Islamic Bloc was a punishment for the PA rather than a reward for Hamas, only 22% of likely Hamas voters think agree with that statement.

Figure (2): Reasons for the Islamic Bloc victory in Birzeit University student elections as expressed by the Palestinian public (PCPSR’s poll # 84, June 2022 )

 

In this context, it is useful to consider the attitudes of Palestinian youth in general towards the PA. The results of the latest polls conducted by the Palestinian Center for Policy and Survey Research conducted before the Birzeit elections indicate that the youths’ perception of the PA performance is highly negative. This negative perception leaves its impact on Fatah as well thereby reducing public support for it. As Figure (3) below indicates, the majority of 86% of the youth believes in the existence of corruption in PA institution, 73% think people cannot criticize the PA without fear, 64% are dissatisfied with the performance of president Abbas, and 57% want the president to resign.

Figure (3): Attitudes of youth between the ages of 18-22 regarding selected issues related to the PA (PCPSR’s poll # 83, June 2022)

2. Mistakes made by Fatah:

Fatah seems to lack a vision and strategy for how to deal with al Shabiba as a youth sector that represents its future. The movement seems to want to make its youth group a subordinate rather than a partner. It provides no guidelines for how the youth should relate to the Israeli occupation, a topic of the utmost importance to students and young people in general. To make things worse, Fatah lacks a clear vision on how to organize Palestinian society and deal with the day to day living conditions. Fatah’s failure in allowing its youth movement to develop its own national vision denies al Shabiba the ability to take the initiative and press the national leadership in the direction most favored by Palestinian youth.[7]

On top of that Fatah finds itself unable to distinguish itself from the PA, to the contrary, it provides full support to PA policies including those rejected by the overwhelming majority of the public. The example most cited by students and others is the manner in which Fatah dealt with the killing of Nizar Banat. Instead of distancing itself from the incident, Fatah mobilized its base and brought it to the streets to defend the PA in the face of public anger. This episode served as a dangerous precedent portraying Fatah as a party that assaults liberties and freedoms, rather than defending them, in total contradiction with Fatah’s values enshrined in its literature. Worse yet, Fatah dismissed its own Shabiba coordinator at Birzeit University and the organizing body working with him because the group issued a statement condemning the killing of Banat and rejecting repression and restrictions of freedoms. One student said that shortly before the elections, the Islamic Bloc focused its campaign on this and similar incidents to demonstrate how al Shabiba was no longer representing the aspiration of the youth and that, to the contrary, it was being used by the PA as a local militia to crack down on non-violent protests by the Palestinian civilians. Hamas distributed photos showing how Birzeit students from al Shabiba were taking part in counter demonstrations defending with the PA and its security officers. Reaction by the students to these images were decidedly negative generating a great deal of resentment against their own colleagues at the university.

Above all, Fatah has over the past years lacked the "revolutionary" discourse adopted by the movement's political rival, Hamas. Given the fact that Fatah has gained most of its popular base in the sixties and seventies of the last century as a result of its "revolutionary" discourse and action adopted and practiced by the movement in that past period. University students are considered to be among the most radical age groups in Palestinian society, one that most likely finds itself highly attracted to the "revolutionary" discourse that Fatah has now abandoned. PCPSR public opinion polls have shown, as indicated in the Figure (4) below, that a majority of 55% of the youth believe that armed struggle is the best means to achieve Palestinian goals of ending the occupation and establishing an independent state compared to only 14% of the youth who believe that negotiations are the best means. This of course is not the position adopted by the PA or the Fatah movement. 

Figure (4): The most effective means of ending the Israeli occupation according to Palestinian youth between the ages of 18-22 vs. older Palestinians (PCPSR’s poll # 84, June 2022)

3. Al Shabiba’s internal problems:

Al Shabiba made its own significant contributions to its defeat. The following problems characterized the group’s behavior at Birzeit University in the months and years before the latest elections and doomed its chances of winning:

  • Al Shabiba accepted to subordinate itself to the Fatah movement without any attempt to differentiate its position from that of the larger political movement: Al Shabiba at Birzeit University lost the leadership role when it acceded to interferences from Fatah in its internal affairs, for example by allowing it to appoint, rather than elect, the group’s coordinator and organizational body, thus subordinating itself to that of the larger movement.[8] One Birzeit University student, who voted for the Islamic Bloc, says that on top of existing links between al Shabiba and the PA, the group was in no position to declare any dissenting views because it was fully controlled by its mother organization, Fatah. In toeing the line, al Shabiba, therefore, had no choice but to threw its full weight behind the PA plunders, regardless of how distasteful and unpopular they were. With this in mind, students had no choice but to vote for its rival, the Islamic Bloc.[9]
  • The absence of Al Shabiba organized activities and mobilization campaigns among the students compared to that of Hamas: One student says in her explanation of the advantage the Islamic Bloc had that while al Shabiba’s student activities were ad hoc and lacked consistency, the Islamic Bloc was much more organized and active in organizing student activities.
  • Visible internal disagreements existed within al Shabiba’s own ranks and were based on geographical and regional bases: Conflicts within the ranks of al Shabiba were perceived by other students are evidence of discrimination practiced by the group against certain groups and geographic areas rather than disagreements based on an open exchange of ideas and genuine disagreements over policies. These perceptions turned students off and led them to stay away from the group.[10]

 The failure of al Shabiba to act as a professional student union: Students expect their syndicate or union to aggregate their interests and protect them in negotiations with the university administration. Some students felt that, on occasions, al Shabiba failed to do that. They stressed that to be successful al Shabiba needed to pay greater attention to the needs of the students, as students, by helping to create an environment conducive to learning and scholarship.  Indeed, many say the Student Pole, a rival, was the most successful in promoting pro student programs.[11]

  • The absence of democratic practices within al Shabiba at Birzeit University: As indicated earlier, the leadership of al Shabiba before the latest student elections was appointed by the Fatah leadership. While some limited forms of mini elections continued to be seen in its activities, the group has stopped its previous practice in which its entire leadership was elected by a general conference of all members.[12] This lack of democratic practices has generated disappointment among the students, including among its own ranks, leading to indifference regarding the outcome of the student elections. Al Shabiba could not sell itself to the students as a democratic movement when it shunned democratic practices within its own ranks. It is worth noting that the election defeat forced Fatah to reevaluate its policy and to allow al Shabiba to hold its own elections; indeed, a new coordinator was elected but was soon arrested by the Israelis.

4. Hamas remains attractive:

Hamas has controlled the Gaza Strip since June 2007, and its control has contributed to a decline in its popularity for the following 8 years, until 2015, except for short periods during its armed confrontations with Israel. Despite the fact that Hamas does not offer a better model of governance than Fatah, it did manage to regain popularity as a result of a series of measures adopted by the PA and referred to earlier. Hamas prevents any democratic life in the Gaza Strip, where no local elections have been held, as has been done more than once in the West Bank. It does not allow student elections to be held in Palestinian universities located in the Gaza Strip. It interferes in trade union elections, allowing some and preventing others. The repression by the Hamas government in the Gaza Strip of the Bedna Neish (We Want to Live) movement back in 2019 contributed to the loss of the Islamic Bloc's popularity at Birzeit University. In that year, al Shabiba won more student votes than the Islamic Bloc.[13]

However, Hamas has been able to capitalize on its rhetoric regarding the resistance to occupation and the fact that it did engage in repeated armed confrontations with the Israeli army at a time when the Palestinian-Israeli peace process, championed by the PA, was dead and buried. The May 2021 war between Israel and Hamas led to a major spike in that movement’s popularity that benefited its student group, the Islamic Bloc. Within three months, Hamas managed to increase its popularity by one third as can be seen in the following figure.[14]

Figure (5): Voting intentions before and after the May 2021 war between Hamas and Israel (PCPSR’s polls # 79, March 2021 and # 80, June 2021)

5. How Israel, inadvertently, helps Hamas:

Days before the elections, the Israeli occupation forces carried out a series of arrests against a number of activists and candidates of the Islamic Bloc at the university. Hassan Farraj, a member of Fatah's Revolutionary Council and the person in charge of al Shabiba in the movement, believes that this interference by the occupation helps to increase the level of sympathy for the students of the Islamic Bloc and thus impacts the electoral preferences of the students. Farraj adds that these arrests create sympathy for those arrested by the occupation.[15] This was supported by a number of students, those who voted for al Shabiba and those who voted for the Islamic Bloc, who asserted that the arrests by the Israeli army contributes to increasing the popularity of the detainees and their student faction.

 

Recommendations:

The loss of al Shabiba and the victory of the Islamic Bloc can be attributed to a number of reasons, the most prominent of which is the mistakes and blunders made by the PA during 2021. Fatah and al Shabiba made their own mistakes as well; and Hamas was able to capitalize on its increased popularity in the aftermath of its May 2021 war with Israel.

The study concludes with a set of recommendations for the Palestinian Authority, Fatah, Hamas, and al Shabibah at Birzeit University.

 

To the PA:

  • A policy of no-interference in student elections, as well as other student matters, especially by the Palestinian security services, is recommended. Such interference, when it occurs, reflects negatively on the results in light of the students' rejection of this PA behavior.
  • It is recommended that the PA maintain the democratic process in the rest of the universities and unions and encourage the holding of elections in locations where they are not held.

To Fatah:

  • The most important recommendation to Fatah is similar to the one made to the PA: stop the interference in the affairs of al Shabiba; give your youth the necessary space to make their own decisions and to act as a trade union serving the interests of its student base.
  • Fatah should also reformulate its national program to be in sync with the national sentiments. For Fatah youth to win, they need to be seen as part of a leading movement engaged in the national struggle for liberty and freedom.
  • Similarly, Fatah needs to be seen by the students as a movement in tune with the pulse of the public on local matters even if that means having distinctly different views than those of the PA.
  • In particular, Fatah needs to reestablish its democratic credentials by holding its General Congress and electing its leadership in elections that are free of fear and intimidation with full representation to all sectors of its base.

To Hamas:

  • The single most important recommendation to Hamas is to allow elections to be held regularly in local bodies, universities, trade unions, civil associations, etc., and allow more freedoms to dissenting activities and protests, and enable people to elect their representatives in their local councils. It is inconceivable that Hamas would pay tribute to its victories in West Bank universities while preventing elections and restricting freedoms in the Gaza Strip.

To the Shabiba:

  • The single most important recommendation to al Shabiba is to move forward with strengthening its internal democratic practices and to hold internal elections for its bodies, as happened recently after the Birzeit University loss where its youth leadership was elected by the students.
  • It should combat all negative phenomena within its ranks, such as regionalism and factionalism that lead to apathy, the dispersal of efforts, and the dispersal of votes.
  • It should not embrace or defend unpopular PA policies as its own; as a youth movement it should strive to encourage critical thinking and open discussion of unpopular PA measures.

 


[1] See article by Hani al Masri, “Birzeit Elections, a turning point or a passing moment”,” https://www.masarat.ps/article/5966

[2] In 2009 al Shabiba received 2540 votes and in 2010 during the boycott by the Islamic Bloc it received 2200 only.

[3] See the most recent polls conducted by the Palestinian Center for Policy and Survey Research: https://www.pcpsr.org/sites/default/files/Poll-85-Arabic-press-release%2020Sep2022.pdf

[4] See, Khalil Shikaki, “Can a Newly Elected Parliament Repair the Damage Done to the Palestinian Political System in its Absence?” Critical Policy Brief, PCPSR, January 2021: http://pcpsr.org/en/node/831

[5] The 14-student interviews were conducted during the period 8-18 October 2022.

[6] PCPSR poll #84, June 2022: Public Opinion Poll No (84) | PCPSR

[7] An interview with Ibrahim Khraishah, former member of Fatah’s Revolutionary Council and a former head of Birzeit Student Council. The interview was conducted on 11 September 2022.

[8] Interview with Ibrahim Khraishah.

[9] Interview with student on 12 October 2022.

[10] Interview with Ibrahim Khraishah. One student said that chaos, disagreements and conflicts in al Shabiba’s ranks were widespread and visible to all to see while student members of the Islamic Bloc expressed curtesy and respect to each other in a show of solidarity and discipline.

[11] In a dialogue with students on 13 August 2022, six out of ten students testified that the Student Pole (the left) was the most effective in presenting the students with a student-friendly platform but that the students did not vote for it because they did not consider it a viable rival to al Shabiba or the Islamic Bloc.

[12] Interview with Ibrahim Khraishah.

[13] Interview with Hasan Farraj, a member of Fatah's Revolutionary Council and the person in charge of al Shabiba in the movement, on 17 August 2022.

[14] Compare the findings of PCPSR’s poll #79, in March 2021 (Press Release: Public Opinion Poll No (79) | PCPSR) with that of PCPSR’s poll #80, in June 2021, one month after the war with Israel: Public Opinion Poll No (80) | PCPSR

[15] The interview with Mr. Farraj took place in Ramallah on 17 August 2022.

English

Pages